محمود فهمي لـ “الشبكة”: كلياتنا الفنية تخرّج فلاسفةً وقليلاً من الفنانين!

368

سنان السبع /

فنان عراقي يعرفه المتلقي منذ أول نظرة لأعماله الفنية، يرسم لوحاته بنمط مختلف ويحاول دائماً الخروج عن المألوف وتأسيس نوع خاص للأعمال التي يقدمها، درس الفن في أوكرانيا واستلهم الحرفية في التعامل مع اللوحات والتفرد بأسلوبه الخاص.

وبرغم أن الدراسة أغنت تجربته الفنية بالكثير من الفائدة، لكنه يرى أيضاً أن تنقلاته الكثيرة بين العديد من الدول العربية والأجنبية غيرت نظرته لمفهوم الفن الحديث وتعرف من خلالها على التجارب العالمية.

الفنان التشكيلي العراقي محمود فهمي حاورته مجلة “الشبكة العراقية” عن بدايته وأبرز محطاته الفنية.

شغف البدايات

نشأت في بيت يحوي الكثير من تفاصيل الرسم والفن وحزت على جوائز حين كنت لم تزل طالباً، هل يمكن القول بأنك ولدت فناناً موهوباً؟ أم أنك اتجهت إلى هذا المجال عن طريق الدراسة؟

ـ يقال أن الشغف هو مؤشر للموهبة، نشأت في بيت زاخر بالفن والكتب، وكان أخي الفنان محمد فهمي هو أول من ألهمني عندما كنت صغيراً، وفّر لي الألوان ومجلات الأطفال من “مجلتي” إلى الإصدارات المصرية، فكنت شغوفاً بالرسومات فيها كرسومات (الكومك) وغيرها وكذلك بكتب فناني عصر النهضة والفنان الهولندي رامبرانت والانطباعيين الفرنسيين، أما الدراسة فكانت تكملة وضرورة لابد منها لرفع المقدرة والتمكن الحرفي والتقني المطلوب.

نعم تغيرت

ـ تنقلت بين دول عديدة منها أوكرانيا وروسيا والنرويج والإمارات وكندا، هل تغيرت مع هذا التنقل نظرتك للفن؟ وكيف اسهمت هذه الرحلات بتطوير قدراتك؟

ـ نعم تغيرت وتغيرت كثيراً، مفهوم الفن الحديث تغير عندي وللأبد، النسق والاتجاه بمسار واحد كان مفهوماً خاطئاً عرفته بعد تجربتي واطلاعي على الفنون العالمية بتنوعها، وهذا ما جعلني أعرف بأن التعصب لاتجاه فني معين هو النمطية بعينها وهو أشبه بالعقل الجمعي الذي يفرض إجابة واحدة معروفة لسؤال معروف.

تعلمت التنوع وتقبل كل الأساليب بالرغم من ميلي إلى الأسلوب الأكاديمي في الإنشاء والتشخيص.
انتصر للإنسان

ـ درست في أوكرانيا على أيدي فنانين كبار، هل سحبتك الدراسة إلى المدرسة الواقعية بالرسم؟ ومن المحلية إلى العالمية؟

-الدراسة في أوكرانيا، التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفيتي السابق بمدرستها السوفيتية الرصينة والصارمة في التعليم والتدريب، جعلتني أفكر جدياً بأن ألتزم بها وأعيش في أجوائها باستلهام قيمها الثقافية والفنية والحرفية لصالح توجهاتي الأسلوبية في الأعمال الفنية.
العالمية هي لمن استطاع أن يقدم المحلية بلغة عالمية وليس العكس، هذا ما أحاول أن أقدمه في أعمالي.
استفدت من أساتذتي في أوكرانيا كثيراً، ومن تواضعهم ومن إعطائهم المعلومة وطرق تدريسهم الرصينة والمحافظة في التعليم وهذا أثّر فيّ كثيراً، بعضهم رحل عنا وبعضهم مازال حياً، وأكنّ لهم كل الاحترام والتقدير.

ـ لديك تجربة قاسية مع حرب الخليج الأولى، من إصابة بليغة وعودة لنحو ألف كيلو متر من الكويت باتجاه العراق، هل وثّقت هذه التجربة بعمل فني؟ وكيف كان أثرها في حياتك الفنية؟

ـ للأسف للآن لم أنجز عملاً يقدم هذه السيرة التي مررت بها سوى بعض (السكيتشات sketches) لم تر النور لأسباب منها الانقسام الحالي، والشدّ بين مؤيد ومعارض وغيرها من المسببات التي تمنعني حالياً في طرحها، ولكن في المستقبل القريب قد يرى المشروع النور، وأحاول أن أقدمها بأسلوب وطرح مغاير للنمطية التي تعالج فيها مثل هذه المواضيع، حيث اقترب من الإنسانية ومعالجات لحالة الإنسان والجندي العراقي بعيداً عن الفن التعبوي والدعائي، اقترب من روح المعاناة وليس الانحياز لطرف قدر الانحياز لذلك الجندي الذي طحن في حروب لامعنى لها، تركَته خائباً مسكيناً في شبابه وحطمت طموحه وأحلامه.

الماضي حاضراً

ـ تهتم بلوحاتك بتفاصيل الحياة البغدادية، هل هذا توثيق للزمن الذي مر؟ أم هو ضرورة جمالية لابد من إظهارها للمتلقي؟

ـ السابق دائماً يثير الشوق والحنين، خصوصاً إذا كنت قد عشته في طفولتي أي أنه من صلب حياتي وحياة جيلي. أحب التطرق لتلك الحياة وإبرازها، والمتلقي غالباً ما يميل لها، أما الحياة الحالية في مدننا فتفتقد لتلك الرومانسية التي عرفناها، لا أعرف.
قد يكون القديم يثير فينا تلك الغريزة الجمالية الحالمة لذكريات ولحظات مررنا بها، وبغداد هي خير من يمثل تلك اللحظة الجمالية التي تبقى في الذاكرة، لذلك يمكن اعتبارها ضرورة جمالية راقية لابد منها في تكوين المشهد العراقي.

