من يريد الحياة كما هي؟

710

علي رياض/

في سبعينات القرن الماضي، كان الفن التشكيلي يبحث عن شكل جديد لنفسه بعد أن ارتوت عروقه من جميع الأشكال السابقة، ليجد نفسه مثل أي قدر وجودي يعود إلى ولادته الأولى، بحلة أكثر تطرفاً وأصالة، بإفراط كبير ليطلق واقعيته المفرطة أو الـ”hyperrealism”.

استعراض عضلات؟

ينقل الكاتب المصري مختار العطار في كتابه “آفاق الفن التشكيلي” عن الناقدة جيريت هنري رأياً في الواقعية المفرطة تقول فيه: “إنهم يصورون الحقائق بقوة، عن طريق القدرة الخارقة على رسم كل نقطة في الشكل بدقة بالغة. يظهرون الواقع وكأنه ضرب من الخيال”. لكن التنظيرات الطويلة والمملة لهذا الشكل الفني لم تنجح بالإجابة عن سؤال بسيط واحد، ما الغاية من تصوير الواقع بالرسم بشكل متقن في زمن تتواجد فيه الكاميرا، وماذا يستطيع الرسام أن يفعل بواقعيته المفرطة أكثر من العدسة بالغة الدقة الحاملة لتقنية الـ”مايكرو فوتوغرافي” على سبيل المثال، وهل أصبح الفن التشكيلي استعراض عضلات للحرفة على حساب الجمال والمعنى؟

لكن السؤال المطروح أعلاه يصاغ بدهشة أكبر عندما يسأل للمخرج شون بيكر، الذي أخرج لنا “مشروع فلوريدا” بواقعية سينمائية مفرطة، تتناول الحياة اليومية المطلقة في نزل فقير، يحظى الفيلم باستحسان أكبر لدى النقاد من المشاهدين، على عكس ما حدث مع الواقعية المفرطة في الفن التشكيلي التي حصلت على دهشة واستحسان المشاهدين، بينا اصطدمت بعلامات سؤال كبيرة من قبل النقاد.

مشروع فلوريدا

قبل عدة أعوام ضجت وسائل التواصل الاجتماعي، بأحد رسامي الواقعية المفرطة، الشاب المكسيكي عمر أورتيز، الذي اعتاد أن يرسم الجسد وتفاصيله بالطريقة الفوتوغرافية، كانت صرعة أورتيز تنتشر في كل مكان من العالم، مثلما حدث مع أغنية (غانغنام) ستايل الكورية، في المقابل لا يتذكر أورتيز الآن سوى القلة، رغم أن البعض سماه (عمر دافنشي)، فما الذي يمنع “مشروع فلوريدا” أن يجذب أكثر من 41 ألف متابع فقط على الموقع السينمائي الشهير imdb، خلال الأشهر الستة الأولى من إطلاقه؟

شخوص الفيلم الرئيسة هم الطفلة موني وهو ثاني دور تلعبه بروكلين برينس في مسيرتها السينمائية، وهايلي (أم موني) وهو أول دور تلعبه بريا فينايتي في مسيرتها رغم أنها ليست طفلة!، والممثل القدير وليام دافو.. فضلا عن عدد من الأطفال والجيران، الذين جمعت أغلب الممثلين المؤدين لأدوارهم خصيصة الظهور الأول أو الثاني على الشاشة.

يبدأ الفيلم مع أطفال يركضون، في مكان مليء رغم فقره بالألوان، يشاغبون في الجوار ويتسببون بالمشاكل الصغيرة لعائلاتهم، تلاحقهم كاميرا فضولية تتلصص على حواراتهم الطبيعية وتفاصيل حياتهم الدقيقة، التي تحتفي بالمثلجات وبركة السباحة الصغيرة والسخرية من السياح الأجانب.

لكنّ هذه العين المتلصصة لا تتوقف عن حصر الالتقاطات الرائعة في إطاراتها الأربعة، لتقدم لنا بشكل عفوي يبدو خالياً في عين المشاهد من القصدية، الجانب الفوتوغرافي الجمالي من الواقع، الجانب الذي تمر عليه عيوننا كل يوم دون أن تدرك الزمن الدقيق للتوقف ومسكه في مسقط نظر، وربما يكون هذا التفصيل الصغير أحد الدروس التي يمررها المخرج في الفيلم؛ أن نزلاً فقيراً وشخوصاً غرباء، خلطة كافية لاستنباط الجمال المسكوب في كل مكان من الوجود، لكنه طبعاً لا يضمن الفيلم بأحداث متسارعة أو حبكات لشد الأعصاب وحرق الوقت بالأدرينالين.

