فصلية عبادي العماري… ثورة بوجه التقاليد الظالمة

54

تقرير: أسماء عزيز – رسوم : مهند علي  /

تم طرح هذه الاغنية التي تتحدث عن ظلم وجور وطغيان التقاليد القبلية بحق الفتاة في فترة سابقة وربما الى الان لم نتخلص من تلك العقلية والتفكيرالرجعي الذي جعل من الفتاة سلعة دون ان ينظرون لها بعين الرحمة والعدالة التي تسلبها طفولتها وحرمانها من ابسط حقوقها..
جسّد المطرب عبادي العماري معاناة الشابّة “الفصليّة” في اغنيته التي اصبحت طيلة السبعينات سمفونية يستمع لها الملايين من عشّاق صوته العذب بعد ان تفرّد في صياغة كلماتها الموجعة والحانها الحزينة تارة، والساخرة والساحرة تارة اخرى، ليؤديها بوجع أدمى القلوب والعيون.
أثارت الطريقة القاسية التي يدفعون بها العروس الى سجنها الأبدي من غير ان تشهد ليلة زفافها الطقوس المعتادة حيث الطبل والموسيقى والحنّاء والديرم وغيرها مما هو متعارف عليه انذاك، لقد افزعه منظرها حين اخبروه انها “فصليّة” ليقول:

جابوها دفع للدار لا ديرم ولا حنّه ولا صفكه
ولا دف النعر بالسلف لا هلهوله لا ملكه
سألت الناس عن قصتها البنيّه
عجب جاروا عليها بغير حنيّه
ردّيت بكلب حزنان من كالولي فصليّه
لعنت ظلم التقاليد بألف حركه
املها الأخضر الهرفي بسعر اليابس تحركه

ادرك العبادي ان “المكرودة” تدفع ثمن حماقة ارتكبها اخوها او ابوها او ربما ابن عمها وأدت الى قتل نفس من عشيرة اخرى ليجبروها لدفع خطيئة لم تكن لها يد بها وتظل رهينة ابديّة تذرف الدموع وتكابر في صراع مرير مع الايام ومع حياة لم تكن قد مرّت في ذاكرتها من قبل، فهذه “الحديثة” التي مازالت في عمر الورد من المؤلم ان تصافح “دموعها الطيبات” خديها الناعمين الطريين مناشداً ضمائر “الفصّالة” النائمة ومتسائلاً:

احديثه نكول حوريّه
بربيع العمر ميّاله
حرام دموعها الطيبات عالخدّين هماله
وين العطف والرحمه يفصّاله
لا سوّت ذنب لا هي جتّاله

ثم يسخر عبادي العماري من شيخ العشيرة وزبانيته عديمي الضمير ويسفّه افكارهم وحلولهم قائلاً:

جا هيجي حكم ديوانك المهيوب ودلاله
عليْ تحرم فناجينه وكهوته وكعدت رجاله

ثم يلتفت الى ابناء عمومتها لينالوا نصيبهم من التوبيخ والتقريع..
غصبتوها.. ظلمتوها
حرمتوها.. هظمتوها
وهبتوها لشخص ظالم
حتى من العقل ما يملك وشاله
ثم يذهب الى جانب من الحياة اليومية التي تعيشها تلك الفتاة تحت وطأة ظلم المعتوه وجحيمه وكأنها مخلوق لا يستحق ادنى مبررات العطف:

يحاجيها بدفرته وكال فصليه
عساها ابّخت من فصْلوا
وانطوا مهرة الفارس لوادم ماهي خيّاله
حوبتها وراهم دوم تحركهم بكل شهكه.

هنا يصف حال الفتاة التي سلبت حياتها وقرارها في حق اختيار الشريك وشعورها بالغربة وسط ناس لا تعرف الرحمة لقلوبهم طريق وهي اسيرة لحياة ستطول بمرها دون حلوها، وايضا تخاطب الديوان الذي من المفترض ان يكون منصفاً وعادلاً ولا يخلو من ميزان الرحمة..

تتحسّر تدير العين
محّد يرحم الشكوى
اسيرة تكول جابوها
بلا رحمه ولا سلوه
يديوان السلف بسّك فحطنه
من الفصل والثار والنهوة
لم يياس عبادي العماري في هذه الاغنية التاريخية من تغيير مسار التقاليد البالية فنادى في مقطعه الاخير مطالباً بالأخوّة والعلاقة الانسانية المليئة بالرحمة فوضع اولوياته لبناء اسس صحيحة للمجتمع..

تمرمرنه نريد العشره والخوّه
نريد احجاية الحلوه
نريد الشوك والعشره والمروّه.

يعود الى بطلة قصته مرة اخرى لكي يختتم بها رائعته واصفاً جانباً اخر من مأساتها والمها معاتباً اهلها باشد انواع الحزن عندما لم توخزهم قلوبهم على ابنتهم، اذ لم يفكروا كيف ستمر ايامها في حياة تدفع ديتها اثر أخطاء ارتكبوها، في وقت كانت تأمل بحياة مختلفة مع حبيبها الذي كان بطلاً لجميع احلامها قبل ان تصحو على كابوس يطيح بها ارضاً حتى تدفن في باطنها.

الأخذ منكم الفصليّة انشدوا بحالها اشسوّه
من الهضم والجوع تتلوّه
من حبها حرمتوها
من ولف الجهل كوّه غصبتوها
ماكو اظلم من اليسعون بالفركه.