Poms

371

مقداد عبد الرضا /

هلا سينما

هناك فرق كبير بين ردود الشخصية العربية والعالمية إزاء الموت, العربي ما إن يصاب ينزوي بعيداً ينتظر المصير المحتوم, يموت مثل سمكة مفزوعة, لكن تجد الشخصية العالمية تصر على البقاء والعمل حتى لحظاتها الأخيرة. لقد شاهدت الكثير من الأفلام السينمائية التي تجسد هذا الأمر, لكني أتوقف أمام إصرار المخرج جون هيوستن على البقاء, ففي أيامه الأخيرة كان يحمل معه كيساً معلقاً بالقرب من كليته يستقبل السائل الخارج منه، وفي الأثناء يوجه التعليمات في فيلمه الأخير الذي كان يحمل عنوان (الموت), إصرار عجيب.
(بومس) تعني تلك الشرائط الذهبية التي تعلق في الأيدي أثناء الاستعراضات او الرقص، وسوف نراها كثيراً في هذا الفيلم. يقول كيركيغارد (آه ياروحي لاتطمحي في الخلود, ولكن عيشي الممكن)، بعدها جاء الكاتب ألبير كامو وطور هذه الجملة وأخذها الى مداها القصي(آه ياروحي لاتطمحي في الخلود ولكن استنفدي حدود الممكن), أن تذهب بعيداً عن هذه الحياة وأنت تعيش وسطها, أن تترك للآخرين مايمتعهم ومايعلمهم وما يدفع بهم الى استنفاد أقصى طاقاتهم لفائدة الآخر, الآخر الذي يشعر في الوقت نفسه كم من الضروري والحاجة الى التآلف الذي يخلق نهر المناعة والمحافظة على الكيان الإنساني.
لذا نجد أن الوحدة الإنسانية بيني وبين الآخر تشبه حربة دفاع ضد الاستلاب الطبيعي ضد الموت, مارتا جاءت الى منبع الشمس لتموت بسبب إصابتها بمرض السرطان, (ماذا جئت تفعلين هنا؟ جئت هنا لأموت). هناك تساؤلات جمّة تدفع بالإنسان لاتخاذ مواقف غريبة غامضة, من طلب منا مثلا المجيء الى هذه الدنيا الغريبة؟ البؤس, الحب؟ أتواطأ مع نفسي ضد نفسي, هل هذا صحيح؟ أجل وكلا, أجل, ذلك أنني لا أملك القدرة على تدمير الموت, الخوف, الوحشة والفزع والاغتراب, فماذا علىّ أن أفعل كي أحس أنني أعيش حياة معينة أخلق لنفسي وحياتي معنى؟ وكلا، ذلك أنني حتى في أصفى حالاتي النفسية فإنني أظل وحيداً وحزيناً, فما الذي يتوجب عليّ أن أفعله؟ هنا يضيء الحب الإنساني أروقة العذاب، ويحيل الصمت الى بهجة والوحشة الى ارتباط, ومن ثم تأخذ الحكمة معنى، والحياة معنى، والموت يندحض ولو بشكل نسبي, بحدود رابطة الحب, الآخر, كل شيء يجب أن يذهب وينمحي ويزول, لابد من الإزاحة تخلصاً من الأورام, إزاحة الأشياء المتراكمة, السنوات التي تثقل الكاهل الضنين, تراكم الأشياء اليومية على مدى أربعين يوماً, مجموعة هدايا وتحف بسيطة تتخلص منها مارتا(دايان كيتن)، تلغي مواعيدها وتذهب الى العلاج او الموت في منتجع منبع الشمس, اللافتة مرحبة تقول (وقت حياتك لبقية حياتك), هنا حياة أخرى يتحول الحزن فيها الى بهجة ومودة وتعاون, عربات صغيرة للنقل, الطلب بالانضمام الى أنشطة النادي المتعددة والمختلفة, رئيسة النادي تبدو للوهلة الأولى أنها حميمة ذو قلب طيب, لكننا في النهاية وبعد إصرار النسوة على تقديم عروضهن مرة أخرى بعد الفشل الذي أصابهن في المرة الأولى نتيجة