في “جلسة سريّة” لسارتر.. أسئلة تمسُّ وجود الإنسان وأخلاقه

251

فدوى العبود /

ترتبط الحرية بالفلسفة الوجودية أشدّ ارتباط، فهي إحدى أهم مقولاتها. وهذه الفلسفة، على تعدد مفكريها ومنظريها وأهمهم (سورين كيركجور-ألبير كامو-سيمون دي بوفوار-جان بول سارتر)، مشغولة بالإنسان والوعي وقدرة الإنسان على الاختيار.
ولا بدّ من الإشارة إلى أن نتاج هذه المدرسة الفكرية هو تنوع بين القصة والرواية والمسرح والكتب الفلسفية، وهي تقدم رؤية جديدة للعلاقة بين الإنسان وأفعاله؛ رؤية مختلفة عن النظرة التي سادت بتأثير من علم النفس التحليلي لمؤسسه النمساوي “سيغموند فرويد.”
فسلوك الإنسان -وفق فرويد- يعود إلى (اللاشعور –اللاوعي-)، الذي يحتشد بالغرائز والرغبات التي تتحكم بالإنسان دون إرادته، وهذا ينفي الحرية والاختيار والإرادة عن الأخير، ويهدم فكرة المسؤولية، فتصبح أفعالنا غريبة عنا وصادرة عن قوىً تفوقنا قوة ووجوداً.
وبخلاف ذلك، ترى الوجودية أن كل ما نقوم به من أفعال مصدره الوعي، وما الجنون والمرض إلا هرب وخداع؛ ولعل “جان بول سارتر” كان من أشد الرافضين لنظرية اللاوعي عند مدرسة التحليل النفسي.
الهروب من المسؤولية
وفي نتاجه المتنوع، بين كتب فكرية ونقدية ورواية وقصة ومسرح، قدم ما يطلق عليه “علم النفس الوجوديّ” الذي يتشكل من الوعي والحرية، فالإنسان يشعر بالقلق من الحرية، وبدلاً من أن يتحمل مسؤولية أفعاله ينكرها ويهرب منها إلى الوهم عبر “سوء النية.” وهو مصطلح صاغه سارتر في كتبه وعبّر عنه في مجمل أعماله الأدبية والمسرحية. -ولا سيما المسرحية التي نحن بصددها- ويعرّفه سارتر بقوله: والمقصود بسوء النية الخداع الشعوريّ، خداع الإنسان لذاته، “الشعور عوضاً من أن يوجه سلبه ناحية الخارج يوجهه نحو ذاته، وهذا الموقف بدا لنا أنه لا بد أن يكون سوء النية.”
ولتوضيح سوء النية، يوازن سارتر بينه وبين الكذب، فالكذب إخفاء حقيقة عن الآخرين، أما سوء النية فهو الكذب على الذات. أورد سارتر مثالاً على سوء النية بالثعلب الذي عجز عن الوصول للعنب فوصفه بأنه حامض.
إن الإخفاق الأخلاقي يبدأ لحظة الإنكار والفرار من حقيقتنا وأفعالنا التي نختارها بحرية فننسبها إلى الشيطان أو للظروف أو الآخرين. يتمثل هذا عموماً في مسرحه الذي وصف بمسرح الموقف، فالإنسان يختار موقفه في العالم. وكيف يكون، عادلاً أو ظالماً، ناجحاً أو فاشلاً_ ولاسيما في مسرحيته “جلسة سريـــّة.”
تدور أحداث المسرحية في غرفة مقفلة، وقد اختار لمسرحيته ثلاث شخصيات: “جارسان” وهو فار من الجيش أمضى حياته في ظلم زوجته؛ لكنه يدعي أنه بطل وأنه كان زوجاً طيباً ومتفانياً.
“إنيز “.. امرأة تسببت في مقتل أخيها وزوجته.
و”أستيل”.. وهي متزوجة من رجل غني أحبت شاباً آخر ثم هجرته وتسببت بانتحاره.
يجد ثلاثتهم أنفسهم في غرفة بدون نوافذ أو باب، يحاول كل منهم أن يقنع الآخرين أن هناك خطأً ما، وأنه لم يرتكب أي ذنب، وهم يرفضون الاعتراف بالسبب الذي وجدوا من أجله هنا؛ وكل منهم يحاول أن يضفي على عمله دلالات مثالية وإنسانية، فــــ “جارسان” يقول إنهم أرسلوه إلى هنا لأنه كان يصدر جريدة محلية ثورية، و”إنيز” تخبرهم حكاية عن كونها كانت مثالية وأخلاقية، و”أستيل” كانت متفانية مع أخيها وعائلتها.
