أهلًا شهر الله.. بقاؤك بالبيت في رمضان طاعة وسلامة

211

#خليك_بالبيت

هيئة التحرير/

في كل رمضان مضى، كان ملف المجلة للترحيب به ميدانياً بمعنى الذهاب إلى الأسواق، في بغداد والمحافظات، لاستطلاع توفر المواد وأسعارها، وإلى البيوت والحديث مع ربات البيوت اللواتي يستقبلن رمضان الكريم بزينة خاصة من أضوية وأوراق ملونة، كلها على شكل هلال رمضان يعلقنها على الأبواب وأشجار الحدائق تعبيراً عن استعداداتهن لهذا الشهر الفضيل الذي يجمع أفراد العائلة كافة على الإفطار، وتكثر فيه مآدب الأقرباء والأصدقاء.. ولكن مع إجراءات وقائية لابد منها لمواجهة جائحة كورونا يختلف الملف، ليس بمواده، إنما بطريقة العمل التي اعتمد في غالبيتها على وسائل التواصل الاجتماعي لإجراء اللقاءات والحوارات، واعتمد الجزء الخاص برمضان في الحضارات والأديان ودلالات الصيام على الإعداد ونفذته ثلاث محررات..
في رمضاننا الكريم الحالي سنبقى في بيوتنا ولا توجد مآدب، ليس لأجل صحتنا فقط، إنما لأجل صحة الجميع، كونوا بخير وكل عام وأنتم طيبون وسالمون ورمضان كريم على الجميع، وعلينا أن لا ننسى أصحاب الدخل المحدود والمتعففين في رمضان.. شهر الخير.

كتبت فكرة الطائي:
رمضان في ظروف مختلفة
أوقفتُ استعداداتي لشهر رمضان الكريم هذا العام، فالحظر مازال قائماً، ولابد من التزام التعليمات، ففيها الوقاية من فايروس كورونا الذي يتربص بنا أمام بيوتنا وفي الطرقات والأسواق والمحال ووسائل النقل العامة. “خليك في البيت” ليس شعاراً لفظياً وإنما أصبح تعويذة الخلاص من شر هذا الوباء، ولكن بعد أكثر من شهر من المكوث في البيت، نستعد لاستقبال شهر البركة والخيرات مع الأمة الإسلامية جمعاء في مشارق الأرض ومغاربها وهي تعيش المحنة العالمية نفسها.
البيت جنتنا
فهو ملاذنا وخلاصنا من الوباء ومكان عباداتنا وأداء الفروض المطلوبة منا، في البيت نجتمع على مائدة الإفطار والسحور أيضاً، وفي المطبخ حركة دائمة لإعداد وجبات الإفطار، إلا أننا في هذا العام بالذات نستقبل رمضان بظرف مختلف كلياً، إذ نلتزم تعليمات التباعد الاجتماعي مرغمين لحماية أنفسنا وعائلاتنا وأحبائنا ووطننا بصورة أشمل، وننظر بحب وتسامح وتعاون إلى ما حولنا، فهذا شهر المحبة والطاعة والغفران.
في هذه الأيام من كل عام نرى الأسواق العامة والمحال تعجّ بالمتبضعين للتزود باحتياجات رمضان من المواد الغذائية، وفي كل عام تزيد تلك البضائع عن حاجتنا الحقيقية في هذا الشهر، نعد أكلات مختلفة قبل الفطور، ناهيك عن العصائر والشرابت المختلفة، إلا أن إيقاع رمضان هذا العام يختلف، والسؤال الآن هو: هل ستختلف عاداتنا وممارستنا اليومية في شهر رمضان أم أننا سنبقى على نسق الأعوام السابقة؟
هذا ما استطلعناه من آراء سيدات عراقيات من مناطق مختلفة عبر الهاتف الخاص أو وسائل التواصل الاجتماعي، فالالتزام بحظر التجوال ليس واجباً شخصياً وإنما هو واجب وطني للحفاظ على صحة المجتمع وسلامته.
نفحات إيمانية
السيدة بروين حميد “موظفة – جامعة الموصل” تقول عن شهر رمضان: إنه شهر تتجلى فيه نفحات الإيمان، ونقاء القلوب، وتهذيب النفوس، والتكافل الاجتماعي، وأنفس الطقوس وأطيبها، هو شهر الطاعة والغفران، الشهر الذي أنزل فيه القرآن وتصدح فيه الجوامع بالتروايح والتهاليل للخالق، فيه يغاث المحتاج، وتتقارب القلوب وتتسامح، له طقوسه المميزة بنكهتها المعطرة بحب الخير والتسارع في تقديمه للمسلمين عامة.
