واقعة الطفّ والسينما

164

حسن كاظم /

لا تضطلع السينما بمهمة توثيقية صارمة في مواجهة التاريخ المضني. لكن أحداثاً بعينها وشخصيات غير قابلة للتخطي، تفرض تعاطياً استثنائياً مع ثقل الحدث والشخصيات. واقعة طف كربلاء بحسينها السبط، وشهدائها الذين محضوا العطاء، كانت حدثاً تلعثمت السينما والدراما في التعامل معه، ربما لسمو المهمة أو لمحنة القضية وثورتها الدائمة.

محنة النص
يرزح النص المزمع كتابته عن واقعة كربلاء تحت محنة مزدوجة في أفضل التقديرات. محنة هيمنة الواقعة التاريخية على النص نفسه وتفوّقها على أي تناول أدبي مقترح وهذا أول ما سيواجه السيناريست ناهيك عن التناول الإخراجي الذي يواجه صعوبات جمة في زاوية التناول والرؤى التي قد يضفيها المخرج أو يتصرف فيها ضمن إطار صارم لواقعة فادحة مكتملة الأركان. هذه المحنة الإجرائية لا تختلف في المقابل عن محنة تناول قضية سوف تلامس منظومات سياسية ودينية وتصورات تاريخية لشخصيات وقرائن حرص كثيرون على تعميتها أو إخفائها وفي أفضل الظروف تخفيف نبرتها وإحالتها الى الله يوم القيامة تحت شعار “تلك أمة قد خلت”.
وبالعودة الى النص الأدبي – سوف يضمن إخفاقه مسبقاً أي نصّ يراهن على تناول فاجعة الحسين تناولاً تاريخياً مجرداً دون إشراك المنظومة الروحية والسياسية والأخلاقية التي ترفد القصة بثقلها وواقعها وعناصرها الدرامية الفاعلة.
وهنا تكمن محنة النص المؤجل، فلا أحد كان يرغب في إعادة النظر في التاريخ والشخصيات – كما فعلت ثورة الحسين نفسها – في أيام السينما المعاصرة، فهذا يضعضع التعليم والعروش وكثيراً من القناعات والصور المثالية للذهنيات المذعنة.

محنة الإنتاج
لا يمكن إنتاج عمل سينمائي أو درامي في أي مكان من العالم إلا ضمن مبدأين أساسيين في الغالب، الأول تجاري ربحي والثاني آيديولوجي. فالميزانية المالية المكلفة للغاية التي يتطلبها إنتاج عمل بهذا الثقل لا يمكن لغير مؤسسات ربحية أو مؤسسات دولة أن تتكفل بنفقاتها. وبما أن واقعة كربلاء على عظمتها وفداحتها هي قضية إشكالية من الناحية التسويقية لتعارضها مع كثير من السياسات القديمة والحديثة، ولعدم تصدي أي مؤسسة لها على مدى عقود، بقيت مركونة لأنها حدث سوف يثير جدلاً واسعاً ومضاداً أو ثورياً في غالب البلدان الرازحة تحت التعسف والظلم. نحن نتذكر المحاولات الصعبة التي انتهت بالمنع ولم تخرج الى النور الا بشق الأنفس أمثال الأعمال المسرحية للشرقاوي في مصر على سبيل المثال لا الحصر. لقد بقي الأمر على هذه الحال حتى انبرت المؤسسات الإيرانية كما هو معروف اليوم بشكل كبير لتوظيف قضية الحسين سينمائياً ودرامياً بنحو شبه تفصيلي في العقدين الأخيرين، وبرزت عبر هذا الاتجاه الإنتاجي الهائل جيوش من الكتاب والممثلين ونخب من الفنيين والمخرجين لتفاجئ العالم لا بالقضية الحسينية بصراحتها التاريخية المغيبة الصادمة حسب، بل بالقدرات الفنية واللوجستية للإنتاج التلفزيوني والسينمائي في الجمهورية الإسلامية.

محنة المسكوت عنه
دأبت قنواتنا التلفازية في المناسبات الدينية على عرض فيلم الرسالة كنسخة لا يملها المشاهد العراقي لسنوات عدة من التكرار. كأن هذا نوع من التسوية الفكرية وعدم الإتيان على أي تفصيل لاحق من شأنه أن يصور التاريخ اللاحق الدموي لحقبة ما بعد الدعوة الإسلامية الأولى المنتصرة والمنسجمة مع طبيعة التعبئة السياسية لمختلف الأنظمة الإدارية ذات الفلسفات المهادنة للتصور التاريخي. ولم يكن مسموحاً على مستوى التداول الحواري والتعليمي والدرامي التطرق الى مناسبة الثورة الحسينية بوصفها ثيمة تثير “فتنة” مسكوت عنها ومحنة مجتمعية تنال من رموز الأمة المثالية. محنة الحسين في عصره وقد اقتيد أهل بيته سبايا – كخوارج – في أصقاع الشام والعراق لم تنته على ما يبدو عند حدود عصره، فقد امتدت مخاوف الأمراء والسلاطين والحكام لقرون ماضية ولسنوات معاصرة من إعادة مناقشة الحسين ثائراً وما قد يوقظ ذلك النقاش صورياً أو درامياً أو أدبياً من فهم وعي الثورة وإعادة الحديث في الكثير الفادح من المسكوت عنه. إنه حدث كتبت له النفوس العاشقة للحرية أن يكون ذكرى مستعادة في حلقات سرية ضيقة أو مسيرات مليونية ثائرة أو مبادئ يتمثلها كثير من الشجعان بصمت لا يقل فعلاً وأثراً من الحناجر الصادحة بالأناشيد والمراثي.