لكن السؤال الذي يطرحونه على بعضهم البعض بعد أن تتكشف حقيقة أنهم في الجحيم: إذن لماذا نحن هنا، إذا لم نرتكب أي ذنب؟
الحكم على حياة الناس
من خلال الحوار، ذي الطابع الفكري، وعبر الجدل بين الشخصيات الثلاث تتكشف الحقيقة: فكل إنسان مرتبط بالفعل الذي قام به وفعله لا ينفصل عنه.
وتعتبر “جلسة سريـــــــّة” من الأعمال الناجحة فنياً، فهي تتضمن براعة التصوير، والعقدة هنا هي إثارة فضول القارئ لمعرفة المقصود بالغرفة المغلقة، كما أنها تشرك المتلقي والنظّارة في القضية من خلال الأسئلة التي تمس الوجود الإنساني، بحيث تحل العقدة في النهاية، لتكشف عن طبيعة الجحيم، الذي أعطي معنىً جديداً، يرتبط فيه الإنسان بأفعاله ويتحمل مسؤوليتها ورسالته الأخلاقية هي العلاقة بين الفعل وفاعله.
إن براعة المسرحية تكمن في الحيرة التي تصيب المتلقي وإشراكه من خلال إثارة فضوله تجاه الشخصيات التي وضعت في مواقف تحتم عليها اختيار محدد من بين خيارات عدة.
كتب “جاك جويتشارنود” في كتابه “سارتر عاصفة على العصر” واصفاً شخصية “جارسان”: “فبالنسبة إلى جارسان، فهو يتساءل عما إذا كان فعله يدل على أنه جبان، فهل يمكن الحكم على حياة إنسان بفعلٍ واحد؟”
هذا السؤال الأخلاقي هو راهنيّ بامتياز، ومسرح سارتر هو مسرح مواقف وأفكار وحياة وتعايش، لقد اهتم بالعلاقات الإنسانية وتصورها في إطار الصراع بين الذوات، وهو ما قاله بطل المسرحية جارسان لإنيز “إننا نطارد بعضنا كالجياد في الحلبة.” ومع أن غير الضروري في فلسفة سارتر لأشعر بحريتي، إلا أنه يهدد حريتي، يكتب “لن يستطيع الواحد منا بمفرده أن يساعد نفسه، إننا مرتبطون معاً بطريقة معقدة.”
ولن تكون كل شخصية شيئاً سوى اختيارها. إذا حدث أنني اخترت فعلاً ما وفضلته على فعل آخر فإنني سأختار نفسي في كلتا الحالتين.
إن مسرح سارتر دعوة للحقيقة، فكل أذى للآخرين تسبب في دخول كل من جارسان وإنيز واستيل إلى الجحيم الذي مثل بغرفة مغلقة، إننا نتخذ مواقف من العالم والقيم والحقيقة، لكن هذا لن يغير في العالم، إن كل ما يفعله أنه يكشف ما نكون عليه. تمثل المسرحية في جانب منها انعدام التعاطف الإنساني وتنتهي بعبارة: “الجحيم هم الآخرون.”
ربما لو كتبت المسرحية بروح متخففة من صرامة العقل، لأعطيت الشخصيات فرصة ثانية. لكن أوروبا كانت خارجة من جحيم الحرب، حيث تكشف المواقف الحادة أكثر عن الوضع الإنساني؛
هل يمكننا أن نحكم على إنسان من فعل واحد؟
هل حقاً الآخرون هم الجحيم؟
وهل نحن مجرد أفعالنا؟
ولا يعطي سارتر فرصة للشخصيات، لكنه يشرك المتلقي والنظّارة في الجواب، وهي لن تكون نهائية بأي حال من الأحوال، لأن الإنسان ليس حراً فقط، بل إن حريته مرتبطة بالغير بشكل رئيس، فما ترفضه اليوم تقبله غداً، وحكمنا ليس إلا موقف من سلسلة أحكام أمامنا قد نختار أياً منها ذات يوم. إن حياتنا الإنسانية مفتوحة على قبول ممكن من عدة ممكنات، وبمجرد اختيارنا يتحدد وجودنا. إن مسرح سارتر راهني بامتياز لأنه مسرح السؤال عن الإنسان وحريته وأفعاله.