فرقة “اورينتال باند”..شباب يغنون لأجل السلام

223

 آية منصور/

يتسللون مع الضوء المنبثق من ثقب الحياة، مواجهين لكلّ هذا الظلام. موسيقاهم تخرج لتطرق أبواب آذاننا وتهمس: “الحياة هنا ممكنة في العراق”. فالموسيقى والغناء والشباب صور ربما تكون غير واضحة المعالم بعدُ، لكنها حاضرة ويمكن أن تكون الحقيقة المخفية لهذه البلاد التي لم تزل تحبّ الحياة.

“أورينتل باند” الفرقة الأمّ ذات السبعة أشخاص، التقوا جميعهم مصادفة، في “يوم السلام العالمي” لإلقاء السلام في وجوه العابرين، واجتمعوا ليقرروا إنشاء فرقتهم الخاصة.

الحرب لا تعرف الموسيقى

“فادي” مؤسس الفرقة وعازف القانون، دخل معهد الفنون الجميلة من دون أيّ طموح يُذكر سوى الهروب من “العسكرية” وبقي في المعهد حتى ٢٠٠٥، تلك السنة التي كان تبدو فيها نُذر حرب أهلية في بغداد، حيث كان حمل الآلة الموسيقية خطراً قد يحملك أنت أيضا نحو الموت. لم يجد أمامه إلا الكنيسة التي كانت الملجأ الوحيد لضمّ وحفظ موسيقاه، إلى أن أتتْ مناسبة يوم السلام العالمي ليشارك فيها ويتعرّف خلاله على من يماثله شغفاً بالحياة والفنّ.

يقول فادي: “في سنة تأتي إلى مهرجان السلام الكثير من المواهب، ومهمتي اختبار الصوت، حتى شاهدت “ماهر” و”أصالة” وأحببت صوتيهما كثيراً. كانت هناك أيضاً “آمال” التي كانت تزورنا مع “أصالة” فقررتْ أن تكون معها، وعند نهاية المهرجان أصبحنا أصدقاء، ثم تعرفنا على “بسام” و”أوس” و”مهند”. ودون أي تخطيط أصبحنا نشترك معا في المهرجانات الخيرية والشبابية التي جمعتنا “.

لا مكان لأحلامنا

طلبتْ منهم شركة زين تصوير إعلان دعائي بعنوان “هسه اليه” لإطلاق فرقتهم في لبنان، ولم تأت شركات الإنتاج، بغير فرصة لتسجيل الصوت فقط. ومع ذلك فهم ينتظرون فرصتهم الأنسب التي يستطيعون من خلالها إيصال رسالتهم برغم كل الخراب.
“أصالة” التي تفتخر كثيراً بتشجيع عائلتها لها ولشقيقتها “آمال” ترى “أن دراستها الطب لم تمنعها من الدندنة والغناء في المنزل مع آمال ووالدهما، إلى أن تمكنت من تحطيم الحظر المفروض في كليتها منذ عام 1989 والغناء في مهرجان الربيع لتكون الفتاة الأولى التي تصعد مسرح الكلية للغناء بعد كل هذه المدة. وبرغم ذلك قوبل تصرفها بالرفض من قبل إدارة الكلية وانتهى الأمر بمعاقبتها من قبل العميد، ولم يثنها ذلك فقد أعادت الكرّة في السنة اللاحقة!”.

تقول “الجميع يخبرني وأختي بأن نتريث”، تسكت أصالة قليلاً لتكمل عنها أختها “آمال”: “الجميع سيتحدث ـ إنْ فعلنا شيئاً أم لم نفعل – لكننا لا نفعل أمراً معيباً” وتتساءل بحسرة:”متى كان الفن عيباً”؟

تشتكي أصالة من قلّة أماكن التدريب، وهو سبب يحدّ من استمرارية تدرّبهم. تقول: “عند عودتي من سوريا، كنت أتمنى كثيراً أن يتوفر لدينا بعض ما يملكه الشباب السوري من أماكن تساعدهم على إنشاء أحلامهم الخاصة بهم، لكننا في العراق نسرق الحياة سرقة في أكثر الأماكن خطورة” تضيف “كلّ هذا الخطر ونحن لا نفكر بالربح الماديّ فنحن نتدرب من أجل إحياء مناسبات خيرية تدعو إلى السلام”.

الفنّ العراقيّ لن يتسخ

أخبرني “ماهر” ـ وهو المغنّي في الفرقة ـ عن بكاء الإعلامية الأميركية من أصل عراقي “زينب سلبي” وتأثرها الشديد حينما وجدتهم بهذا العدد وبهذه القدرة على الحلم، ودهشتها حينما علمت بوجود الفتاتين، ذلك أن من هم خارج العراق لا يكادون يعلمون شيئاً عن العراق سوى أنباء الخراب وداعش.

