كيف استخدمت المخابرات الأميركية فنانين فاشلين في الحرب الباردة الثقافية؟

536

ترجمة: جمال جمعة /

لعقود من الزمن في الأوساط الفنية كانت تلك إما شائعة أو مزحة، لكن الآن تم تأكيدها كحقيقة. وكالة المخابرات المركزية الأميركية استخدمت الفن الحديث (بما في ذلك أعمال فنانين مثل جاكسون بولوك، روبرت ماذرول، ويليام دي كوننغ، ومارك روثكو) سلاحاً في الحرب الباردة.

على طريقة أمير عصر النهضة (باستثناء كونها عملت بشكل سرّي). فقد رعت وكالة المخابرات المركزية وروّجت الرسم التعبيري التجريدي الأميركي حول العالم لأكثر من عشرين سنة.

الحرب الدعائية

العلاقة المباشرة غير مرجّحة. كانت تلك فترة، في الخمسينات والستينات، عندما كانت الغالبية العظمى من الشعب الأميركي تمقت أو حتى تحتقر الفن الحديث ـ لخّص الرئيس ترومان وجهة النظر الشعبية حينما قال: “إذا كان هذا فنّاً، فأنا من قبائل الهوتنتوت”. أما بالنسبة للفنانين أنفسهم، فالكثير منهم كانوا شيوعيين سابقين، وبالكاد مقبولين في مرحلة أميركا المكارثية، وهم بالتأكيد ليسوا من نوعية الناس الذين يرجّح عادة أن يتقبلوا دعم الحكومة الأميركية.

لماذا دعمتهم السي آي إيه؟ لأنه في الحرب الدعائية مع الاتحاد السوفييتي، يمكن لهذه الحركة الفنية أن تصمد كدليل على الإبداع، وحرية المثقفين، والقوة الثقافية للولايات المتحدة. فالفن الروسي، الذي كان مقيّداً بسترة المجانين الأيدلوجية الشيوعية، لن يمكنه التنافس.

وجود هذه السياسة، التي كثرت الشائعات والخلافات حولها لسنين طويلة، أضحت الآن مؤكدة ولأول مرة من قبل موظفين سابقين في وكالة الاستخبارات الأميركية. دون علم الفنانين، تم ترويج الفن الأميركي الجديد بموجب سياسة تُعرف باسم “الرَّسَن الطويل”، وهي ترتيبات مشابهة في بعض النواحي لدعم السي آي إيه غير المباشر لمجلة “Encounter” التي يحررها الشاعر اليهودي ستيفن سبندر.

قرار إدراج الثقافة والفن ضمن ترسانة الحرب الباردة الأميركية اتخذ بمجرد تأسيس وكالة المخابرات المركزية في عام 1947. خوفاً من جاذبية الشيوعية لدى الكثير من المثقفين والفنانين في الغرب، أنشأت الوكالة الجديدة شعبة “لائحة الأصول الدعائية”، التي يمكن في ذروتها أن تؤثر على أكثر من 800 صحيفة ومجلة ومنظمة إعلامية مدنية. كانوا يمزحون بأن الأمر يشبه صندوق الموسيقى الميكانيكي: عندما تضغط السي آي إيه على زر ما، سيمكن سماع أية نغمة ترغب في عزفها في أنحاء العالم.

مزرعة الحيوان

الخطوة الرئيسية التالية جاءت عام 1950، عندما تم تأسيس “شعبة المنظمات الدولية” التي وضعت تحت إدارة توم برادين. كانت هذه الدائرة هي التي دعمت نسخة الرسوم المتحركة لرواية جورج أورويل “مزرعة الحيوان”، والتي رعت فناني الجاز الأمريكان، وحفلات الأوبرا، وبرنامج الرحلات الدولية لفرقة أوركسترا بوسطن السيمفونية. عملاؤها تم زرعهم في دوائر صناعة الأفلام، في دور النشر، بل وحتى ككتّاب لرحلات دار “Fodor” الشهيرة التي تصدر كتباً سياحية وأدلة سفر. والآن، نحن نعرف أنها قد عززت حركة الفوضويين الأمريكان الطليعية “avant-garde”، “التعبيرية التجريدية”.

في البداية، كانت ثمة محاولات أكثر انفتاحاً لدعم الفن الأميركي الجديد. في عام 1947 نظمت وزارة الخارجية ودفعت تكاليف تجوال معرض دولي بعنوان “تطوّر الفن الأميركي”، بهدف تفنيد تلميحات السوفييت بأن أميركا كانت صحراء ثقافية. لكن المعرض تسبب بغضب شديد في الداخل، ما دفع بالرئيس ترومان لإطلاق تصريحه عن “الهوتنتوت” وجعل من أحد أعضاء الكونغرس يصرّح بمرارة: “أنا مجرد أميركي غبي يدفع الضرائب لهذا النوع من القمامة”. فكان على الجولة أن تُلغى.

