قاسم حول لـ”الشبكة”: من دون قاعدة مادية للإنتاج لايمكن صناعة سينما عراقية

348

 سنان السبع/

قاسم حول اسم مؤكد بعمق في مسار السينما العراقية والعربية، وقد تمكن من تجاوز هذا الواقع الى ما هو أبعد من هذه المسافات، واليوم يحتل حول مكانته في السينما العالمية..

مخرج وكاتب سيناريو ومؤلف روائي وقصصي وهو متنوع في تمكنه من أدوات تعبيرية سينمائية وأدبية، شارك في لجان تحكيم سينمائية دولية وترأس بعضها وحاز على أكثر من أربع عشرة جائزة عالمية وتم تكريمه من قبل لجان دولية، واليوم وفي السويد ضمن مهرجان مالمو السينمائي حصل أيضاً على تكريم جديد وكان أحد أعضاء لجنة التحكيم، مجلة “الشبكة” التقته وكان لنا معه هذا الحوار.

•كيف تنظر إلى واقع السينما في العراق اليوم؟

-لا بد في البداية أن نلقي نظرة ولو عابرة على ماضي السينما العراقية، لاشك في أن الثقافة بشكل عام، وربما هناك بعض الاستثناءات تحتاج إلى استقرار سياسي. وهذا الاستقرار هو عامل أساس في صناعة السينما، لأن السينما مثل أي ثقافة أخرى تحتاج إلى تراكم كمي حتى تخلق القيمة النوعية الفكرية والجمالية. السينما العراقية بدأت متأثرة بالسينما المصرية بحكم إنتشار الأخيرة في مساحة الوطن العربي. لكن الإقتصاد العراقي ليس كما الإقتصاد المصري، فالسيولة المصرفية في سبيل المثال في مصر هي سيولة إستثمارية للمشاريع ومنها مشروع السينما، فيما السيولة النقدية في العراق هي سيولة إدخارية وغير متحركة، لقد سعى الإقتصادي المصري عبر “طلعت حرب باشا” وهو رئيس مجلس إدارة بنك مصر إلى تأسيس ستوديو مصر السينمائي وخلق نهضة صناعية سينمائية لعبت دوراً كبيراً في السينما المصرية، وهذه المبادرة لم يحصل مثيلها في العراق، وكانت السينما في هوليوود هي الأخرى مدعومة من قبل المصارف ولعبت تلك المصارف دوراً رئيساً في صناعة السينما، وقد دعمت شركات عملاقة مثل مترو جولدين ماير ويونايتد أرتست وكولومبيا وفوكس القرن العشرين، كلها شركات إنتاج سينمائية لعبت المصارف الأمريكية دوراً في تأسيسها، وحققت كاستثمار حضوراً إقتصادياً كبيراً، فيما السينما العراقية نشأت بمبادرات فردية بسيطة ومتواضعة للغاية، ثم ما أن بدأت السينما العراقية تتلمس طريقها حتى حصلت تحولات سياسية دموية في العراق إنعكست على النشاط السينمائي العراقي، السينما تحتاج إلى إستقرار سياسي كي تتمكن من بناء القاعدة المادية للإنتاج السينمائي والمتمثلة بإنشاء مدينة للسينما وإصدار قوانين السينما وتأسيس معاهد وأكاديميات سينمائية وتشجيع ودعم بناء صالات للسينما، وإنشاء شبكة لتوزيع الأفلام وإقامة مهرجانات السينما الصحيحة، وليست مهرجانات مفتعلة كما نراها الآن.

•عن فيلمك الأخير.. بغداد خارج بغداد والذي جسدت فيه غربة المثقف العراقي.. ما معالم هذه الغربة؟

-فيلم بغداد خارج بغداد هو أولاً صياغة سينمائية تجاوزت فيه الفيلم التقليدي المألوف والسائد، وهو حالة إغترابية بحد ذاته حين عدت إلى بغداد ولم أجد تلك المدينة بمعالمها الجميلة وعلاقاتها الإنسانية مجسدة بالعلاقات الثقافية وتاريخها، فعشت حالة إندهاش وغربة مع نفسي ودهمني سيناريو عن مدينة بغداد التي عشتها إبان الحقبة الملكية وتذكرت شعراءها وغناءها وأهوارها ومضايفها وسمة الحياة فيها، فكتبت تلك الحالات الإغترابية التي دهمتني وإنتجتها في فيلم سينمائي تكتب الآن عنه الدراسات كونه فيلما يتجاوز المألوف ولكن برؤية واعية لكل أحداث الفيلم، لقد أجمع الكل على حداثة الفيلم كفكرة وكلغة سينمائية متميزة وأفرزه النقاد ضمن أهم عشرة أفلام عربية في السنتين 2014

-2015 وتسلسله الثاني من بين الأفلام العشرة وهذا تأكيد على قيمة الفيلم.