وتضيف: ونحن نتهيأ لاستقبال هذا الشهر الزاخر بعطايا الرحمن وغفرانه نبتهل إلى من أجاده بين أفضل شهور السنة أن يكون هذا العام رفيقاً بنا، حانياً علينا، فقد أغلقت المساجد التي كانت تجمع عباده المؤمنين والداعين لتقبل الطاعات، وتبتهل إلى الله صادحة بالدعاء: اللهم اجعل رمضاننا هذا العام مفتاحاً لإزاحة الوباء، مغلاقاً لكل بلاء، جامعاً العراقيين على كلمة واحدة ويد صلبة في إعادة ترتيب مشهد حياتهم، وبنور إطلالته سيعيدونه أبهى مما كان.
الالتزام واجب
السيد قاسم كاظم “أعمال حرة – كربلاء” يقول: لا يمكن للمسلمين أن يغيروا من عاداتهم في هذا الشهر الفضيل، إذ أنه يتميز بطابعه الروحي الديني، لكن هذا لا يعني تجاوزنا للظرف الخاص الذي يمر به العالم جميعاً، فلابد لنا من الالتزام بالتعليمات التي أقرتها خلية الأزمة لمواجهة وباء كورونا والبقاء في البيوت مع خلق أجواء روحانية وطقوس عبادية واجبة في هذا الشهر الكريم، ولا ننسى خلق أجواء أسرية مسلية في هذا الظرف العصيب الذي يتطلب التباعد الاجتماعي والالتزام بالتماسك الأسري.
ماذا تريد العائلة
وذكرت السيدة أفراح حسين “ربة بيت – بابل” أنها في كل رمضان تفكر كثيراً بما ستعده من طعام للفطور، ماذا تحب من أكلات على مائدة الإفطار، فأغلب أفراد العائلة يكونون مشغولين بأعمالهم خارج البيت وتبقى هي في حيرة من أمرها، أما رمضان هذا العام فإنه كما تقول: سيكون إعداد وجبة الفطور أسهل بكثير مما سبق، فأنا سأتخلص من عناء التفكير بنوعية الأكل وذلك لوجود الجميع في البيت؛ الزوج والأولاد، الذكور والبنات، فهم سوف يفكرون ويعرضون ما يرغبون ويعدون ما يشتهون، ستكون وجبة الإفطار تضامنية، وما عليّ سوى أن أبعد الملل عن حياتهم وأشيع بينهم البسمة والمرح.
رمضان اليوم
أما الحاج باسم رضا “متقاعد- بابل” فيرى: أن ما يمر به العالم اليوم هو منحة إلهية لمراجعة النفس، فإننا نرى العالم منذ انتشار فايروس كورونا يتضرع إلى الخالق الجبار ويرفعون أكفهم إلى السماء متضرعين بالدعاء أن يزيح هذه الغمّة عن البشرية جمعاء، ومع قدوم هذا الشهر الفضيل في هذا العام فإنه يختلف عن الأعوام السابقة، ما يدعونا إلى أن نراجع تفاصيل حياتنا ونقوِّم سلوكيتنا ونؤدي طقوسه وواجباته كاملة ونحن في منازلنا نستغفر ونتعبد.
رمضان.. طعم خاص
وتحدثنا الحاجة أم عباس ” ٦٥سنة – المحمودية” عن رمضان قائلة: كان لشهر رمضان طعم خاص أيام زمان، كنا نعد كل ما يستلزمه هذا الشهر قبل أن يحين موعده من طعام وشراب، إذ نحضر مسبقاً ما لذ وطاب من الشربت الطبيعي “المشمش والعنب والرمان والبرتقال والنومي” وكلها من خيرات الأرض، فتكون المائدة مزدانة بأنواعها المختلفة، فضلاً عن التمر بأنواعه واللبن وتمر الهند، كل هذا الخيرات من بركات الأرض الزاخرة بعطاء الرحمن.
سألتها: وكيف ترين مائدة رمضان اليوم؟
قالت : ما يخص الطعام أصبح أغلبه جاهزاً يجلب من خارج البيت من المطاعم والأسواق الكبيرة، وقد يبلغ التنوع في الأكل على المائدة حد التبذير في الطعام، الأكل المعلّب والجاهز لا نلمس فيه روح سيدة البيت، وصارت الحياة أكثر تباعداً في البيت، إذ أن كل فرد من أفراد العائلة مشغول بهاتفه وبعيد عن “لمّة” العائلة والمشاركة والألفة الأسرية، فقد أختلف الطعم الخاص لرمضان في ذلك الزمان عن هذا الزمان، واستدركت أن غلق المقاهي والمطاعم بسبب حظر التجوال سيعيد في رمضاننا هذا بعض ألفة ذلك الزمان.
