منير العبيدي تغنى بالواقعية واحتفى بالطبيعة

34

خضير الزيدي  /

بدت معالم الفن الواقعي عند الفنان منير العبيدي أكثر قدرة في استثمار المحلية العراقية، والعودة بها إلى جذورها، حيث التشكيل المكاني الخاص بالريف وأجوائه، وقد أرانا إمكانياته في الزيت والاكرليك والمائيات بقدر متعالٍ من ضرب الفرشاة وتنوع اللمسات الفنية.
وبما أنه غادر العراق إلى دولة ألمانيا بعد أن اكتسب الدرس الأول من معلمه خالد الجادر نهاية العقد الستيني، فقد أراد أن يعيد التشكيل الواقعي لمناطق ذاكرته، ولكن ضمن حياة الطبيعة الألمانية حيناً وحياة المحلية العراقية حيناً آخر. وهذا الحسم الصوري لم يبعده عن حساسية تخيل المكان ومتابعته كمحتوى محلي ليصبح بديلاً احتفظت به الذاكرة، ويعيد بخياله انفعالاً نفسياً من واقعية تزاوج بين التفاصيل والتوثيق البيئي، والملفت في رسوماته تلك النبرة العاطفية الداعية لترسيخ الخضرة في مساحة شاسعة من جغرافية اللوحة، فهو يلازم بمنظومته الواقعية خواص الفكرة ويمسك بإحساسها بإزاء نظرة المتلقي، وبما أن المتخيل من رؤيتها ينصب في الولاء والتمسك بالحياة الريفية التي عاشها في مدينة بهرز التي ولد فيها نهاية الأربعينيات من القرن المنصرم وأثرت فيه تلك المناظر، فها هو يخضع بكل قواه الخفية والمعلنة ليستسلم للطبيعة ويعيد صياغتها بإطار جمالي لا يخلو من تحول بنائي داخل إضاءة الأشكال وتنوعها في اللوحة. الفنان إذن مسكون بتجليات طفولية يضع لها موازين البعد الجمالي حيث لا غياب لإشارة الحياة الأولى وتكوينها، وبقدر ما هي عودة للوراء قليلا إلا أنها خاصية علينا أن نعي مضمونها النفسي والاجتماعي لاسيما حين يتعلق بالغربة والابتعاد عن الأصول المكانية والحنين للماضي. طبيعة أعماله الواقعية ترينا محمولاتها الموضوعية من منافذ أكثر اتساعاً، فهي تلاصق متن الرسالة التعبيرية التي تعكس خيال رجل تجاوز الستين ليبدي غنائية من ألوان متعددة وظفت بمهارة وتماسك بنائي رصين. ما يثيرنا في هذا السياق طابع البناء الداخلي لروحية العمل، فالإدهاش يكمن في إيجاد طاقة لونية صارخة يثبت كيانها المرئي بتمثيل متجدد وطريقة لا تضايق مركزية السطوح، وانفتاح على تقابل لوني متدفق جعله يلون بغنائية وتحديث دون أي حرج من تبعيات البناء الشكلي، فكل ما يمكن أن يضاف إلى اللوحة يبدو انتقالاً لوجهة ثانية تتأثر باكتمال الصورة الأخيرة المراد إبداؤها للمتلقي، فهو لا يلصق كولاجاً ولا يعظّم من طاقة التصميم، كل ما في وسعه تعزيز السمات الشعورية لإيحاء طاقة الألوان وما تحفل به من مرجعية وتأثير نفسي حاد. الأمر الآخر في لوحاته الذي يمكن رصده هو استرخاء جراء تعاظم رؤيته الفنية، وخروج قابل للتغير ولكن لا يقبل الابتعاد عن التحول، وأجد أنه راعى في لوحاته ما يريده المتلقي من صفاء ذهني، لهذا لا توجد تفاصيل خارجة عن عناصر العمل، بل هناك حركة في زاوية معينة، بينما الغالب من طاقة اللوحة يقبع في سكون وكأنه يكرس فضاء منغلقاً تتوزع فيه القيم اللونية مع مركزية الدال ووسائط الصورة التقريرية. لقد توصل هذا الفنان إلى طريقته بتساوٍ جعله يروي الحكاية في الرسم دون أن يتكلم عنها، بمعنى أن لوحاته تترك بصمات المظهر الحي لمشهد حياتي بينما خزين ذاكرته ينظم تسلسلها وفقا لألفتها وارتباطها مع جوهر وروح الفنان، وهذا التداخل له مستويات دالة على أهمية الرابطة مع المكان وجوانب حسية ما تحمل النفس من حقائق غابت عن نظرنا لكنها حضرت في مساحة ذاكرتنا. واحدة من محاسن الفن الواقعي أنه يعيدنا لمرابع النشأة الأولى ويحيي فينا الطفولة ويقدم تصوراً واضحاً لوجهة الإنسان مع الطبيعة فهو لا يلملم أشلاء الدمار والخراب، بل يفتح وعينا للتقرب من الطبيعة وكأننا مسكونون ببعدها الشكلي وجوهرها الكياني، وإذا صح التعبير فهي دعوة من هذا الفنان إلى ألّا نُفطم عن ثدي القرية والريف والبراءة لأن المدن الواسعة تقتل المصداقية والعاطفة فينا..هذه الأعمال في الفن الواقعي دعوة صريحة للتمسك بهوية المكان والأخذ به في صرامة وثقة عالية كي نعيد لأنفسنا التوازن الأخلاقي في التعامل اليومي ورفض شوائب الانكسار وتقليل الاستهلاكية المقيتة، ولكن السؤال هنا: كيف يتم ذلك؟ إنه اللجوء إلى الصفاء والتصالح مع هذه الطبيعة الجميلة العالقة في السطوح التصويرية لرسومات منير العبيدي.