لماذا وصف عبد الوهاب الساهر بـ “الولد المجنون”؟

73

عادل مكي /

نظرا لأهمية اللغة العربية، والقيمة التاريخية التي تحظى بها، ولمكانتها في الحضارة البشرية، ولإسهامات متكلميها في التطور على مدى قرون، ولأن نحو 422 مليون شخص يتحدثون بها، ما جعلها جواز سفر لكل مبدع يسعى الى تقديم فن يلامس شغاف القلوب.
لكن اللغة تظل ساكنة، بلا روح، مالم تحركها أمواج الشعر والعواطف المشحونة بالألحان، فتزيل عنها صفة التواصل المجرد وتضفي عليها اتصالاً عميقاً يغوص
في أعماق المتلقي.
لقد قدمت ثلّه كبيرة من مطربي العصر الذهبي للأغنية العربية عشرات القصائد باللغة العربية، من بينهم أم كلثوم وعبد الوهاب وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ، ونجحوا فيها وبقيت ترددها الأجيال، لكن السؤال الذي يشغل بال كثيرين، هل تمكن مطربو العراق، بعد ناظم الغزالي والقبنجي ويوسف عمر، أن يقدموا أعمالاً ترتقي بالذائقة السمعية العربية في غناء القصيدة الفصحى؟
لقد حاول العديد من فناني جيل السبعينيات تقديم الأغنية الفصحى، لكنهم فشلوا، وقد كنت شاهداً على تلك المرحلة لقربي إلى الكثيرين منهم، كذلك حاول العديد من المطربين، أوائل التسعينيات، أن يقدموا نصوصاً مكتوبة باللغة العربية، لكنها لم تكن بالمستوى المطلوب.
حتى بروز كاظم الساهر الذي غير في أسلوب اللعبة بذكاء مشهود، فقدم ألحاناً لعشرات القصائد إلى ثلة كبيرة من شعراء الوطن العربي كان أولهم نزار قباني، الذي أطلق عليه لقب “القيصر”، لأنه سُحر بفن وإبداع الساهر فمنحه أجمل ماكتب، لأنه كان يعرف أن هذا المجدد في الأغنية العربية لديه مهارة فريدة في الغناء من مناطق صوتيه ثرية .كاظم الساهر، حسب قول المقربين له، مفتون بالكلمة المعبرة، الكلمة التي تؤثر فيه، الكلمة التي تهز كيانه، إذ يبقى سارحاً بها كعاشق متيم، حتى أنه غيّر ويغيّر الكثير من العبارات التي لا يشعر بتأثيرها، فهو يبحث عن الكلمة او المفردة التي تستنزفه بسحرها ومعانيها وصورها المعبرة، وحتى في قصائد الشاعر الكبير نزار قباني كان يطلب منه تغيير بعض الكلمات تماشياً مع الضرورة اللحنية.
لقد لعب الساهر في مناطق كثيرة أثار بها العواطف المخبأة لدى الرجل والمرأة، والحب والقداسة، قبل ظهوره على الساحة الغنائية كان صعباً، بل مستحيلاً، أن تسمع أغنية فيها عبارة “انت ظالم انت قاسي” أو “هدد كسِّر حطم العب على اعصابي.”
لجنة فحص النصوص
كانت هناك لجنة فحص النصوص التي تمارس الحزم تجاه أية كلمة غريبة ترد في النص الغنائي تتعارض مع مزاجية سلطة النظام السابق، لأنها تعتقد –بسذاجة- أنها توجه شعراً مبطناً نحو القائد الضرورة، وكلمة واحدة قد تودي بصاحبها الى الإعدام.
لقد حطم كاظم الساهر تلك النظرية الجوفاء حين قدم أغاني فتحت الباب للشعراء في أن يقدموا نصوصاً ليست فيها محاذير او خطوط حمر، او حتى لو كانت رسائل سرية فيما يسمى بالشعر المبطن، فتحت للشاعر الأبواب على مصاريعها فصار بإمكانه أن يكتب مايشاء.
الغناء الأوبرالي
يتمتع الساهر بمساحة صوتية واسعة (طبقتين صوتيتين ونصف الطبقة) مع حدية وقوة وتفجر، سواء حين يغني على طبقة القرار او على طبقة الجواب، او بتعبير أدق على طبقات الباص التينور والالتو سبرانو.
بهذا يكاد الساهر أن يكون المطرب العراقي والعربي الوحيد الذي نجح بامتياز هائل في الاقتراب -الى حد ما- في غنائه من قوالب الغناء الأوبرالي، ويعد هذا الغناء هو الأصعب في تاريخ الغناء العالمي.
في عام 1990، وحينما أكمل الفنان كاظم الساهر أغنيته الأكثر حرفية (لا يا صديقي) ذهب الى ستوديوهات القاهرة لتسجيلها هناك، وكان اللحن فيه الكثير من المقامات والأنغام المختلفة، مع التنقلات النغمية والإيقاعية المختلفة، وصادف وجود الفنان الكبير محمد عبد الوهاب هناك، وحينما اطلع على التسجيل الموسيقي أصيب بالدهشة، وقال عبارة شهيرة (من هذا المجنون؟) ويقصد كاظم الساهر لأنه ذهل بهذه التحفة الفنية المميزة.
إن هذه الطاقة الكامنة والكبيرة للساهر مكنته من غناء أصعب القصائد فغناها بأطوار وأشكال لحنية متعددة، ولاسيما أن الساهر تتلمذ على يد أكبر فطاحل اللغة العربية، الشيخ جلال الحنفي، الذي علمه أصول النحو والصرف وقراءة وترتيل القرآن.
فامتلك الساهر خزيناً معرفياً بأصول وقواعد اللغة العربية.
لكن هذا لم يمنع كاظم الساهر من أن يعترف بإخفاقه والوقوع في أخطاء لغوية.
يقول الساهر: دعيت في الطائف للغناء في مسرح عكاظ ، وأحببت أن أغني أغنية جديدة للمستمعين العرب، الذين غصّت بهم مدرجات المسرح، والأغنية كانت (دلوعتي) وقد أنجزت لحنها في نفس اليوم، لكني وقعت في أخطاء لغوية وأنا أغنيها، معترفاً بذلك في لقاء مع قناة فرانس 24، ثم أردف قائلاً: اللغة العربية تحتاج إلى مستشار لغوي، حتى في المرات التي كنت أتصل بها بالشاعر نزار قباني لتحريك الكلمات، كان يقول
لي: أمهلني ساعة واحدة وأعود إليك، لأنه كان يذهب لمراجعة معاجم اللغة قبل البت بتحريك الكلمة.