فيلم (فريدا كاهلو).. رائعة سينمائية عن سيرة الفنانة المكسيكية

47

حسن جوان /

كان صدور فيلم (فريدا كاهلو) في العام ٢٠٠٢ حدثاً يمتّ بصلة لحزمة فنون تزامنت معاً على خطوط متوازية لتنتج مسارات بصرية وتاريخية وفنية، تشكل في مجملها سيرة الفنانة التشكيلية المكسيكية (فريدا كاهلو) في رائعة سينمائية محكمة، نالت على إثرها بطلة هذا الفيلم (سلمى حايك)، ذات الأصول اللبنانية، جائزة الأوسكار كأفضل ممثلة.
استحقت سلمى الجدارة هذه المرة، وربما يعد هذا الفيلم سبباً رئيساً في شهرتها كأفضل دور لها في ما بعد.
جوليا تيمور
ربما كان اختياراً موفقاً، بل ضروري، أن تقوم امرأة مثل (جوليا تيمور) بإخراج هذا الفيلم، فهناك فهم عميق يتبدى في غضون اللغة والدوافع لطبيعة الحوارية النسوية التي تهيمن على نقلات القصة وعنفها المفاجئ بين حين وآخر.
هذا العنف كان جزءاً مأساوياً من حياة فريدا الحقيقية، إذ لا تلبث أن تنقلب حياتها رأساً على عقب في حوادث مفصلية تعني البدء بمرحلة جديدة غاية في المغايرة والاختلاف. متابعة هذه الفصول من حياة بطلة القصة تمنح مادة خصبة لصناعة فيلم جمع مراحل امرأة طموحٍ متمردة ولدت لتكتب قصتها غير التقليدية في مرحلة مليئة بالثورات والأفكار والشخصيات الفذة التي تجمعت في عصر واحد والتقت في مكان واحد حيث فريدا البطلة، والمحور الذي التفت خيوط الأحداث والشخصيات بطريقة لافتة لتكون هذه السيرة الممتعة والمأساوية.
مرآة السقف
يظهر حضور الذات بكل ثقلة في أعمال فريدا كاهلو الفني، وقد وثق الفيلم هذه الثيمة عبر تأمل الذات واستحواذها على بؤرة العمل في مجمل ما أنتجته في لوحاتها، حدث ذلك إثر تعرض فريدا مطلع شبابها لحادث عنيف جداً أجبرها على الاستلقاء على ظهرها دون حراك لما يناهز العام، ما حدث وقتها أن والدتها عمدت إلى تعليق مرآة كبيرة في سقف الغرفة للتخفيف من وحدتها ودعوتها إلى تأمل ذاتها. وقد نجحت هذه الفكرة إلى حد كبير وتجسدت سلسلة أعمال تعبيرية مؤثرة وسمت أسلوب الفنانة المبتكر في صنع حوارية عميقة وجريئة وثقت من خلالها مختلف كوابيسها ومخاوفها، كما لونت أحلامها ونبوءتها في موتها المبكر.
فريدا وتروتسكي..
ربما يكون الفنان المكسيكي (دييغو ريفيرا)، الذي قام بدوره (ألفريد مولينا)، هو حب فريدا الكبير وزواجها منه منحها دفقاً قوياً في احتراف الرسم، تلك العلاقة الموثقة بصور احترافية تحطمت في النهاية على إثر خيانته المتكررة لحياتهما الزوجية، أدى ذلك إلى ارتباطها عاطفيا بالمفكر اليساري (ليون تروتسكي) الذي كان قد فرَّ هاربا من وعيد ستالين الذي نجح في اغتياله لاحقاً؛ لتطوى صفحات غامرة بالأحداث المشتبكة بالفن والثورة والانكسار، حين انحدرت حياة بطلتنا صحياً ومعنوياً نحو نهايتها المتوقعة إثر معاناتها المستمرة مع المرض.
فيلم (سيرة حياة فريدا كاهلو) متعة بصرية وموسيقية لا تنسى، وحكاية مضطربة منحت بطلتها رغم سنواتها القليلة تحفة سينمائية.