محمود الجندي: بغداد الساحرة تشعرني بدفئها ومحبتها

481

 رجاء الشجيري/

تميز بخفه دمه وبشاشة ملامحه، اعتمد على قدراته الصوتية المميزة لأداء أجمل المواويل والأغاني في العديد من أعماله ونجح في اقناع المشاهدين بفنه الراقي ولمساته السحرية وتألقه في كل أدواره بالسينما والمسرح والتليفزيون.

إنه النجم “محمود حسين الجندي” الذي ولد يوم 24 فبراير 1946م بـ “أبو المطامير” في محافظة البحيرة لأسرة تضم تسعة أبناء, درس في مدرسة الصنايع حيث تخرج في قسم النسيج ثم عمل في أحد المصانع، كما حصل على بكالوريوس من المعهد العالي للسينما عام 1967م.
قدم على المسرح العديد من الأعمال المهمة كعنترة- مولود الملك معروف- شكسبير في العتبة- علشان خاطر عيونك- المليم باربعة- باحبك يا مجرم- البرنسيسة- إنها حقا عائلة محترمة- الرعب اللذيذ.

فضلاً عن مشاركته في أشهر المسلسلات التلفزيونية مثل “الخواجة عبد القادر- هارون الرشيد- الأدهم- دموع في عيون وقحة- في أيد أمينة- الدالي- حديث الصباح والمساء- الشهد والدموع- أبو العلا البشري- رقم مجهول- الأخت تريز.

وسجل حضوراً سينمائياً من خلال أفلامه “ليلة البيبي دول- واحد من الناس- على جنب يا اسطى- التوت والنبوت- شمس الزناتي- ناجي العلي- موعد مع الذئاب- اللعب مع الكبار- شفيقة ومتولي- المليونير الصعلوك.

الجندي حلّ ضيفاً على مجلة “الشبكة” فكان معه الحوار الآتي:

سحر المسرح

*إذا كانت مصر أم الدنيا فكيف تصف بغداد؟

– بغداد أجمل مدن الدنيا، بلد الروايات والسحر وألف ليلة وليلة، ومذ حطّت قدمي على أرضها شعرت بدفء مشاعر أهلها وصدقهم وطيبتهم، لذلك لم يكن للغربة أي مكان أينما ذهبت.

كما أني شعرت بالسكينة والروحانية العالية التي وجدتها في كربلاء وأشيد بالتنظيم العالي في إدارة مهرجان النهج السينمائي الذي دعيت له، وأبارك جهود الشباب السينمائيين المميزة والمفرحة برغم كمية المحن والمآسي التي مر بها البلد.

*متى يكون المتلقي أكثر تفاعلاً على الصعيد الإنساني في السينما أم التلفزيون؟

– السينما أكيد، لأن التلفزيون جهاز بيتي وهو ضيف يقتحم بيت المشاهد دون استئذان، فوقت المشاهد وانشغاله قد يجعلاه بعيداً عن التلقي والوصال معه، أما السينما فالمشاهد يتوجه إليها بكامل رغبته واستعداده وقد خصص وفق إرادته الوقت واللحظة لمشاهدة الفيلم وماهيته والاستمتاع به، لذلك شتّان بين العالمين.

*أنت مع الرمز في الفكرة أم مع المباشرة في الأعمال الإبداعية، سينما مسرح تلفزيون؟

– أنا مع السرعة والدقة في الوصول للمعنى دون الغلو في المباشرة أو الرمز، وأنا أجد أن المسرح أسرع منهما معاً بل وأخطر في الإيصال، وسيظل سحر المسرح “أبو الفنون” له مكانه المميز، اما السينما والتلفزيون فتبقى هناك حواجز وفواصل بين المتلقي والعمل الفني الإبداعي المطروح.

حالة طوارئ

*السينما والتلفزيون وتجسيدهما للأعمال الروائية كيف تراهما؟

– لغة المخرج تختلف عن لغة سرد الروائي، فالأول يمتلك تجسيدها وتعبيرها صورياً وبإدارة الكاميرا، اما الثاني فلغته تعتمد على الخيال والتتبع كتابة فقط. والسينما قامت على الرواية أساساً في بدايتها لأنه لم يكن هناك كاتب سينارست. فأصبح الاعتماد على الرواية المكتوبة كرواية “زينب” التي مثلث في السينما الصامتة ثم الناطقة، وهناك أمثلة عديدة للأعمال الناجحة في التجسيد مثل أعمال نجيب محفوظ في ثلاثيته الشهيرة وغيرها، وأعمال يوسف السباعي وتوفيق الحكيم .. .