نقص في التدريب والمهارة، نراها وقد تحولت الى رافضة لكل ما يقمن به من محاولات, هذه إشارة لتأجيج الصراع ليس إلا, هناك الشرطي الذي يحمي النادي من الآخرين والسيدة المسنّة التي تحول بإشارة من إصبعها الى قبول او رفض, وتبدأ الحياة, يبدأ الصراع, في هذا الجو الصاخب والملون تقام الصداقات, مارتا ليست لديها أية رغبة في إقامة علاقات، فهي كما أعلنت جاءت الى هنا لتموت, لكن هل سيسمح لها بالانكفاء والعيش بعيداً عن سجل حياتها الذي سيبقى يذكر بها؟ قطعاً لا, تقتحم الجارة شيريل (جاكي ويفر) بأداء مذهل فاق الجميع, إنها تذكرني شخصياً بأداء جوليتا ماسينا زوجة المخرج فلليني. مارتا تتضايق من الحفلة الصاخبة التي تقام بالقرب من منزلها, تذهب للشكوى عند الحارس الأمني للنادي (بروس ماكغيل), لكن شيريل بفضولها الرائع والحميم تقتحم منزل مارتا وتصر على الحياة والخروج من تلك الوحدة, شيئاً فشيئاً تنصاع مارتا لحياة شيريل, تأتي الفكرة بتشكيل فريق استعراضي من مجموعة من العجائز اللواتي يعشن هنا, دحر الموت ولو بشكل نسبي, الفريق ليس لمتعة الآخرين على الإطلاق, بل لمتعة الروح التي تتوق الى البقاء بعد أن تغادر الجسد بعيداً وهذا ماسيحصل في النهاية. لكن هناك البعض من العقبات، فالزوج المهووس بلعبة الكولف يرفض السماح لزوجته بالمشاركة لكنه، ويالحسن الحظ، يموت فجاة. تبدأ التمارين البسيطة وبعدها بأيام تقام المسابقة ويمنى الفريق بكارثة تجعل الفتيات الشابات يستغرقن في ضحك متواصل, لكن هل سيعطل هذا الفشل إصرارهن؟ أبداً, يقترحن على الشابة السمراء كلوي (الشيا بو) والتي تجيد الرقص بشكل أخاذ أن تشرف على تدريبهن, بين الرفض والقبول تبدأ التمارين مرة أخرى بشكل سري لاتعرف به المشرفة على النادي, يتحول كل شيء الى بهجة وحبور وإصرار,عند شيريل ليس هناك موت على الرغم من بعض الفترات الى نراها عند مارتا بقرب نهايتها, النسوة يحصلن على الكثير من أدوات الاستعراض ومنها الـ(poms) الملون بلون ذهبي يحملنه بأيديهن بالكثير من البهجة والسرور, تكتشف مديرة النادي الفعالية التي يقوم بها فريق النسوة المسنّات وتبدأ المطاردة بين حضور النسوة الى الاستعراض الكبير. وبين رفض المديرة ينحاز الشرطي حارس المكان الى فريق النسوة ويحضر الاستعراض وكذلك تفعل السيدة القانونية, وبقلق وتوتر يبدأ العرض, الكل خائف, لكن الحياة تصر على التألق والبقاء, الجو مشحون, يقدم العرض وسط الحبور الكبير والقبول من الجمهور الذي حضر العرض وسط دهشة الجميع, هن النسوة القريبات من الموت يرفضن الموت.
مارتا ترحل بعيداً بجسدها لكنها تظل تمنح البهجة والإصرار لبقية النسوة اللواتي وجدن معنى لحياتهن, هن الآن يقدمن عروضهن الرائعة ذكرى لحياة مارتا, جميعهن يتذكرن مارتا, هاهي الآن تستعرض معهن في كل عروضهن المقبلة على الرغم من غيابها, إنه فيلم يشع بالحياة وتمجيد الإنسان, الإنسان المستنير.
شكراً كبيرة للسيدة نرمين المفتي التي نبهتني الى هذا الفيلم المتفائل.