في أعمال محمود شبّر الثورة الحسينية بين السرد والصورة

175

زياد جسام /

لم يكن الفنان التشكيلي محمود شبر واقعياً في رسم لوحاته بقدر ما كان يحاول ترجمة الواقع الى رموز وإشارات دلالية تعبيرية، إذ استطاع فهم وهضم التجارب العالمية المعاصرة وتجاوز نمطية الأساليب المتعددة التي اشتغلت عليها أجيال من الفنانين.
ففي طرحه موضوعة الثورة الحسينية ببعدها التاريخي وتحويلها الى سرد صوري، فككها الى عناصرها الأولية، وعاد بها الى المخزون الشعبي المحفور في ذاكرة الأجيال، جيلاً بعد جيل، ولا نبالغ حين نقول إن ثورة الحسين متجذرة في الفكر والوجدان بصورها المؤلمة، وقد حاول توثيقها كثير من الفنانين التشكيليين على مستوى العالم بشكل يعتمد على أسس وقواعد فنية مدروسة.
ولأهمية هذه الثورة وما أفرزته من معانٍ سامية في تجسيد الشهادة، ولحجم المأساة التي اشتملت عليها، فقد استلهمها الفنان محمود شبر بأسلوبه المميز، إذ مزج بين السرد والصورة التعبيرية؛ واضعاً فيها بعض الكلمات والحروف المأخوذة من الموروث الشعبي العراقي، وقد جاء ذلك امتداداً لسلسلة أعمال نفذها فنانون آخرون جسدوا فيها القضية الحسينية بحيث احتسبها نقاد الفن التشكيلي مدرسة خاصة ولها أسس وقواعد باتت تسمى “فن الشعائر الحسينية” او “المدرسة الحسينية”، تتسم أعمال الفنانين “الحسينين” إن صح التعبير بوجود صور ومفردات معينة أُخذت من قصة الثورة الحسينية بتفاصيلها مثل: الحصان العائد الى الخيام منكسراً، والفارس الذي يرفع الراية عالياً، والرأس المقطوع المعلق على رمح، والأكف المقطوعة، والخيالة والسيوف، والنساء بأوشحتهن السود.. وغيرها من الرموز المعروفة لهذه الواقعة المؤلمة.

شفرات اللوحة
أحال الفنان محمود شبر عناصره المرسومة في اللوحات الحسينية الى سطوح ليس لها أبعاد ثابتة بل هي عبارة عن رموز محملة بكثير من التأويلات التي يسهل على المتلقي فهمها وتفسيرها في أغلب الأحيان، كما نجد شخوصه ومفرداته مرسومة بطريقة مسطحة وبنسب طبيعية تقريباً إلا أنه أهمل المنظور الهندسي والظل والضوء وأعطى قيمة للرمز واللون وبعض الكلمات المكتوبة بوضوح، وهي كلمات إشارية ربما يراد منها إيصال المتلقي الى فك شفرات اللوحة بنحو أسرع، وما يغني لوحاته بالدرجة الأولى هو السرد الفكري الذي استنبطه من الملاحم والثورات.
وقد تناول الفنان شبر الثورة الحسينية في لوحات عدة، إذ رسخ عبرها الجمال الحسي البصري، إذ أصبح واضحاً للعيان إمكاناته التقنية وجرأته وخبرته اللونية على سطوح لوحاته، فطرحه لموضوع الثورة الحسينية له تأثيرات عميقة على المتلقي وتفاعل معه الجمهور على نحو لافت.
لقد نجح شبر في أعماله التي رسمها عن الثورة الحسينية تحديداً وجعلها قريبة كثيراً من تكوينه الفكري ووظفها في مشروعه الفني ليضعها في منطقة أداء أرادها أن تكون متميزة وفريدة، تصب في خانـة واحـدة الا وهـي خانة إثبـات الذات، فقد بدت رؤيته مختلفة ولا تقف عند حد معين حيث اختيار الموضوع والخامة والتقنية وبمساحة واسعة منحها للمتلقي ليتأمل في كل صور الخيال وما فوق الخيال.

قيمة إبداعية
الفنان محمود شبر دائم البحث عن الوسائل الكفيلة بتحقيق الجمال الحسي الذي يتجدد مـع خلايا العقل المبدع، ويحاول دوماً تقريب مسار سرده الحسي الى البصري ليحاكي عالماً آخر يثير المشاعر والعواطف لكل من يراه، وفي أعماله الحسينية التي ركزنا عليها هنا حقق نتائج مهمة من حيث توازن العمل وإعطاؤه قيمة إبداعية في الشكل والمضمون.
فضلاً عما في أعمال الفنان شبر من عناصر كثيرة، يمكننا أن نسميه “المجرب” ذلك لأنه يؤكد حرية الشكل مع التخلص من القيود التقليدية، أي إنه دائم التجريب والحفر في الموضوع الأصلي، الى أن تجاوز او حاول تجاوز حدود طبيعة الواقع المادي سعياً وراء ذلك اللامتناهي، المطلق الأبدي في أغلب أعماله، وجرب كثيراً من التقنيات في الرسم لينتقل الى عالم أبعد من ذلك قد يحقق به ذاته ويصل الى ما هو أعلى من محاكاة الصور الموجودة في واقعنا العياني وينتقل الى محاكاة الخيال والجمال الحسي بتقنيات خاصة، معلناً الوصول الى غايته وأنتج أعمالاً التصقت بذاكرة المتلقي، لاسيما أعماله عن ثورة الإمام الحسين وملحمة الطف الخالدة التي تستقر في الوجدان العراقي والإسلامي عامة بوصفها أعظم ثورة إنسانية ضد الظلم والطغيان، ألهمت الإنسانية دروساً عظيمة في القيم والأخلاقية كالشجاعة في الموقف والصبر والإيثار والتضحية والفداء، وكان لا بد من مواكبتها فنياً بما يحاول الاقتراب من سموها الروحي ومبادئها الخالدة.