فيلا أم كلثوم في بغداد.. تراث ضائع

216

محسن العكيلي/
نشهد في كل مجتمع نوعاً من الإعجاب الذي قد يصل حد الهوس، فبات تقليد الفنان في طريقة كلامه أو في ملبسه، هو الشغل الشاغل لهؤلاء المعجبين. وحكايات الإعجاب والهوس من قبل المعجبين بأهل الغناء والطرب لا تنتهي، فكل نجم منهم لديه أعداد ضخمة من المعجبين الذين يتجاوزون أحياناً حد الإعجاب، فلا يكتفون بسماع صوته أو رؤيته في حفلاته، وإنما يطاردونه في كل الأماكن، حتى يصل الأمر أحياناً إلى تهديدات بالقتل. وكل معجب هنا يفتش عن الوسائل والطرق التي يتبعها للفت نظر النجم نحوه، حتى أنه قد يلجأ إلى الانتحار إذا فشل في تحقيق أحلامه التي رسمها في خياله لنجمه المفضل. التاجر العراقي الراحل (مهدي صالح طعيمة) أبدى إعجابه بكوكب الشرق أم كلثوم بطريقة أخرى.
طلب غريب
في شارع أبو الفدا في الزمالك تقع فيلا أم كلثوم، التي صممها وبناها المعماري المصري علي لبيب. تتكون تلك الفيلا من ثلاثة طوابق بدورين، الدور الأرضى للاستقبال والعلوي للنوم.
وكان التاجر ورجل الأعمال العراقي الراحل مهدي صالح طعيمة، وكيل إطارات (بيرللي) في العراق، من المعجبين جداً بكوكب الشرق السيدة أم كلثوم، حتى أنه رفض الإقامة بعد الزواج في منزل يختلف عن فيلا أم كلثوم في القاهرة، وفي منتصف الأربعينيات حزم حقائبه وطار إلى القاهرة حيث التقى أم كلثوم وطلب منها طلباً غريباً، وهو السماح له ببناء بيت كبير في بغداد شبيه بالفيلا التي تسكنها في شارع أبو الفدا بحي الزمالك في القاهرة. لم تتوقع أم كلثوم هذا الطلب لغرابته بعض الشيء، ولكن لطرافة الطلب فقد وافقت عليه وقدمت الخرائط الأصلية للبناء مع ملحقاته. عاد رجل الأعمال إلى بغداد وهو يسابق جناح الريح من أجل تنفيذ بناء هذا المنزل في منطقة بارك السعدون وفقاً لتصاميم فيلا أم كلثوم. وبعد اكتمال البناء عاش هو وزوجته وأولاده في هذا المنزل حتى وفاته -رحمه الله- عام 1961. يتألف (توأم) فيلا أم كلثوم من 18غرفة، إضافة إلى حديقة جميلة مع نافورة ماء ومرآب للسيارات، ليكون نسخة من فيلا أم كلثوم في القاهرة تماماً.
لعنة الهدم
في العام 1990أصبح المبني مقراً لبعثة الصليب الأحمر الدولي في العراق، التي استأجرته بمبلغ سنوي مقداره 25 ألف دولار أميركي. لكن هذا البناء لم يسلم من التفجيرات الإرهابية، فقد قام الإرهابيون بتفجير المبنى في شهر تشرين الأول عام 2003، ما أسفر عن وقوع أضرار جسيمة في البيت، جرى بعدها إعادة إصلاحه، وتشغله حالياً إحدى الشركات الخاصة بتجارة المواد الغذائية.
أما فيلا أم كلثوم في القاهرة، فقد بيعت إلى مليونير سعودي مقابل مليون جنيه مصري، ثم اشتراها في الثمانينيات رئيس مجلس إدارة شركة (بيتكو) الذي قام بهدمها وبنى مكانها عمارة لم يبقِ فيها أي أثر لأم كلثوم.
متابعة وبحث
محمد أبو سعدة، رئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري في مصر، ذكر أنه سيتابع قصة توأم (فيلا أم كلثوم) الذي يقع في العاصمة العراقية بغداد، وحكايته، وما هو مصيره الآن .كما أوضح أبو سعدة أنه سيناقش مع ممثل العراق في اجتماع الأرشيف العربي للمباني التراثية والتراث العمراني، في دولة تونس، مصير هذه الفيلا، وأشار إلى أنه سيعرض كل أوجه التعاون والمساعدة مع العراق من أجل الحافظ على المباني. فيما صرح مجلس رابطة المجالس البغدادية الثقافية أن البيت لم يكن تراثياً أو تابعاً للدولة، وأن على الجهات المصرية إن أرادت امتلاك هذا البيت أن تنسق مع الحكومة العراقية وأمانة بغداد، ولاسيما أن الفيلا الأصلية في القاهرة قد هدمت. ولحرصنا على التراث فإننا على أتم الاستعداد في إبداء المساعدة من أجل تحويل هذا الصرح إلى متحف والاستفادة منه في المحافل الثقافية.