طقوس روحانية
وقال السيد جاسم محمد “موظف- بغداد”: تحتم علينا في رمضان هذا العام ومن جراء وباء كورونا عدم الخروج إلى المساجد والتزام البيوت، وأن عدم حضورنا لممارسة الطقوس التي تقام في الجوامع لا يعفينا من أداء تلك الطقوس في بيوتنا، لذلك هيأت الأجواء لأسرتي لنقيم تلك العبادات في البيت.
لا زيارات للأقارب
وأشارت الآنسة جنان علي “موظفة- بغداد” إلى اختلاف رمضان هذا العام عن الأعوام السابقة، إذ قالت: الاختلاف الوحيد من وجهة نظري سيكون في قلة التزاور بين الأهل والأقارب، أو بصورة أدق الالتزام بالتباعد الاجتماعي، ليكون تواصلنا مع أهلنا وأقربائنا عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي للاطمئنان عليهم وسماع أخبارهم والحفاظ على صحتنا وصحتهم بغية تجاوز هذه الأزمة الوبائية.
مسؤوليات مضاعفة
أما السيدة ابتهال محمد “ربة بيت وأم لأربعة أولاد – بغداد” فقد حدثتني عن المسؤوليات المضاعفة التي سوف تترتب على الأم في هذا الظرف المستجد، إذ قالت: سوف تتضاعف المسؤولية في هذا الشهر الكريم في متابعة دراسة الأولاد وحل مشكلاتهم الدراسية في الوضع الجديد -الدراسة عن بعد- وتهيئة كل المستلزمات التي تتطلبها ساعات الجلوس الطويلة للتواصل مع الأساتذة وزملائهم الطلبة، ومراجعة المواد الدراسية معهم بغية حفظها وعدم التهاون في مراجعة المادة المطلوبة، فقد أضافت الدراسة عن بعد أعباءً ومسؤوليات للأم مضافة إلى المسؤوليات البيتية في رمضان أو في الأيام العادية.

كتبت ضحى مجيد:
تقليص ساعات حظر التجوال لأجل رمضان
تميزت طقوس استقبال شهر رمضان في العراق من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه بأمور كثيرة، منها تهيئة مستلزمات هذا الشهر الفضيل، لكن مع وجود جائحة كورونا اختلفت استعدادات الأسرة العراقية وتفاوتت، ولاسيما مع سريان حظر التجوال كإجراء للحد من الإصابات.
فرصة للتبضع
دأبت العوائل على التسوق والتبضع قبل أيام من غرة شهر رمضان الفضيل وأحياناً قبل أسابيع استعداداً لتهيئة موائد الإفطار العراقية التي عادة ما تمتاز بأكلات شهيرة ومميزة. ومع استمرار حظر التجوال وما فيه من إيجابيات للحد من تفشي الفيروس، إلا أنه حال دون مشاهدة الأسواق المزدحمة ، فالمواطن بات يدرك خطورة الزحام في هذه الفترة وما له من انعكاسات سلبية على صحته وعائلته ، لذا اعتمدت العائلات وفي ساعات السماح على تبضع الأساسيات من المواد الغذائية من أقرب مركز تسوق في منطقتها، قد لا تتوفر فيه الاحتياجات كلها لكنها تفي بالغرض. ونشير إلى أن أسعار المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية متباينة من متجر إلى آخر والأسباب ربما معادلة العرض والطلب، لكن قرار الحكومة العراقية ومن خلال خلية الأزمة بالتحول من حظر التجوال الكلي إلى الجزئي، خلال شهر رمضان المبارك، سيوفر الفرصة للتبضع خلال ساعات الصباح وحتى السادسة مساء ما يسهم إلى حد كبير في تلبية الحاجات المنزلية .
