كنان الحلفي مديراً لإضاءة حياته وقبره

29

#خليك_بالبيت

رجاء الشجيري /

كان مديراً لإضاءة حياة، ضحكات، خيبات وانتصارات، حاول إخراجها بعد “عطر غياب” والده جمعة الحلفي رحمه الله..، إلا أنها أخرجته بدراما موجعة جداً عن أحلامه وأحبابه ودنياه.. كنان الذي ما إن يدخل أروقة “مجلة الشبكة” حتى ينشر الفرح والطموح بيننا، نحن زملاءه وأصدقاءه، رغم ألمه وهو يتابع ويصور للعدد الجديد، ويردد ويجلجل بيننا أبيات محمود درويش:

سأصير يوماً ما أريد..
سأصير يوماً طائراً،
أنا حوار الحالمين،
عزفت عن جسدي وعن نفسي لأكمل رحلتي الأولى إلى المعنى،
أنا الغياب..
أنا السماويّ الطريد..
كنان الطفل الحالم الكبير، الذي تحول في الأيام الأخيرة بعد ملازمته والده أثناء رحلة علاجه من مرضه الذي رحل بسببه، قرر أن يكون الوالد والابن والوطن معاً للحلفي.. وهو يردد أبياتاً من قصيدة لأبيه:
يوم توعدني تجيني وما تجي
نار تاخذني ويطفيني البچي
چنت اريد ارتچي عليك..
طلعت انته المرتچي!
اخ..
اخ لو تدري..شكد ضام لعيونك..حچي؟

لكن لعبة القدر كانت تتفرج لتضع قسوتها ومرارتها، ليلحق كنان بأبيه بعد عام واحد.. رحل إلى جواره وهو يحمل كل تمسّكه وحبه للحياة…
أعماله..
الدراما السورية هي رحلة إبداعه الأولى، إذ عمل منفذ إضاءة في كثير من الأعمال السورية منها: مسلسل “سيرة الحب” إخراج عمار رضوان، و”عيلة خمس نجوم” إخراج هشام شربتجي، ومسلسل “حنين” الذي كان من بطولة أيمن زيدان وسوزان نجم وإخراج باسل الخطيب، وكذلك مسلسل “قانون ولكن” إخراج رشا شربتجي وتمثيل بسام كوسا، و”صقر قريش” إخراج علي حاتم.
أما الأعمال التي عمل مدير إضاءة فيها فكانت: مسلسل “هي دنيتنا” إخراج نذير عواد و”سعدون العواجي” لنذير عواد أيضاً، وفي مهرجان “دمشق عاصمة الثقافة العربية” ٢٠٠٨ قدم عروضاً مسرحية وفنية كان مديراً للإضاءة فيها أيضاً..
بعد سلسلة نجاحاته في الدراما السورية بدأ العمل في الدراما العراقية بأعمال كثيرة كانت له بصمة فيها مديراً للإضاءة منها مسلسلات: “خارطة الطريق” و “السيدة” لغزوان بريجان و”بنفسج أحمر” و”حب في الهند”، كما أخرج برنامج” تقصي الحقائق” وهو برنامج كان يطرح هموم الناس وويلاتهم… وكتب ونفذ فواصل عن شهداء العراق الذين واجهوا داعش الظلامية قبل عمليات التحرير وبعدها وكانت تبثها قنوات شبكة الإعلام العراقي.
كلشي ماكو… والحلفي
شارك الحلفي في فيلم “كلشي ماكو” كمنفذ إضاءة مع مدير التصوير البريطاني “جوناثان بلوم”، الفيلم كان عن رواية لإرادة الجبوري وهو سيناريو وإخراج ميسون الباججي، أما المخرج المنفذ فكان حيدر حاكم، قصته عن مجموعة نساء عراقيات عشن في حي واحد في بغداد، وفترة أحداث الفيلم هي الأسبوع الأخير من عام ٢٠٠٦. الفيلم إنتاج عراقي أوروبي مشترك، بطولة نادين الجندي (ممثلة فرنسية لبنانية)، باسم حجار، لبوة صالح، أحمد الهاشم، الإخراج الفني في هذا الفيلم كان لريا عاصي، كادر الفيلم ذكر المواقف العصيبة والمضحكة مع كنان رحمه الله، اذ كان مدير الإضاءة بريطانياً وكنان عراقي والشباب المساعدون معه أكراد، وعليه فقد كانوا يتفاهمون بالإشارة غالباً عند العمل… وقد لاحظ جوناثان قدرة كنان وبراعته وشرارة طموحه فكان يخبر الجميع أن يترجموا له أنه معجب به ولكن ليقدم براعته وعضلاته ليس مرة واحدة وإنما دفعة دفعة…
عمله الأخير
صديقه وشريكه في آخر عمل كان يعد له عبر حلقات، الفنان علي الشجيري، تحدث عنه بقوله “كنا بصدد تصوير عمل من تأليفي وإخراجه، وبشكل يومي نتحدث ونتناقش كثيراً في كيفية وضع الخطوط الرئيسة والأهداف لهذا العمل، وكان حريصاً كل الحرص على أن نقدم شيئاً مختلفاً يليق بنا نحن الشباب العراقيين ونحن نحاول أن نتقدم بعجلة الدراما بنحو جديد مغاير يواكب التطور الحاصل عربياً. كنان كان فناناً موسوعة يتابع كل ما هو جديد في الوطن العربي والعالم أيضاً.” يضيف الشجيري: “عندما أتكلم بفكرة معينة ويحصل تناص أو تشابه مع فكرة عمل إيطالي مثلاً أُفاجأ بكنان وهو يقص عليّ فكرة العمل الأصلي كاملة بالممثلين والإخراج وسنة الإنتاج. لم يكن مدير إضاءة يطمح للإخراج حسب، بل كانت لديه ثقافة وقدرة فنية حقيقية، وكان حلم حياته أن يقدم عملاً يردد مفرداته الناس في الشارع ويؤثر فيهم وينتقد ما يحصل من ظواهر سلبية، يتصل في وقت متأخر من الليل دوماً ليخبرني ما خطر برأسه من أفكار جديدة معتذراً ومعلناً خوفه من أن ينام وتطير فكرته، حسب تعبيره. رحل رحيلاً مفاجئاً وأنا أنتظر منه الرد على سؤال عبر تطبيق الواتساب عن عملنا المشترك وبقي بغير جواب، فقدنا أخاً وصديقاً وفناناً حقيقياً مثابراً قلّ وجود أمثاله في هذه الأيام”.
و…
لم تفقده الدراما وحدها، إنما فقدناه في المجلة أيضاً، فقدنا مصوراً صحفياً متميزاً وزميلاً وصديقاً طيباً كان مستعداً لمساعدة الجميع والاستماع اليهم، كان يحاول أن يملأ ساعاته بالعمل الإبداعي والأفكار والأصدقاء ليبعد الوحدة التي أرغمته الظروف عليها عن يومه..
في أمان الله كنان..