قال ماهر “عند غنائنا “طالعة من بيت أبوها” أضاف العازفون مقطعاً لموتزارت وهذا ما أثار إعجابها. ذلك أننا نغني غناءً تراثياً بألحان وتوزيع جديدين، وهذا ما نريد إيصاله إلى الآخرين” ثم يضيف “نفعل هذا لأننا لا نريد للفنّ العراقيّ أن يتّسخ”!.
حدثني ماهر أيضاً عن الصعوبات التي واجهته وهو يسير إلى الوسط الفنيّ فبعد تخرجه في كلية الهندسة استطاع تسجيل أغنيتين لكنه توقف بعد أن وصل إلى غرفة الفيديو كليب، فما السبب؟

“وجدت شروطاً غير لائقة، هناك استغلال واحتكار وطلبات تنازل، كما وجب علي الغناء في أماكن لا أحب التواجد بها. لقد كان الأمر صعباً للغاية. فضلت المهرجانات الخيرية ويوم السلام على مثل هذه الأمور”.

الموسيقى حرام والقتل حلال

يعلل بسام ـ عازف الكيتار ـ بطء خطوات الفرقة بقلّة الفرص المتاحة أمامهم وصعوبتها، وتفضيلهم الأماكن التي تناسب حلمهم بفنّ خالٍ من الشوائب.

يقول “برغم جميع العقبات والصعوبات فإن مجرد التفكير بالقيام بعمل هنا فهذا يعني أننا نسير باتجاه صائب، في الأقل نحن نقوم بإيصال رسالة إلى من هم خارج الحدود مفادها أن هنالك شباباً عراقيين لا يزالون يحلمون”.

يذكر بسام أن والديه كانا من اشدّ المعارضين له، برغم الميول الفنية لهذين الوالدين. مع ذلك فضل بسام تعلّم الكيتار في منزله وبواسطة الانترنت من دون مساعدة أحد، إذ أن حرمانه من استمرار اللعب بكرة القدم بسبب إصابته كان حافزاً للبحث عن حلم آخر يعمل عليه أثناء دراسته في العلوم السياسية، حتى استطاع إقناع عائلته وتمكّن من أخذ والده معه لشراء الكيتار”.

تقطع آمال حديث بسام لتشير إلى أن هذا الخوف متعلّق بالوضع الأمني المتردي وقلّة وجود الأماكن التي يتدرب بها الشباب، فلا وزارة الثقافة قادرة على توفير مثل هذه الأماكن ولا حلمنا يتوقف ولا الوضع يمكن أن يستقر في الفترة الراهنة.

وتضيف: “الأهل يعترضون بسبب خوفهم، وهو أمر طبيعيّ، فأن تحمل حقيبة كيتار أو عود ليس بالأمر السهل هنا. وعوائلنا بين حيرتين. وعلينا تفهّم رفضهم أحياناً.

سامي نسيم

يذكر أن “أورينتل باند” تتدرب في مكان خاص بصديقهم السادس في الفرقة وهو عازف الجلو والعود “أوس سامي نسيم” الذي تعمّد الرسوب في الإعدادية من أجل دخول أكاديمية الفنون الجميلة. وهو ابن عازف العود المعروف سامي نسيم.

يقول أوس: “عملت في فرقة منير بشير ثم شاركنا في عمّان وفرنسا ومصر، ثم تعلمت في الأكاديمية على آلة الجلو بعد أن علمني والدي آلة العود ثمّ إلى الفرقة السمفونية بخطى سريعة انتهت بصورة مبكرة كذلك”.

السلام أبداً

فيما يرى آخر عنقود الفرقة، صاحب آلة الكمان “مهند” الذي تعلّم الموسيقى برغم دراسته العلوم السياسية أن العراق يملك المئات من الطاقات الشابة والمواهب المدفونة بسبب الحرب.

“لقد أحببت دراسة العلوم السياسة. لم أرد دخول الأكاديمية، ذلك لأني أحب التنوّع” ويضيف: “كثير من الفنانين لم يجدوا مكاناً يلبي طموحاتهم. إنهم وحيدون مع أحلامهم، وما من مستقبِل لهم أو مرحّب بهم. لذلك يهاجر أغلب الشباب بحثاً عن فرص أخرى مناسبة لهم في دول أخرى”..

تختم آمال حكايتهم عن هدفهم الوحيد: “السلام حتى وإن ظلوا كلّ أعمارهم يغنون في مهرجانات للسلام والأعمال الخيرية فقط”.

ذكر أن هذه الفرقة الجميلة المكونة من كل هؤلاء الشباب الطموحين لم يشاركوا سوى في مهرجانات خيرية وفي فعاليات أقاموها في مستشفيات مرضى السرطان وملاجئ الأيتام ودور العجزة.