هل فشلت الدراما العراقية في صناعة النجوم؟

346

رضا المحمداوي/

كثيراً ما يتردد، في أحاديث وحوارات الفنانين العراقيين، وفي اللقاءات والبرامج التلفزيونية خاصة، أن ليست لدينا (صناعة نجوم). وسواء أكانوا يدركون ما يقولون، أمْ يطلقون الكلام على عواهنه.
إذا سألنا أولئك الفنانين: ما المقصود بـ ( صناعة النجوم)؟ فإن الجواب سيأتي في إطار المفهوم العام الواسع والعريض دون تحديد يُذكر على وجه الدقة والتشخيص:
هل بوسعنا في العراق تقديم (نجم) عراقي على غرار ما تقدُّمهُ صناعة النجوم الأميركية من أسماء فنية كبيرة في هوليوود على وجه الخصوص؟ حيث تتحكّمُ شركات الإنتاج السينمائي العالمية الكبرى بـ (تصنيع) النجم الأميركي وتقديمه، ليس في أميركا لوحدها، بل لملايين المشاهدين في أنحاء العالم كافة؟
سباق محموم
لقد عَملتْ شركات الإنتاج السينمائي الأميركية، منذ أن أسسَّتْ نظام الممثلين النجوم، خلال عقد العشرينيات من القرن الماضي، في إطار المنافسة والسباق المحموم الذي تفرضهُ طبيعة النظام الرأسمالي .. عَملتْ تلك الشركاتْ، وبشتى الوسائل والسُبل، من أجل جذب الجمهور بمختلف شرائحهِ وميولهِ لاصطياد أكبر عدد من المشاهدين، الذين سيصبحون –لاحقاً- ومن خلال التزاحم والوقوف في طوابير شباك التذاكر، الى مُموّلين لذلك الفيلم الذي أنتجتهُ الشركة المُنفِّذة، ومن هذا السياق الذي جرى اعتمادهُ على مدى سنوات طوال اشتقَ، أو توّلدَ مفهوم (شباك التذاكر) للدلالة على النجاح التجاري للفيلم وللشركة وتحقيقها الأرباح بواسطة ذلك النجم.. فهو إذن نجم شباك التذاكر.
التجربة المصرية
تُمثّل التجربة الفنية المصرية، في السينما والدراما التلفزيونية بشكل خاص، وفي اعتمادها على نظام النجوم، أقرب التجارب العربية للقياس على نجاحها، وتميزَّها، وخصوصيتها، وتواصلها على مدى عقود طوال، وعلى تعاقب أجيال عديدة من النجوم والممثلين، إذ كانت السينما المصرية بأفلامها وتاريخها الطويل قد رسّختْ هذا النظام وقدَّمتْ الكثير من النماذج والأسماء والوجوه التي ثبَتَتْ ملامحها ومواصفاتها في عيون وعقول المشاهدين.
وفي مرحلة زمنية لاحقة، ولأسباب متعددة، جرى انتقال عدد كبير من نجوم السينما المصرية الى الدراما التلفزيونية، وأصبحتْ أسماء ووجوه أولئك النجوم السينمائيين المعروفين مكسباً درامياً تلفزيونياً لغرض تسويق تلك الأعمال الدرامية الى القنوات الفضائية المصرية، داخل مصر أولاً، وبعدها الى القنوات الفضائية العربية وأسواقها الكثيرة المفتوحة. وفي النتيجة النهائية أصبح النجم السينمائي والتلفزيوني هو حصان الرهان الذي تعوّل عليه شركات الإنتاج الدرامي في بيع وتوزيع وتسويق أعمالها الدرامية.
