موت الأب..واقعة في حياة سيد محمد النوري

843

د سلمان كيوش/

ضجّ الجناح الخاص في مستشفى مير الياس في بغداد بنواح لا عهد للممرضات والأطباء المسيحيين به، ولا عهد لهم بشك الزيج للكَاع. كيف لا وقد مات السيّد الجليل كاظم بن السيّد عكلة النوري، مات المعزّب الكبير وماتت معه الشّارة الكبيرة وثُلم البخت.

واستعرت نار النبأ في المستشفى كلّه لتنتقل بسرعة إلى خان حجي محسن القريب حيث يقيم السودان بكثرة فهرعوا برمّتهم. سيصرّون بعدها على أن تكون الفاتحة لديهم وسينتقلون بعد أن طاح الجادر إلى فاتحة أخرى تُقام هناك في مضيف السيّد الذي تلبطُ روجات الشلفة على شبابه العاليات.
كان الشيخ محمد بن عريبي في حضرة الباشا نوري السعيد في ذلك الوقت من ربيع عام 1956بعد أن زار السيد في المستشفى. وما إن رأى هروع الناس حتى نهض وصفّق وقال بزفرة لم يفقهها الباشا السعيد:” أنا غلام عريبي، مات السيّد”. وجرى باتجاه المستشفى وعباءته الثمينة جدا تسحل خلفه.

****
انتقلت الجنازة إلى بيت سيد محمود بن سيد علي بن سيد عكلة في خان حجي محسن. تحلّق حولها خلق كثير جدا. الكل يبكي بطريقته، وثمة نساء كثيرات وددن لو أنهن شققن زياجهن لكن السادة رفضوا بحزم.
من بين أشد الناس وجوما ودهشة هو سيّد محمد. لم يكن يبكي. كان ينظر فقط، عيناه لم تغادرا التابوت الذي يعتلي قمارة السيارة. يبدو أنه ادّخر ثغيبه لوقت قادم. حين امتلأت مقاعد السيارة وصاح الحادي:” توكّلوا بالله” تسلق سيّد محمد السيارة، وجلس بإزاء التابوت.

صاح كثيرون: سيّد انزل، هذا مكانك”، لكنه لم يكن يسمع أو يرى إلا ما كان يريد رؤيته وسماعه هو. احتضن التابوت، ألقى برأسه عليه كما يفعل مع مخدته حين يكون متعبا جدا وفي رأسه قرار. حين يئس الناس من نزوله سار الحادي بطيئا أولا ثم أتاح للسيارة الانطلاق بكل سرعتها فخفّ وقع هوسة السودان وتضاءل:” شلون تغمض يا ستر الديرة”.
****
غفا سيّد محمد، نام برغم عجز الإزار عن صدّ قسوة التابوت عن خدّه وأذنه. وحلم في إغفاءة الفاجعة بأبيه حيّا وقد عفا عنه زلّته باختيار الغناء ومجون بغداد، واحتضنه بقوّة، وشمّه من نحره وقبّله من جبينه. حين فتح السيّد عينيه على إثر طسّة في الطريق تبدّد حلمه، وشعر أنه لا يستطيع التنفس ملء رئتيه في حضرة تابوت والده، ولا يستطيع الالتفات. لا يمكنه التفكير إلا بما يستدرجه الموت وما ينصبه من فخاخ لئيمة. بدت له الأماني شيئا تافها ونافلاً ولا معنى لها مع احتضان تابوت، لاسيما حين يكون معتليا قمارة سيارة وفي الهواء الطلق. بدا له التابوت كأنه يختزل السماء ويدنيها ويجعلها بمتناول الثغيب لترهف سمعها. ما أروع أن يثغب الآن ووجهه إلى السماء في الوقت الذي تقبض كفاه على تابوت. حدس أن أباه يسمعه بعد أن بدت نجوم الظهر واضحة لعينيه..