• هل إستطاع المثقف والسينمائي في الغربة إثبات هويته؟

-السينما تختلف عن أدوات التعبير الثقافية، يمكن للمثقف التشكيلي أن يرسم لوحاته بعيدا عن وطنه، وكذا الشاعر والروائي، ولكن بالنسبة للسينمائي فإنه يحتاج إلى وطن، السينما في أمريكا تحتاج إلى أمريكا، والسينما الهندية تحتاج إلى هند، والسينما المصرية تحتاج إلى مصر.. وكذا السينما العراقية تحتاج إلى عراق، ففي السينما الديكور لا يمكن أن يكون بديلا عن الواقع، فأنت في بلاد الغربة لا تستطيع أن تصور فيلماً روائياً عن الأهوار سوى في الأهوار، ومهما تكن عبقرية مصممي الديكور فإن شارع الرشيد تنعكس نكهته عن الفيلم، مفردات كثيرة يحتاجها السينمائي من الصعب توفيرها سوى في الوطن، بالتأكيد هناك إستثناءات يمكن أن تحصل في الإنتاج السينمائي ولكنها تبقى إستثناءات وليست قاعدة، عندما أخرجت فيلم المغني في سبيل المثال وأحداثه تدور في قصر ومن الممكن تنفيذ الفيلم في أي قصر في العالم، لكن مؤسسة الآرتي الفرنسية التي دعمت الفيلم إنتاجاَ أصرت أن يجري تصويره في العراق وبالفعل صورته بمدينة البصرة، والفيلم حاز على الجائزة الذهبية في الملتقى الدولي للسينما العربية في نابل، كما حاز الممثل مجيد عبد الواحد جائزة أفضل ممثل عربي في دور الجنرال سيف.

•ما قصة فيلم المغني. وحول ماذا تدور أحداثه؟
-قصة فيلم المغني تتحدث عن مغن يتأخر عن حضور حفل ذكرى ميلاد دكتاتور وحين يصل الحفل يكون الدكتاتور قد غضب فأمره بأن يغني ووجهه للجدار لأنه لم يعد يطيق النظر إليه. فتحصل في القصر ليلة الإحتفال أحداث درامية وحتى أحداث قتل ولكن المطرب لا يستطيع الإلتفات نحو الجمهور. هو نوع من الكوميديا المرة. حقق الفيلم نجاحاً كبيراً وعرض من قنوات الآرتي التلفزيونية.

•دائما في أفلامك تقول أنك لا تتعامل مع الممثل الجاهز.. أين يكمن سر التعامل مع الممثل عندك؟

-للأسف، الممثل العربي والعراقي بشكل خاص، ممثل نمطي لا أدري كيف ومن أين تلقى دروس التمثيل، فالممثل في التلفزة والمسرح هو ليس ممثلاً واقعياً وكأنه آت من جزر الواق الواق ويكتبون له حواراً مغرقا في المحلية إلى أبعد الحدود.. ويمطون في الحوار وفي طريقة الأداء فتظهر الشخصيات كاريكتيرية ليس فيها حنان ولا إنسانية.. شخصيات تبدو لي غريبة، لذا فأنا لا أختار الممثل المسكون بهذه النمطية، أنا ممثل وأعرف التمثيل علميا ولذلك يهمني أن تكون هذه المفردة السينمائية معتنى بها الى أبعد الحدود.

•عشت سنوات كثيرة في المنافي.. كيف وفرت شرط المكان العراقي في أفلامك؟

-في لبنان أخرجت فيلم “عائد إلى حيفا” وهو فيلم فلسطيني وشرط المكان فلسطيني في المخيمات الفلسطينية، كما أخرجت فيلم “ليلى العامرية” عن المرأة العربية وحياتها في أوروبا وفي مصر وفي ليبيا ولبنان وفلسطين، وكنت أذهب حيث تقتضي المشاهد، بقية أفلامي نفذتها في العراق منذ تجربة فيلم الحارس الذي أنتجته وكتبت قصته ومثلته وهو من إخراج خليل شوقي، وكذلك أفلامي “بيوت في ذلك الزقاق” و”المغني” و”بغداد خارج بغداد” وهي أفلام روائية توفر فيها شرط المكان العراقي. وحتى فيلم الأهوار الوثائقي، أخرجته طبعا في أهوار العراق.

•هل تمكنت السينما العراقية من أرشفة واقع العراق بعد مرحلة التغيير السياسي عام 2003.. وماذا عن الذاكرة العراقية؟

-أنت وضعت أصبعك على الجرح بسؤالك هذا، السينما العراقية وهي المفروض أن تكون ذاكرة العراق، لا أحد مهتم بها، وكأن المطلوب محو الذاكرة العراقية، مطلوب إلغاء تاريخنا ومحو ذاكرتنا، طبعا ليس فقط حقبة ما بعد التغيير، بل أن الأفلام المصورة كافة منذ الحقبة الملكية وحتى يومنا هذا، تالفة، فالأفلام المتحركة السينمائية وحتى الفوتوغرافية الثابتة غير محفوظة بشكل نظامي، وأخالها تالفة أو أنها فقدت القيمة النوعية للصورة واللون وحتى تدرجات الصورة بالأسود والأبيض، هناك أهمال مقصود للأشرطة السينمائية، فعندما عدت إلى العراق وجدتها تحت الأنقاض، فيما الأفلام السينمائية ينبغي أن تحفظ في درجة حرارة ثابتة تسع عشرة مئوية وأن تحفظ في مكان لا تصله الرطوبة ولا الغبار، فيما هي كانت مدفونة تحت الأنقاض ولمدة ثماني سنوات، وحتى قبل هذه السنوات لم تكن الأفلام محفوظة بطريقة نظامية، هي جريمة كبيرة وكبيرة جدا وقد نبهت لها رئاسة الوزراء ووزارة الثقافة ولكن لا أحد يكترث لهذا الموضوع الخطير.

•كيف تنظر إلى التجارب السينمائية الشابة في العراق؟

-التجارب الشابة مهمة وقد قدمت بعض المحاولات الجيدة، ولكن كما أسلفت من دون بناء القاعدة المادية للإنتاج السينمائي، فإن الجهود السينمائية تبقى مجرد أفلام.. هناك فرق بين أن تصنع سينما عراقية وبين أن تنتج أفلاما عراقية، وتجارب الشباب تندرج ضمن تجارب الأفلام العراقية، وليست ضمن صناعة سينما عراقية لها ملامحها الفكرية والفنية الجمالية.