في معرض جمعية التشكيليين للطين حكاياتٌ يرويها خزّافون عراقيون

103

زياد جسام – تصوير: بلال الحسناوي /

أكثر من تسعين قطعة خزفية فنية لأكثر من أربعين فناناً وفنانة، قدمت خلال معرض”حكايا الطين 2″ الذي أقيم على قاعة جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين تنوعت بأحجامها وأساليب وطرائق تنفيذها، وهو أمر أثار الاعجاب بالأفكار المطروحة والتقنيات التي أنتجها الخزافون العراقيون بكل ما تحمله من إبداع يليق بإرث وحضارة العراق.
وشهد المعرض حضورا لافتا لشخصيات دبلوماسية وثقافية وفنية وعدد من المهتمين والمتابعين للمشهد التشكيلي العراقي، من بينهم وكيل وزير الثقافة عماد جاسم، ووزير الثقافة الاسبق مفيد الجزائري ومستشار رئيس الجمهورية للثقافة والاعمار ميسون الدملوجي وسفيرة استراليا في العراق باولا إليزابيث كانلي.
أجيال مختلفة
وقد شكّل هذا المعرض امتدادا جماليا لمعارض الخزف العراقي التي سبقته وعدّ حدثاً نوعياً متميزاً، شارك فيه نخبة كبيرة من خزّافي العراق ومن أجيال مختلفة، ويقول رئيس جمعية التشكيليين العراقيين الفنان قاسم سبتي: كان من المفترض أن يقام هذا المعرض قبل عامين تقريباً، لكنّه تأخر بسبب أزمة جائحة كورونا التي اجتاحت العراق والعالم، وبصراحة أنا اعتقد أن هذا التأجيل ربما جاء لصالح المعرض والفنانين المشاركين، إذ تسبب بتكدس أعداد كبيرة من الاعمال النوعية والجميلة لمبدعين من عدة أجيال وأساليب ومدارس، والآن تمت إقامته وعُرضت الأعمال، أغلب الحاضرين أبدوا إعجابهم ويشعرون بالرضا عن هذا النشاط، وهذا ما لاحظناه على وجوههم وهم يتجولون بين الاعمال متأملين جمالها بكل حواسهم، لا شك بأن هذه هي رسالتنا في جمعية التشكيليين العراقيين، إذ نؤكد للجميع بان الفن العراقي ما زال بخير وأن الفنان العراقي ما زال مبدعاً ومنتجاً للجمال ومنافساً قوياً لجميع التشكيليين في العالم.. وأضاف: لا أخفي عليكم أن جيل الشباب في هذا المعرض أذهلونا بما قدموا من نتاجات إبداعية جديدة جذبت الانظار ونالت استحسان الجميع بما فيهم النقاد والمتخصصون في فن الخزف.
تنظيم المعرض
أما الجانب التنظيمي لهذا المعرض فحدثنا عنه جمعة شمران بصفته أحد المنظمين، واصفا هذا المعرض بالذات أنه ذو خصوصية مختلفة عن باقي المعارض كمعارض الرسم او النحت، باعتبار أن الخزف مادة قابلة للكسر وتحتاج الى عناية وتأنٍ في نقل القطع وترتيبها بشكل مبالغ به، وقال: من الصعب جدا أن تتعرض أي قطعة من هذه القطع الخزفية الفنية الى الكسر او التلف، لذلك عندما نقوم بترتيب الاعمال داخل صالة العرض نشعر بتوتر كبير، لا سيما أن الاعمال الخزفية أخذت جهدا كبيرا من الفنانين حتى أنجزوها في هذا الظرف، فكثير من الفنانين عندما يأتون الى الجمعية حاملين قطعهم الخزفية يروون لنا قصصاً عن معاناتهم في إنجاز أعمالهم الخزفية بسبب انقطاع التيار الكهربائي، ومنهم من لجأ الى أفران غازية ومنهم من اتفق مع أصحاب المولدات الكهربائية ليزوده بكمية كهرباء كافية لتشغيل الفرن، وهذا أمر مكلف مادياً ومعنوياً.
أحجام مختلفة
وعن المشاركات تحدث شمران قائلا: إن الدعوة كانت عامة لفناني الخزف العراقيين من جميع المحافظات، وبالفعل شارك أغلبهم في هذا المعرض لكن الملفت للنظر أن أغلب الاعمال المشاركة كانت من حصة فناني بابل، علما أن الاعمال الخزفية كانت بأحجام مختلفة ومنها ما يُعلّق على الجدار وآخر يوضع على الارض او المنضدة، وكان للجنة اختيار الاعمال دور كبير في إنجاح هذا المعرض، إذ استطاعوا أن يفرزوا الاعمال الناجحة حسب الاجيال المشاركة، واختاروا لكل فنان أكثر من عمل، فبعض الفنانين عُرضت لهم خمسة أعمال مختلفة الاحجام، ولأهمية هذا المعرض أيضاً أريد أن أنوه بشيء أثار انتباهي، وهو مشاركة بعض الفنانين العراقيين بأعمالهم فقط، إذ كانوا وقتها خارج العراق ومنهم الفنان شنيار عبد الله، فقد أرسل أعماله الى الجمعية لكي لا تفوته فرصة المشاركة.
ولادات خزفية
ويقول الفنان د. تراث أمين عباس الذي شارك بهذا المعرض: من اللافت للنظر في هذا المعرض الحضور المائز لجيل من الخزافين الشباب الذي يبشر بولادات خزفية معاصرة نهلت من جيل الرواد عشق الطين وأعلنت أنها الوريث الشرعي لرواد الخزف المعاصر في العراق .. وبين ذلك الجيل المعلم الرائد، وجيل الشباب المجرب والفاحص .. ظهرت حكايا الطين 2، بتنوع واضح بأنظمة الاشكال والتقانة، وهذا ما جعل ثمة متحولات جمالية بين قطعة خزفية وأخرى .. الأمر الذي حقق غنى بصريا يستقطب ذائقة التلقي على اختلاف تطلعاته. ويعيد الانتباه لهذا الجنس من الفنون التشكيلية .. كيف لا وهو الذي كان شاهداً وموثقاً لحكايا التأريخ ومنظومته المعرفية منذ 5000 سنة ق.م، ليجد الخزاف العراقي أحقيته في الابداع ضمن جنس الخزف الذي تمتد جذوره عميقاً في حقل الحضارة الانسانية..
روح المعاصرة
وكان لي نص في تلك الحكايا ضمن مشاركتي بعملٍ خزفيٍّ نُفّذ بتقنية الراكو .. وهنا آثرت أن أقدم حكايةً من طين تيمناً بعنوان المعرض (حكايا الطين 2) عبر إحالةِ نصٍ شعريٍّ لعنترة بن شداد، الى مشهدٍ خزفي بصري، لأعيد للخزف بنية التوثيق الأدبي، ولكن بروح المعاصرة هذه المرة.. مستنداً في الإظهار إلى بنية التعبير وتجريد المفردات مع التوزيع الإنشائي لها داخل المشهد، مضافاً لما تقدمه لي تقنية الراكو من تأثيرٍ يجمع بين فلسفة العلم من جهة، وعفوية النار والاختزال من جهة ثانية.
وأجد مشاركتي هذه حافزا لي كما هي فخرٌ، إذ رأيت نفسي وسط أساتذتي من جانب وزملائي من جانب آخر، في عرسٍ خزفيٍّ عروسه الطينة العراقية.