الحكومة الأميركية أضحت الآن تواجه معضلة. فهذه الفلستية “موقف مناهض للفكر، يحتقر الفن والجمال”، ممزوجة باتهامات جوزيف مكارثي الهستيرية نحو كل ما هو طليعي وغير تقليدي، كانت محرجة للغاية. فقد لوَّثت الفكرة القائلة بأن أميركا كانت ديمقراطية راقية وغنية ثقافياً. كما كبحت حكومة الولايات المتحدة من دعم تحويل مركز الهيمنة الثقافية من باريس إلى نيويورك منذ الثلاثينات. ولحل هذه المعضلة، تم احضار وكالة المخابرات المركزية.
العلاقة لم تكن غريبة تماماً كما يبدو. في ذلك الوقت، كانت الوكالة الجديدة، التي كان موظفوها بالأساس من خريجي جامعتي “ييل” و”هارفارد”، العديد منهم كان جامعاً للأعمال الفنية ويكتب الروايات في أوقات الفراغ، كانت ملاذاً لليبرالية عند مقارنتها مع العالم السياسي الذي يهمين عليه مكارثي، أو مع مكتب التحقيقات الفيدرالي ” FBI” الذي يترأسه إدغار هوفر. إن كانت ثمة مؤسسة رسمية في وضع يسمح لها بالاحتفاء بمجموعة من اللينينيين والتروتسكيين، والكحوليين الذين يحتسون الخمر بشكل ثقيل ممن شكل مدرسة نيويورك، فهي وكالة المخابرات المركزية.

حتى الآن ما من أدلة مباشرة للإثبات بأن هذه العلاقة قد تمت، لكن هذه هي الحالة الأولى التي يقوم فيها ضابط سابق، دونالد جيمسون، بكسر الصمت. نعم، كما يقول، الوكالة ارتأت أن “التعبيرية التجريدية” كانت فرصة مناسبة، ونعم، لقد تبنّتها.

“فيما يتعلق بالتعبيرية التجريدية، أحب أن أكون قادراً على القول بأن وكالة المخابرات المركزية قد اختلقتها، فقط لرؤية ماذا سيحدث في نيويورك ومدينة سوهو غداً!”، يقول مازحاً. “لكنني أعتقد أن ما فعلناه حقاً كان بغرض التعرف على الاختلاف. لقد تم الاعتراف بأن “التعبيرية التجريدية” كانت نوعاً من الفن الذي يجعل من “الواقعية الاشتراكية” تبدو حتى أكثر نمطية وأشد جموداً وضيقاً مما هي عليه. وهذه العلاقة تم استغلالها في بعض المعارض”.

“بطريقة ما تم دعم رؤيتنا، لأن موسكو في تلك الأيام كانت سيئة للغاية في إدانتها لجميع أشكال الاختلاف واللا توافق مع أنماطها الصارمة للغاية. وهكذا يمكن للمرء أن يفسر بشكل كاف وعلى نحو دقيق السبب الذي يجعل من أي شيء ينتقدونه، بهذا القدر وتلك القسوة، يستحق الدعم بطريقة أو بأخرى”.
لكي تتعقب مصالحها السرية في الحركة الطليعية اليسارية في أميركا، كان على وكالة المخابرات المركزية أن تتأكد من أن رعايتها لا يمكن أن تنكشف. “أمور من هذا النوع لا يمكن أن تتم إلا بإزالة اثنين أو ثلاثة”، يوضح السيد جيمسون، “حتى لا يكون هناك أي تساؤل بشأن ضرورة التخلص من جاكسون بولوك، على سبيل المثال، أو القيام بأي شيء من شأنه توريط هؤلاء الأشخاص في المنظمة. و لا يمكن أن يكون هناك أحد مقرّباً منهم، لأن معظمهم كانوا أشخاصاً لا يكنون إلا القليل جداً من الاحترام للحكومة، وبالتأكيد لا شيء لوكالة الاستخبارات المركزية. إذا كان عليك أن تستخدم أشخاصاً يعتبرون أنفسهم بطريقة أو بأخرى أقرب إلى موسكو من واشنطن، فحسناً، ربما يكون ذلك أفضل بكثير”.

كان هذا هو “الرسن الطويل”. محور حملة السي آي إيه أصبح “مؤتمر الحرية الثقافية”، وهو مهرجان ضخم للمثقفين، الكتّاب، المؤرخين، الشعراء، والفنانين تم تأسيسه بأموال وكالة المخابرات المركزية في عام 1950 وأدير من قبل أحد عملاء السي آي إيه. كان الحامية التي يمكن للثقافة الدفاع عبرها ضد هجمات موسكو و”رفاقها المسافرين” في الغرب. في ذروتها، كانت لديها مكاتب في 35 بلداً ونشرت أكثر من دزينتين من المجلات، بما في ذلك مجلة Encounter””.

