فيلم عقل جميل.. خط فاصل بين الوهم والعبقرية

106

*فدوى العبود /

“إن أحد جوانب المشكلة هو أن العقلانية تفرض قيوداً على مفهوم الشخص عن علاقته بالكون.”
هذه العبارة هي لــجون ناش، عالم الرياضيات الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، في معرض وصفه لمرضه العقلي، بحيث جُسدت حياته في فيلم A Beautiful Mind الذي يدور حول معاناة جون ناش مع الفصام، وهو أحد أكثر الاضطرابات العقليّة حدةً وخطورة؛ الفيلم من إخراج رون هوارد، وتأليف أكيفا جولدسمان، وهو مأخوذ عن كتاب –يمثل سيره ناش الذاتية-بعنوان “عقل جميل”،
من تأليف سيلفيا نصار؛ قام ببطولة الفيلم النجم راسل كرو في دور جون ناش، وجينيفر كونيلي في دور زوجته اليسيا، إضافة إلى إد هاريس، وكريستوفر بلومير وبول بيتاني، تقع أحداثه في بداية العام 1947 منذ التحاق الشاب ناش بجامعة برينستون وعلى مدار مالا يقل عن خمسين عاماً. تتحرك الكاميرا داخل عقل ناش المضطرب، إذ نرى العالم بعينيه، كما نتماهى مع إدراكه المشتت والفوضوي. نفهم ميله للعزلة ورؤيته قيم الحياة ضمن رموز فيزيائية يكتبها على النوافذ الزجاجية لغرفته ولمكتبة الجامعة، ما يجعله موضع سخرية زملائه؛ إضافة لتخلفه عن محاضراته وملله من الدروس التقليدية وهوسه بالحصول على نظريته الخاصة به. لكن هذه النظرية –التي تدعى “نظرية الألعاب” التي سينال عليها لاحقاً جائزة نوبل- لن تظهر قبل أن تشقّ العقل وتفتته.

مندوبون حكوميون
يبدأ الجزء الأول من الفيلم بتعريفنا على شخصية الشاب ناش الغاضب، الذي يعيش رفقة شريكه في السكن الطلابيّ، فنتعرف على شخصيته المختلفة وهمومه ورؤيته، التي انتهت بتقديمه بحثاً متميزاً أهّله لدخول أكاديمية ذات مستوىً عال. ونتيجة هذا أصبح قائد فريق علمي، لكن أشخاصاً جدد ظهروا في حياته يخبرونه أنهم مندوبون حكوميون أرسلتهم القيادة إليه لمساعدتها في حل شيفرة سريّة؛ طالبين منه التواصل معهم عن طريق صندوق بريد! لاحقاً سيكتشف، ونكتشف معه، أنهم غير موجودين (لا شريك السكن ولا مبعوثي الحكومة ولا الأماكن) وأنه -كما شخّص طبيبه حالته-يعاني من الفصام. إن المتأمل في الفيلم يرى صعوبة الاضطراب العقلي، فنحن نعيش معه تشتته وتصدع عقله وفقدانه للخط الفاصل بين الحقيقة والوهم، والمسألة التي تشغلنا كمشاهدين: هل يمكن أن يكون النظام وقوانين العقل الخطيّة ملائمة دائماً لفهم الكون وأن تنتج معرفة على الدوام؟ ماذا عن التشتت والفوضى، ألا يمكن اعتبارها طريقة عمل غير اعتيادية؟
ربما يكون هذا ما دفع ناش للوم العقلانية التي ترى المعرفة عبر تصور وحيد،
وهذا التصور يرتبط دون شك بطريقة التفكير التي ترى أن عظمة العقل الإنساني تكمن في الوحدة والانسجام والنظام وتستبعد التشتت؛ وبمراجعة بسيطة لتاريخ الإبداع نكتشف أن أعظم الفلسفات والأعمال الأدبية والموسيقية صدرت عن عقول مضطربة، (كالبحر إذا اضطرب ألقى كنوزه على الشاطئ).

جمال العقل
كان العقل، ولا يزال، هاجس الفلسفة منذ سقراط -الذي يعتد بالجهل أكثر من اليقين- “كل ما أعرفه أنني لا أعرف شيئاً”، حتى نيتشه المدين للاضطراب والجنون بأعظم الشذرات الفلسفية.
ولا شك أن القصد والتنظيم والغائية والهويّة تعتبر من أهم الملكات التي تمنح العقل الإنساني جمالاً وقوة. لكن النظر للعقل من خلال هذه القيم وحدها غير كاف في تفسير الكثير من الإبداع الإنساني. والسؤال هو: ماذا لو كان هذا الانكسار على غرار انكسار الضوء، فلا تنتج الألوان الأخاذة إلا بانحراف الشعاع عن مساره؟
وبعبارة أبسط: ألا يفسر هذا التفتت والاختلال بين المخيلة والواقع شــــيئاً؟
ألا يمكن أن تكون هذه الفوضى ضرورة للإبداع؟