هجّرتهم السلطات وشكّكت بوطنيتهم.. مبدعون ماتوا كمداً على العراق

93

عادل مكي /

عند قيام ثورة جمال عبد الناصر عام 1952 التي أطاحت بالملك فاروق وأسقطت الملكية المصرية، أوقفت أغاني أم كلثوم ومُنعت من البث،فقد كانت مطربة محسوبة على السلطة ومقربة من الملك الذي أهداها -يوماً ما- وساماً خاصاً يمنح للأميرات فقط. وحين علم جمال عبد الناصر بذلك الأمر أصدر قراره بإعادة بث أغانيها قائلاً :(دي مطربة مصر) التي غنت للجنود المحاصرين قبل الثورة. وحتى بعد موت عبد الناصر والسادات ورحيل مبارك لم تقتلع جذور أي مبدع، بل إن المصريين يعدون المبدع ملكاً للشعب وليس ملكاً للحاكم أو السلطان.
في حين أن السلطات البعثية تعاملت مع المبدعين على مسطرة الآيدلوجية، لا على بوصلة الإبداع، لهذا تعرض المبدعون في العراق إلى القتل والتنكيل والتهجير.
ويمكننا أن نتحدث عن قامتين كبيرتين جرى إخضاع إبداعهما على تلك المسطرة التعسفية، هما الشاعر المحدث
سيف الدين ولائي، مجدد النص الغنائي بأشكاله المتعددة، والملحن الظاهرة صالح الكويتي، اللذين تم إبعادهما قسراً، ولم تشفع لهما موهبتيهما المتفردتين كما شفعت لأم كلثوم .

العراق والموسيقى..
عرف العراق -عبر تاريخة الطويل- حركات موسيقية رائدة، عربية وعالمية، فقد كان أرض الابتكارات والخلق، ويؤكد المؤرخون أن الموسيقى في سومر هي أولى ركائز الموسيقى في العالم، لأنها كانت وليدة المعابد الدينية وجزءاً من طقوس الزراعة ودفن الموتى لكنها ازدهرت أكثر في عصر حمورابي، حين بلغت ذروة التطور، فبرز عدد من الموسيقيين بمستوى عال لايقلون عن الأطباء والمفكرين ورجالات العلم في الفلك والكيمياء..
لقد شهد الغناء في العراق مراحل متعددة من التطور عبر الحقب التاريخية، إذ أنه شهد الكثير من الحروب والمعارك والغزوات، فكان الغناء هو الصوت المعبّر عن هموم المواطن العراقي، فاتسمت الأغنية بالشجن والحزن الدفين الذي أصبح سمة ميزتها عن باقي البلدان المجاورة.
المحدث الأول
في الواقع ان الأغنية البغدادية لم تعمر طويلاً عبر الأزمان، لأنها انحدرت من البستات والردات، التي كان قراء المقام يختمون بها مقاماتهم، الأمر الذي أسهم في صناعتها، فكان الشاعر سيف الدين ولائي المحدّث الأول للنص الغنائي. ولد ولائي في منطقة الكاظمية المقدسة لأبوين عراقيين سنة 1915، كان والده يعمل إسكافياً، ولقب بولائي نظراً لحبه وولائه للشعر، ولأنه كان يتأتئ في حديثة، وبسبب تلك التأتأه لقبته المطربة اللبنانية نزهة يونس بـ (الشاعر الاخرس).
كان سيف الدين شاعراً صادقاً يكتب مايمليه عليه وجدانه، فوضع أسس النص الغنائي من مذهب وثلاث كوبليهات بوحدة موضوع سلسلة الفكرة والمضمون، سهلة الحفظ والنطق، إذ كانت الأغنية البغدادية فقيرة المضمون والمعنى، لكنه بفراسته وشاعريته الفذتين، جعل من النص الغنائي نصاً يعتد به، مكتوباً بطريقة مموسقة سهلة التلحين والأداء، فهو صاحب الأغاني الذهبية مثل: (عروسة والحبايب زافيها)، (غريبة من بعد عينج ييمه)، (سمر سمر)، (جيرانكم يهل الدار)، (ميكفي دمع العين)، (ادير العين ماعندي حبايب).. والعشرات من الأغاني التي تحتفظ بها الذائقة العراقية.
لم ينضم سيف الدين ولائي إلى موجة الشعراء الذين يمجدون الطاغية في النظام البائد، وكان هذا سبباً كافياً لكي تحاك ضده قصة أصوله غير العراقية، فجرى تسفيره وعائلته يوم 11/5/1980 إلى مندلي، ومن ثم إلى طهران بعد أن وضع في خيمة على الحدود، ثم قيل له في وزارة الخارجية الإيرانية إنك عربي الأصل وعراقي أباً عن جد، بعد أن ثبت لهم أنه ليس إيرانيياً، لذا رحلته إيران إلى سورية، حيث سكن في حي السيدة زينب الى أن توفاة الله بعد أن عاش مرارة الغربة والحنين إلى العراق ومات بحسرة وألم في عام 1984ودفن هناك.