الحرية الثقافية

“مؤتمر الحرية الثقافية” منح وكالة المخابرات المركزية كذلك الجبهة المثالية لتعزيز مصلحتها الخفية في “التعبيرية التجريدية”. سيكون هو الراعي الرسمي للمعارض الجوالة، ومجلاته يمكن أن توفر منصات مفيدة للنقد الإيجابي للرسم الأميركي الجديد؛ ولا أحد منهم، بمن فيهم الفنانون، سيفطن لأي شيء.
أقامت هذه المنظمة عدة معارض متزامنة للتعبيرية التجريدية خلال الخمسينات. أبرزها معرض بعنوان “الرسم الأميركي الجديد”، الذي زار تقريباً كل مدينة أوروبية كبيرة بين عامي 1958 ـ 59. المعارض المؤثرة الأخرى شملت “الفن الحديث في الولايات المتحدة” 1955، و”روائع القرن العشرين” 1952.

ولأن “التعبيرية التجريدية” كانت مُكلِّفة عند التنقل والعرض هنا وهناك، تم استدعاء المليونيرات والمتاحف للدخول في اللعبة. وكان الأبرز من بين هؤلاء هو نيلسون روكفلر، الذي شاركت أمه في تأسيس متحف الفن الحديث في نيويورك. بصفته رئيساً لما كان يسميه “متحف مامي”، فقد كان روكفلر واحداً من أكبر الداعمين للتعبيرية التجريدية (التي يسميها “مغامرة الرسم الحر”). تعاقد متحفه مع “مؤتمر الحرية الثقافية” لتنظيم ورعاية أغلب معارضه الفنية الهامة.

المتحف كان مرتبطاً أيضاً بوكالة المخابرات المركزية الأميركية بواسطة جسور متعددة أخرى. المليونير اليهودي وليام صاموئيل بيلي، رئيس شبكة CBS الإذاعية والأب المؤسس لوكالة المخابرات الأميركية، وُضع في مجلس الإدارة في برنامج المتحف الدولي. جون هاي ويتني، الذي خدم في الوكالة في زمن الحرب ، “مكتب الخدمات الستراتيجية” سابقاً، كان هو رئيسها. وتوم برايدن، الرئيس الأول لشعبة المنظمات الدولية في وكالة الاستخبارات المركزية، كان السكرتير التنفيذي للمتحف في عام 1949.

الآن، وهو في الثمانينات، يعيش برايدن في “وودبريدج” بولاية فرجينيا، في منزل مكتظ بأعمال تعبيرية تجريدية تحرسه كلاب ألزاسية ضخمة، يوضح لنا الغرض من شعبة المنظمات الدولية IOD :

“أردنا توحيد جميع الأشخاص الذين كانوا كتّاباً، موسيقيين، فنانين، لإثبات أن الغرب والولايات المتحدة كانوا مخلصين لحرية التعبير وللإنجاز الفكري، دون أية حواجز صارمة بشأن ماذا يتوجب عليك أن تكتب؟ وماذا يجب أن تقول؟ وماذا يجب أن تفعل؟ وماذا يجب أن ترسم؟ وهو ما كان يجري في الاتحاد السوفييتي. أعتقد أنها كانت الشعبة الأهم لدى الوكالة، وأظن أنها لعبت دوراً هائلاً في الحرب الباردة.

إنه يؤكد أن شعبته قد تصرفت سراً بسبب العداء الجماهيري للطليعية: “كان صعباً للغاية الحصول على موافقة الكونغرس على تمرير بعض الأشياء التي أردنا فعلها (إرسال الفن إلى الخارج، إرسال الفرق السيمفونية للخارج، نشر المجلات في الخارج) هذا أحد الأسباب التي جعلتها تحدث خفية. ينبغي أن تظل سراً. من أجل تشجيع الانفتاح، كان علينا أن نكون متكتمين”.

“إذا كان هذا يعني لعب دور “البابا” مع مايكل أنجلو هذا القرن، فحسناً، أفضَل وأفضَل: “يتطلب الأمر وجود “بابا” أو شخص ما يمتلك الكثير من المال لكي يعترف بالفن ويدعمه”، يقول السيد برايدن. “وبعد عدة قرون سيقول الناس: أوه، انظروا! كنيسة “سيستينا”، أجمل ما أُبدع على وجه الأرض! إنها المعضلة التي واجهتها الحضارة دائماً منذ أول فنان وأول مليونير أو البابا الذي يدعمه. وفي النهاية لو لم يكن الأمر يتعلق بالمليونيرات أو البابوات لما كان لدينا فن اليوم”.

هل كان يمكن للتعبيرية التجريدية أن تكون هي الحركة الفنية المهيمنة في سنوات ما بعد الحرب بدون تلك الرعاية؟ الجواب ربما “نعم”. لكن بالمثل، سيكون من الإجحاف التفكير بأنه حين تنظر إلى لوحة تعبيرية تجريدية تشعر بأنه قد تم خداعك من قبل السي آي إيه.

لكن انظر إلى أين انتهى المطاف بهذا الفن: في القاعات الرخامية للبنوك، في المطارات، في مباني البلديات، في قاعات الاجتماعات والغاليريهات الشهيرة. لأن “المحاربين الباردين” الذين روّجوا له، كانت تلك اللوحات شعاراً، وتوقيعاً لنظامهم وثقافتهم التي أرادوا إبرازها في كل مكان يبتغونه. ولقد أفلحوا في ذلك!

فرانسيس ستونر ساوندرز