لقد مات الأب، وفي هذا إقرار قدريّ مريب أن ما مرّ من زمنٍ لن يشبه القادم، زمن تتصدره المسؤوليات الجسام التي لايناسب رداؤها الواسع جسده. أما وقد مات الأب وهو ناقم عليه فهذا يعني إيذان بالعضّ على الأصابع لغرض إخراج الدم الفاسد. سيكون الندم حجامة بعد أن يبضّع الحزنُ ظهرَ القلب وشغافه. موت الأب يعطبُ الأحلام ويكثّف المرارة اللزجة على اللسان. قد تصبح البحلقة في شهادة وفاة أحدهم أمرا عاديا، لكن وفاة الأب شهادة صريحة بأن سيد محمد قد فارق سعادته، ربما إلى غير رجعة. لن يترك موته معنى للأناقة ورفعة العكال وسموه، وهو دعوة كبيرة لأخذ ما لدى المعدان من حزن حارّ، فهم وحدهم من يتقن فن اللوعة القصيّة.
في موت الأب وصيّة أزلية:” عينك على أخوتك”، أما الوصية بالشقيقات إن كن كثيرات فستكون إعلان حرب على الحياة الهانئة المستقرة، ولا ضمانة في انتصاره فيها.

يغفر موتُ الأب أخطاءَه دائما، هذا إن كانت له أخطاء أصلا، ويضاعف زلّات الابن حتى لو اعتلى قمّارة سيارة. منطق فرضته تراتبية السبق إلى الموت.. فكم من مرة سمع سيد محمد أباه يقول له، والهواء يقلب روجات الشلفة ويهز سعف النخيل القريب بقوة:” تشيل جنازتي بيدك”، وكأنه يقول: لي عليك سلطة سبقك إلى الموت، ليس لأني أبوك، بل لأني سأسبقك إلى الكفن”.

أيقن سيد محمد أنه لن ينام بعد هذه الإغفاءة الطارئة. ولأنه يعرف أن الموت سر كبير، وأن كل ما يليه لا يكشف عنه، لذا لاذ بالصمت وادعاء النوم على تابوت تمنّى أن يرتديه بدلاً من أن يحتضنه.
ما الذي يمكن أن يفعله سيد محمد إزاء احتشاد الاكتئاب الحادّ للروح؟ كيف يمكن أن يخفّف موجة اليأس؟ ما الذي يمكن أن يردّ به على الزلزال الذي بدأ من مضيف سيّد كاظم على الشلفة قبل عقودٍ حين خُيّر بين الغناء والسيوديّة فاختار الغناء، وها هي موجاته الارتدادية تنتهي به لاحتضان تابوت أبيه على قمّارة سيارة؟ فلم يجد غير أن يزيد استعار روحه كي يحس بالمواجهة بشجاعة اليائس.

بأي لغة يمكن أن يتحدّث مَن يحتضن تابوتا؟ لا شكّ أنها غير اللغة التي يسمعها من الآخرين أو يتحدث بها إليهم. هذا ما يفسّر إصرار سيّد محمد على عدم الرد على من كانوا ينادونه بأن ينزل، فأسكتهم، ولكن بطريقة مباغتة حين غنّى! نعم، غنّى. صدح وعينيه في السماء:

يا حادي روّعت كلبي بلحداي… يخايب لفني وياهم بلحداي… يظل طول العمر ونّي بلحداي… ولا تخمد النار السرت بيه.. غنّى على صدى إيقاع نائح موهوم ينبعث من التابوت. غنّى من علو القمارة المشرفة على فجيعته العالية التي منحته كل ما لدى الملائكة من قدرة على الانتحاب على الإنسان ومصيره الأرعن. غنّى ليوقف زحف التناقض الناشز غير المحتمل بين الهرم المباغت الذي شعر به فجأة وبين هفو قلبه لحرية اللعب بعيدا عن تجهم المسؤوليات وقريبا من حضن أمه العلوية زهرة النوري. غنّى وهو يعرف أنه يوجز نفسه ويهيئها لمهمّة شاقّة قادمة.
صدّق الجنّازة غناءه واستساغوه مع ما بهم من حيرة بين رفضه وقبوله، والاعتراض عليه والتسليم له. فقابلوه بثغيب جديد ساخن تناثر من شبابيك السيارة المسرعة نحو وادي السلام..

قالوا له، توسّلوا به: ( بسّك سيّد موّتتنا).