أما عن الأعمال التي لم توفق في تجسيدها روائياً كان هناك فيلم “قلب الليل” لنجيب محفوظ وذلك لأن محفوظ كان سارداً لشخصياته وقصصه بشكل يختلف عما قدمه السينارست المرحوم” محسن زايد” حيث زج بشخصيات عديدة مشهورة كانت تزور نور الشريف مثل طه حسين وغيرهم، فجعل ذلك المشاهد في حالة متاهه وتشويش مع الأسماء والشخصيات وتتبعها مما تسبب في إخفاقه. وقد مثلت فيه دور “محمد شكرون” صديق “جعفر” نور الشريف.

*الفن كيف تراه الآن؟ ومتى تدخل معه في حالة طوارئ؟

– أعلن حالة الطوارئ عندما تسيطر التجارة على الفن بشكل كامل وتتحكم فيه وبالفنانين، فالتلفزيون الآن مثلاً واقع تحت سيطرة تجارة الإعلان وهو ما يتحكم بنوعية العمل الفني والحد من رؤاه ومساره، وهذا مؤشر خطير جداً وضد رسالة الفن وقيمتها وعطائها. ليكن هناك ربح في صناعة أجود الأعمال ولكن دون السيطرة عليها وفرض هيمنته على محتواها.
الفن لاينهي حرباً

*الحروب والفن من يعطي للثاني أكثر وكيف هي العلاقة بينهما؟

– الفنان لا يقيم حرباً ولا يمنع حرباً، بل بإمكانه تغيير قوانين كما في فيلم “أريد حلاً” لفاتن حمامة وفيلم “جعلوني مجرماً” لفريد شوقي، بالتالي هناك أعمال غيرت وستغير قوانين وحالة بلد وبلدان، وأرى الفنان المترف دون معاناة وويلات ومشاركة لهموم مجتمعه لا يعطي ولا يصل فنه، لأن الشبع يولد الاكتفاء وعدم الحاجة والشعور بالآخرين غالباً.

*ما الشي الذي يخرج عن حدود طواعيتك وإمكانيتك؟

– الموت فقط هو الشيء الوحيد الذي يخرج عن قدرتي وإمكانيتي.. ما عداه فأنا أملك الصبر والطموح دوماً في تحقيق ما أريد.

*متى تفرح ومتى يحتلك القلق؟

– أفرح اذا لمست السعادة في وجوه من حولي فهذا منتهى السعادة والفرح لي. أما القلق فيحتلني عندما تكون هناك “الخيانة والكذب” فهما أكثر ما يغضبني ويقلقني.

*ثقافة وأهمية الرسالة في أي عمل إبداعي كيف تراها؟

– هي حتمية وغاية وليست مجرد مهمة، فالعمل الذي بلا رسالة أو مضمون يريد أن يوصله بمعرفة هو عمل بلا قيمة، فنحن عندما درسنا السينما في المعهد العالي للسينما كانوا يخبرونا قبل أن تقرأ السيناريو قل لنا أنت “عاوز تقول إيه” وبعد ذلك اقرأ السيناريو، فلابد من هدف واضح ومحدد أذهب وأتوجه إليه في أي عمل فني.

*كيف ترى الزمن؟

– أرى الزمن في إثبات القيمة والمكان ولإثبات المعنى..لأننا نشعر بالزمن والشيء الذي يعيش طويلاً قيمته أعلى كما أن للمكان أهميته في المعنى والانتقال من حالة الى أخرى، فعلى سبيل المثال السلاح الذي بيد الجندي في ساحات القتال هو شرف في حين نفس السلاح بيد مطاريد في الجبل له معنى وبعد آخر .

*هناك ثلاث شخصيات على بابك، ومطلوب أن تختار واحدة تدخل مع مضمونها: الأولى قاصة والثانية شاعرة والثالثة صحفية فمن ستختار منهن؟

– سأختار الشاعرة، فالشعر أقرب إلى روحي ووجداني دون منازع ويؤثر بي بشكل سحري تماماً.
فأنا أكتب الشعر والأغاني في معظم المسرحيات والأعمال التي قمت بها، إضافة الى كتابتي لمواقف خاصة حدثت لي تهزني وتجعلني أحلق مع عالم الشعر. من الشعراء الشعبيين الذين اقرأ لهم وتأثرت بهم “أحمد فؤاد نجم، صلاح جاهين، سيد حجاب، الأبنودي”، أما شعراء الفصحى فأقرأ لحافظ إبراهيم، أحمد شوقي، وبدر شاكر السياب.

*كلمة أخيرة للشبكة

– أشكر مجلة الشبكة لإتاحتها الفرصة لنا للتعبير عن مدى حبنا وتعلقنا بالشعب العراقي المميز والقريب لنا في الكثير من القيم والتمازج الحضاري والإنساني، كما أني أعترف أني لم أتحاور منذ مدة هكذا لأبوح بكل ما خبأت لنفسي ..ألف تحية لمجلة “الشبكة” ولقرائها ومن نجاح الى نجاح.