مغايرة

ـ في لوحاتك يوجد شيء مغاير، فتارةً تطير الكائنات التي في اللوحة وتارة أخرى تجلس في أعالي السطوح متفرجة وغير مبالية، هل تريد الابتعاد بهذا الأسلوب عن التقليدية؟ أم أن هناك رسالة تريد قولها؟

ـ أعمالي أقدم فيها ما هو مغاير وبعيد عن الشكلية النمطية التي أثقلت الفن العراقي، وتركَته يترنح بتكرارها من حيث البناء التكويني والموضوع والفكرة التي أصابها التكرار والجمعية في المعالجة، وهو نتاج طبيعي لمجتمع يمتاز بالكثير من الانقياد للنسقية والفكرة المتعارف عليها ولم يعتد على الخروج من الصف.

ولكن هذا لا يعني أنه لا يقبل الجديد، بالعكس هو يريد ويبحث عن تلك الإشراقات الجديدة الخارجة عن المألوف، وهذا هو الفن الحقيقي، لذلك حاولت أن اتخذ تلك المسارات في أعمالي لتكوين تركيبة جديدة مغايرة.

-كيف تنظر إلى الحركة التشكيلية العراقية الآن؟

ـ الحركة التشكيلية العراقية فيها الكثير من التنوع والإنجازات، ولكنها منقسمة بين أعمال تقترب من التجارية وأعمال جادة أو كما يسميها بعضهم بالحداثوية، لكنها بعيدة عن المتلقي والجمهور بل ومتعالية عليه وهذه أخطر من الأولى لأنها كاذبة.

-هذان الخطان لا يقدمان دفعة حقيقية للفن العراقي سوى بعض من الفنانين الذين اختاروا أن لا يكونوا من النوع الأول ولا الأخير، وهنا يبرز الدليل على تعطش المتلقي العراقي لهذا المغاير الذي يقترب من صميم الإبداع الحقيقي.

لقالق بغداد

ـ عمل “عودة لقالق بغداد” كتب عنه الكثير وأشاد به النقاد، ما يميز هذا العمل عن بقية أعمالك؟

ـ هذا العمل امتاز بالرمزية العالية التي فيه وهو أكثر أعمالي التي تقدّم الرمزية بعناصر تشخيصية يعرفها العراقي، طيور اللقالق ورمزية الأمان الذي ينتظره العراقي. واللقلق لم يظهر في الفنّ العراقي كما ظهرت الخيول مثلاً، هنا الاختلاف الذي كنت أبحث عنه، والبنت الشابة النائمة في هدوء صباحي بغدادي صيفي، جمالها نحافتها طريقة نومها وغفوتها، ركزت على جمال يدها وعيونها الغافية تحت آخر ظل قبل طلوع الشمس على وجهها، برمزية النوم قبل الاستيقاظ وطلوع يوم جديد نتمناه جميعاً، نومة السطح لها تلك الدلالات عند العراقيين.

لا وقت للتجريب

ـ ما التقنيات الحديثة التي تستخدمها في لوحاتك؟

-أنا أستخدم تقنيات كلاسيكية قديمة وملتزم بها لأنني أشعر بأنها تعطيني الكثير وأكثر طواعية واستجابة لما أريد أن أقدمه. لا يكفيني الوقت لكي أجرب تقنيات أخرى حالياً، قد أقدم أعمالاً غرافيكية وأيضاً بالأسلوب الكلاسيكي لأنني مغرم به وأعتقد أننا لم نكتشفه جيداً، الحداثة عندي في الموضوع والطرح هي المفضلة لدي، أبقى أحب الكنفاس والألوان الزيتية هي الأقرب لي.
كلياتنا لا تخرّج فنانين

ـ هل تعتقد أن ما يدرّس الآن في كليات الفنون في العراق يؤهل الطالب لأن يصبح فناناً؟

ـ يؤسفني أن أقول أنها لا تُخَرّج غير عدد محدود، وهؤلاء القلّة يكونون فنانين بجهودهم الخاصة ومواهبهم. كلياتنا الفنية الحالية تخرّج فلاسفة ومتحدثين جيدين عن الفن فقط، وينتهي بهم الأمر أحياناً أن يكونوا كتّاباً أو ناقدين ينافسون النقاد الحقيقيين في تركيباتهم اللغوية المعقدة. انتشرت في كلياتنا الرغبة في الحصول على الشهادة والدراسات العليا والامتيازات التي ترافقها من راتب عال ووجاهة الألقاب، انتهت أو قُتلت تلك الرغبة في الطالب لكي يتعلم ويتدرب على الأصول الفنية الأكاديمية، بعض الأساتذة يستهزئون بطرق التدريس القديمة الرصينة ويعتبرونها من مخلفات الماضي موهمين الكثير بهذه الكذبة. في الطب لا يمكنك أن تخرّج طبيباً قبل أن تدرّسه الفسلجة والعظام والغدد والأعصاب والأجهزة.

الفنان يجب أن يكون مسلحاً بالأصول الأكاديمية وبعدها يختار الطريق الذي يريده، هذا هو تقييمي الأخير بأن التدريس في انحدار كبير. لا حاجة لنا بهذا الكم من المعاهد والكليات، القليل الجيد والمتميز أفضل من الكثير السيئ، أين سينتهي المطاف بهذا العدد من الخريجين، وبخاصة إذا كانوا غير أكفاء؟