مثل هذا الوضع شجَّعَ وحفَّزَ الكثير من أولئك النجوم على رفع أجورهم الفنية في المسلسل الواحد، وهم بذلك يصيدون أكثر من عصفور بحجر واحد، فهم يضمنون بقاء أسمائهم في المراتب الأولى من قائمة الوجوه المطلوبة دائماً، إضافةً الى أنَّ هذا الوضع الفني ومردوده المالي يدفعان الفنان-النجم إلى الإقلال من أعمالهِ، والانتقاء والدقة في اختيار تلك الأعمال، واقتصار جهده على مسلسل درامي واحد في الموسم الفني، الذي عادةً ما يكون في شهر رمضان، وبذلك يُحّققُّ الفنان- النجم المعادلة المتوازنة بين التفرغ لعملهِ الفني وعدم تكرار ظهوره في أكثر من عمل فني، وكذلك ضمان الاجور العالية، حتى أصبحتْ أجور أولئك النجوم تأخذ ما يقرب من نصف الميزانية الانتاجية للمسلسل الواحد.
نظام فني
لا بُدَّ من الـتأكيد هنا على أن (نظام النجوم) هو نظام فني عالمي، ويكاد جانبه الاحترافي يكمن في امتلاك النجمين، السينمائي والتلفزيوني، لمواصفات ومقومات فنية خاصة تؤهلهما ليكونا العنصرين المهمين في العملية التجارية لتسويق وتوزيع (السلعة) الفنية، فقد تحوّلتْ الأعمال الدرامية، بما تنطوي عليه من أفكار ورؤى ورسائل وتصورات -ووفقاً لمقتضيات العمل داخل ذلك النظام واشتراطاته الفنية- الى سلعة فنية في سوق البيع والتسويق التجاري بمعناه الاقتصادي، حيث مقاييس الربح والخسارة والمردود المالي، ولاسيما بعد تأسيس العديد من الشركات والمؤسسات والقنوات الفضائية والمهرجانات والأسواق، حيث يجري عقد الاتفاقيات الخاصة والصفقات الفنية التجارية في ظل سيادة القانون الرئيس للسوق وهو: قانون العرض والطلب، من هنا باتتْ السلعة الدرامية خاضعة ً للتفاوض والمساومة.
نجومٌ .. خارج شباك التذاكر..!!
أمّا في العراق، فلَمْ يَعرفْ الوسط الفني لدينا نظام النجوم، لا في السينما العراقية ولا في الدراما التلفزيونية، ولم تخضع عملية إنتاج الأعمال الدرامية الى أسس ومنطلقات مفهوم (النجومية) الفنية بالمعنى الاحترافي للكلمة، مثلما لم نعرف مفهوم (شباك التذاكر) في حياتنا الفنية.
وفي ظل انعدام السوق الدرامية العراقية -بالمعنى التجاري لعمليات بيع وشراء الاعمال- لمْ يبقَ لدينا في عملية إنتاج الاعمال الدرامية من قبل القنوات الفضائية سوى (الترويج) لبعض الأسماء، ولاسيما فناني الأعمال الفكاهية والبرامج الدرامية الخفيفة (ولا أقول الأعمال الدرامية الكوميدية)، إذ جرى اعتبار هؤلاء الفنانين أوراقاً رابحة ووجوهاً مرغوبة ومطلوبة على شاشات القنوات الفضائية العراقية.
ونتيجة لتكرار سيادة النمط الفكاهي الواحد في عدد من تلك القنوات، فقد تكرّرَ ظهور أولئك الفنانين في تلك القنوات، وأصبحوا فنانين نمطيين بامتياز خاص، إذ عَمَدوا وعَمَلوا على تكرار وإعادة إنتاج شخصياتهم الفنية، حتى كأنَّ إحدى هذه الشخصيات تقدّمُ نسخةً طبق الأصل عن الشخصية السابقة التي سَبقَ أنْ قدَّمها الفنان في عمل تلفزيوني سابق. وهكذا يُعادُ تَداول وتدوير ذات الممثل بنفس الشخصية بين القنوات التي عُرِفَتْ بإنتاجها لهذا النوع الفني، والحصيلة النهائية أنَّ ما تراهُ لمُمثّل فكاهي بشخصية مُعيّنة على شاشة هذه القناة، ستراه في وقت لاحق مُعاداً ومكرراً على قناة أخرى دون جديد يذكر ؟!