غياب البطولة

أغلب مشاهدي الفيلم، تداولوا مفردة “بطلة” بإطلاقها على الطفلة المدهشة بروكلين برنس (موني)، بطريقة مجحفة لفهم الكيمياء التي ارتبطت بها الشخصيات، وطبيعة الفيلم التي لا تتسع للبطولة ومعناها الفضفاض والمترهل، كل من ظهر في الفيلم شكّل ركناً مساوياً تماماً في الأهمية لبقية أقرانه، وإن أردنا أن نأخذ جولة على الشخوص سنجد أن موني مثلاً شغلت الحصة الأكبر في ظهورها الزمني، لكنّ أهميتها ترتبط بأمها المتحررة في نظام التربية الذي اتخذته لابنتها، لأسباب لا تتعلق إطلاقا بمهنة (اللاب دانس) في النادي الليلي. ثم يأتي بوبي الذي لعب دوره باتقان رائع وليام دافو، وهو يظهر بدقائق قليلة من الفيلم، ليربط الأحداث بنصفي شخصيته؛ الحازمة الصارمة على إدارة النزل، والأبوية الحنون التي تسامح أخطاء النزلاء الفقراء وتلتمس لهم الأعذار، ليكون أقرب إلى لاعب المحور الدفاعي في فرق كرة القدم، الذي يسير المباراة ويختفي عن الأنظار فلا ينال الشهرة.

مغامرة ذكية

إن تحدي اختيار طاقم تمثيل غير خبير من قبل شون بيكر، كان مغامرة شجاعة وذكية للغاية، لم يكن الرجل يبحث عن دراما أو مسرحة أو (أداء) في الحقيقة، كان يريد بشراً يخوضون حواراً يومياً، حوار قد يخوضه أي منا في أي زمان أو مكان، ما جعل كتابة الفيلم مهمة معقدة بشكل كبير، فلم تسمح طبيعة السيناريو بوضع عبارات لامعة للاقتباس، ولا مونولوغات او ارتجالات طويلة، بل ألزمت بيكر إلى جانب كريس بيرغوتش الذي شاركه الكتابة، بخلق واقع محض متخيل، بطريقة تعاكس بشكل تام الواقعية المفرطة بالفن التشكيلي، فهنا الخيال خلق الواقع من العدم، بينما هناك، تمت إعادة انتاج الواقع بجهد حرفي يفتقر إلى المخيلة والخلق. رغم ذلك فلا يخلو الواقع من لحظة صادمة أو ذروة طارئة، تلك الذروة التي انتظرها المشاهد أن تخرج له بالشكل الروتيني المعتاد، فلم تفعل، لتجيء كما تجيء عقبات الحياة الخالية من زينتها بمفاجئة غير سارة لا يقدمها سرد ولا يفسح فيها القدر مكاناً لخطبة عصماء، هذه اللحظة التي تصدت لها الطفلة الرائعة بروكلين برنس بدمعة غير مسيطر عليها، تطفر من عينيها وتدفعها إلى هرب مؤقت برفقة صديقة لم تكترث لشيء غير الوقوف إلى جانب صديقتها الخائفة.

كسر الحلم الأميركي

بعد الانتهاء من مشاهدة الفيلم، لم أكن أعرف السبب الذي سمي لأجله الفيلم بـ”florida project”، لكن علمت لاحقاً، أن مفردة (project مشروع) تطلق عادة على المجمعات السكنية الفقيرة أو النزل البخسة في أميركا، وهنا نجد أن شون بيكر استطاع أن يطلق أسئلته وأفكاره في رأس المشاهد بعد نهاية الفيلم وليس أثناء مشاهدته، ويسلط الضوء على الحياة بجانبها المتواضع البسيط القابعة على مسافة لا تذكر من مدينة (ديزني لاند)، والمحتفظة بصورة تكسر الشكل النمطي للحلم الأميركي، وهذه عظمة أخرى!