مظفر النواب موسيقياً

753

أحمد مختار/

لم يكتب الشاعر الكبير مظفر النواب قصيدة غنائية على النمط السائد في الخمسينات وما قبل، ولم يدر في خلده ان قصائده ممكن ان تلحن، وربما هذا ما جعل ملحن الأغنية الكلاسيكية العراقية لا ينتبه الى الغنائية العالية والموسيقى الكامنة في القصيدة النوابية.

ولكن الوعي الثقافي آنذاك شهد ولادة ملحنين بروح مغايرة قادتهم الى الانتباه والمغامرة بالتلحين ومنهم الملحن محمد جواد اموري حيث اقدم في نهاية الستينات على تلحين قصيدة النواب “ الريل وحمد” التي غناها المطرب ياس خضر وشدت اسماع الناس ومازالت بنفس بريقها. ثم جاء التحدي الثاني الأكثر تطورا على يد الملحن طالب القره غولي في اغنيتي “روحي” و”ليل البنفسج” ليعطي صورة وصفية موسيقية اكبر من خلال المقدمة الموسيقية الصرفة التي سبقت اللحن والتي كانت جزءا لا يتجزأ من مشهد الأغنية وتلون الايقاع الذي يجاري تحول وزن قصيدة النواب نفسها، وعلى هذا المقياس ولدت أغنية أخرى هي (حن وانه حن) التي لحنها القره غولي ايضا لتشكل مع من سبقتها من الأغاني اسلوبا متميزا لأغنية عراقية متطورة.

فتح اموري والقره غولي الباب أمام الملحنين الآخرين لخوض التجربة بشروط فنية جديدة واثبتا أن من الممكن للملحن الموهوب ان يلحن قصائد النواب برغم شكلها المركب وخروجها عن الايقاع اللحني الرتيب، وعلى الملحن ان يكون ذا آفق واسع في تحولاته المقامية ليناسب تحولات صور القصيدة، وان يكون خارج الأنماط والأشكال السائدة في التلحين التي اذا وضع اللحن قبل القصيدة أو وضعت القصيدة قبل اللحن لن يتغير بالأمر شيء، ناهيك عن ان شعر الدارمي وإيقاعه الواحد يٌكون اغلب الأغنيات آنذلك.

ترافه وليل

في الفترة نفسها خاض الملحن كمال السيد تجربة تلحين (ترافه وليل) وكذلك قصيدة (مضايف أهلنا) وثالث القصائد التي لحنها السيد ايضا هي قصيدة (ياريحان) التي غناها الفنان فاضل عواد.

للمطرب رياض احمد تجربة متميزة مع قصائد النواب حيث غنى البعض منها على شكل “الموال الملحن” ولو استمعنا، بطريقة تحليلية لتلك المواويل، نجد انها عمليا لحنا بلا ايقاع لان فيها بنى موسيقية وإيقاعا داخليا وتحولا مقاميا لكنها تخلو من الوزن الموسيقي الرتيب وتلك الطريقة في الاداء ما يصطلح علية موسيقيا (اتلبلتو) الفالت في المصطلح الموسيقي العراقي.
ايضاً الملحن حميد البصري لحن أغنية «يجي يوم»، أما الفنان سامي كمال فقد جسد قصيدة «مو حزن» لمظفر النواب موسيقياً وبرغم ان العديد من الفنانين حاولوا أو لحنوا هذه القصيدة، لكن يبقى لحن الفنان سامي كمال هو الأكثر ابداعا في التلحين والاداء، وهذا ما سمعته من مظفر النواب شخصيا وكما عبر عن اعتراضه على تلحين البعض الذي ابتعد عن جوهر القصيدة كثيراً.

تغير شكل الأغنية

وبإصرار النواب على طريقته المتجددة الثرية المتنوعة بكتابة القصيدة جذب الملحن الى المستوى الابداعي لقصيدته ليضع لحنا يجاريها وبهذا دفع أو حتى اجبر النواب ملحني قصائده على تغير شكل وصياغة الأغنية العراقية ومضمونها التعبيري وحياكتها اللحنية لتخرج من ثوب بساطة اغنية ما قبل الستينات الى مجال ذي عمق تعبيري اوسع ولتتخلص من سطحيتها في بعض الأحيان. هذا التجديد على يد النواب وملحني قصائده لا ينفصل عن الحراك الثقافي ووعي مجتمع مدرك لأهمية التجديد في منتصف الستينات والسبعينات لان وعي المتلقي المثقف والعام كان عاملا مهما لنجاح قصائد النواب جماهيرياً ونجاح ملحني قصائده.

وبهذا غير ملحنو تلك المرحلة الطموحون، شكل ومضمون الاغنية الكلاسيكية العراقية ليكون اكثر قابلية على التنوع والانقلابات سائرين على شكل قصيدة النواب، فأنتج ذلك اغنية عراقية تحتوي على عدد من المقامات المتآلفة بعد ان كانت على مقام واحد وعدد من الايقاعات وبعد ان كانت أحادية ايضا، ومقدمة موسيقي صرفة بعد ان كانت من دون ذلك، ناهيك عن اللازمات الموسيقية خلال الغناء. كما تطلبت الأغاني صوتا متمكنا ذي مساحات واسعة وقدرة على التحولات في الاداء النغمي والوزن والعاطفة ليقدم الأغنية بشكلها النهائي للجمهور.

يبقى الشاعر الكبير مظفر النواب شاعرا متجددا طور اسلوب كتابة القصيدة العراقية، ما غير الأغنية العراقية شكلا ومضمونا وهذا يضاف الى مزاياه الكثيرة التي لا تنتهي بموقفه الانساني والوطني وابداعاته المتعددة.