الأغاني الذهبية
شهد عقد السبعينيات من القرن الماضي تطوراً ملحوظاً في الأغنية العراقية ونقلها من أطوارها الريفية والمقام الى الغناء الحديث. غير أن الكثير من (البغادّة) المتزمتين يرون أن الأغنية السبعينية كانت مؤامرة على الأغنية البغدادية، برهنت بالدليل على زحف اللون الريفي إليها بعدما كانت تحتل الصدارة عند المطربين العرب أمثال أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، اللذين زارا بغداد واطلعا علئ أساليبها وألوانها عن كثب، متمثلة بأصوات ناظم الغزالي، ورضا علي، وعباس جميل، بعد أن وضع الأسس الحقيقية لها الملحن صالح الكويتي، الذي سمي بـ (أبي الموسيقي العراقية)، ولأن المجتمع البغدادي كان متنوع الثقافات، كانت الريادة لليهود في أداء المقام العراقي باحترافية عالية وبأصول حقيقية، فقد نقلوه إلى مناطق الأعظمية وباب الشيخ، حين قام صالح الكويتي هو وأخوه داود الكويتي -اللذين قدما من الكويت- بإنجاز مئات الألحان والأغاني.
كان صالح الكويتي ماهراً بالعزف على الكمان، وأخوه داود بالعزف على آلة العود، وعند زيارة عبد الوهاب الى بغداد، أعجب بصالح وأخيه وبالألحان والأنغام العراقية، إذ قام بتدوين ونقل نغم اللامي على النوته الموسيقية، أما أم كلثوم، فقد أعجبها لحن (كلبك صخر جلمود ماحن عليه) الذي لحنه صالح الكويتي، وقد قامت بغنائه في أكثر من مناسبة.

الإذاعة العراقية..
حين أسست الحكومة العراقية عام 1936 أناطت مهمة تشكيل فرقة موسيقية للإذاعة إلى صالح الكويتي، الذي قدم ألحاناً عراقية كثيرة تميزت بالروعة والإتقان والجمال والانسيابية العالية، فقد غنت معظم ألحانه: سليمة مراد وزكية جورج ومنيرة الهوزوز وسلطانة يوسف وعفيفة اسكندر ونرجس شوقي وزهور حسين، كما وضع الجمل الموسيقية لأغاني داخل حسن وحضيري أبو عزيز.
وفي عام 1951-وبحكم الأحداث التي نشأت بين العرب وإسرائيل، وصدور قانون إسقاط الجنسية- هُجر صالح الكويتي وأخوه داود قسراً من العراق إلى إسرائيل فيما قلباهما يشتعلان لوعة وحرقة دامية لايمكن وصفها أبداً تاركين تلك البقعة التي أحباها وأخلصا لها.. إلى بلاد ليست لهما فيها أية معرفة، لقد عاشا مرارة الغربة القاتلة وكانا يشدهما الحنين إلى تلك السنوات التي عاشاها هنا بين الأحبة ومن أحبوهما.
توفي صالح الكويتي سنة 1986 كمداً وشوقاً وحنيناً، وعيناه ترنوان إلى وطنه، وظلت أغنياته وألحانه خالدة تردد حتى يومنا هذا: “هكذا يموت المبدعون بعيداً عن أوطانهم التي أفنوا أعمارهم فيها بالعمل والإبداع”، إنه لمن المحزن أن تطارد السلطات مبدعينا، فنحن أمه طاردة لمبدعي الوطن، ولا تقدر رموزه.
وعلى أية حال.. سيظل صالح الكويتي وأخوه داود علامتين فارقتين في خارطة الأغنية العراقية.. بلا منازع.