في أربيل
غرفة عمليات مكافحة فيروس كورونا في أربيل اتخذت قراراً يطابق تماماً قرار خلية الأزمة في بغداد، إذ وضعت جدولاً لتخفيف حظر التجوال، وأعلنت في (16 نيسان 2020)، تخفيف قيود حظر التجوال بالسماح بافتتاح محال التسوق والأفران ومحال القصابة وبيع الفواكه والخضار من الساعة السادسة صباحاً وحتى السادسة مساءً، مع أخذ الإرشادات الطبية بنظر الاعتبار. كما قررت الغرفة السماح لمحال بيع الحلويات والمكسّرات بالعمل فقط عن طريق التوصيل المنزلي، إلى جانب فتح شركات صيانة السيارات يومي الأحد والأربعاء من كل أسبوع دون أن يشمل ذلك المنطقة الصناعية. وسمحت أيضاً بتنقل سيارات توزيع الغاز على المنازل ومركبات نقل مشتقات الألبان، فضلاً عن فتح المعامل والمشاريع التجارية والاستثمارية والصناعية بشرط عدم وجود أي تجمع خلال العمل، وسمحت بتنقل مركبات نقل الأدوية من المستودعات إلى الصيدليات ونقل المواد الغذائية والمنظفات إلى محال التسوق، كما خولت وزارة الداخلية في الإقليم، المحافظين ومسؤولي الإدارات المستقلة، صلاحية السماح بفتح المواقع الخدمية الضرورية للمواطنين من الساعة 12 ليلاً وحتى السادسة صباحاً، ولاسيما في القطاع الزراعي بالتزامن مع موسم حصاد المحاصيل الزراعية، على أن يبقى التنقل بين المحافظات والإدارات المستقلة محظوراً بكل الأشكال، فيما يتطلب التنقل داخل المحافظات وبينها الحصول على الترخيص بموجب النظام الإلكتروني من خلال موقع وزارة الداخلية في الحالات الضرورية وعبر التعليمات الصادرة .
صنع في البيت
رغم السماح للمطاعم ومحال الحلويات للعمل عن طريق الإيصال (ديلفري) فقط ، يبدو أن شعار ربات البيوت سيكون (صنع في البيت) لتفادي تأخر الإيصال أو الاعتذار لكثرة الطلبات.. ومعروف عن المرأة العراقية تميزها في تحضير الأطعمة والحلويات والعصائر المختلفة، ومن بينها تلك الخاصة بشهر رمضان الكريم .
تقول أم ياسر (٥١ سنة، ربة بيت) إن أسرتها في شهر رمضان اعتادت على وجود الحلويات والعصائر الجاهزة والأكلات المتنوعة، لكن في ظل الأوضاع الراهنة ، ستكتفي باللبن وعصير الـ (نومي بصرة) الذي ستصنعه في البيت وإعداد أكلات دون تبذير لتلافي أي نقص على المائدة، وستصنع في البيت أيضاً الحلويات البسيطة واللذيذة مثل حلاوة الطحين والمحلبي .
وتقول فوزية حسين (مهندسة) إنها وبسبب فيروس كورونا قد تفتقد في رمضان هذا العام العادة العراقية المحببة وهي إرسال صحون الأكلات إلى الجيران، الذين بدورهم يعيدون الصحون بأكلات من عندهم. وتضيف أن الأزواج، زوجها وأزواج الجارات، كانوا يتباهون بالحلويات والأكلات التي تصنعها الزوجات في البيت وهم يجتمعون في المقاهي أو عندما يعودون معاً من الجوامع. وتضيف أن علاقات الجيرة لم تختلف ولكن الفيروس أرغم الجميع على تغيير بعض العادات والتقاليد الرمضانية.
لنتذكر
أن أصحاب الدخل المحدود والأجر اليومي والعائلات المتعففة هم الأكثر تضرراً من الظروف التي فرضتها مواجهة فيروس كورونا، وبالتأكيد لن يتمكنوا من تلبية الاحتياجات التي اعتادوا عليها خلال شهر رمضان في السنوات الماضية. يقول أبو علي (٤٠ سنةً، سائق سيرة اجرة) إن دخله المادي أصيب بالشلل ما أثر سلباً على تلبية احتياجاته المنزلية حتى قبل شهر رمضان. ويضيف أنه في السنوات الماضية كان يستعد مع زوجته لرمضان في الحدود التي يسمح بها دخله، لكن لا دخل له في الأسابيع الماضية ويأمل أن يساعده تقليص ساعات حظر التجوال بالعمل والحصول على دخل يعينه وعائلته.
ويقول عبد الرحمن (٣٠سنة، عامل بناء) إن عمله كان يعتمد على الأجور اليومية ولم يوفر له فرصة للادخار إلا القليل، وقد نفدت مدخراته، لكن الجيران وأهل الخير لم ينسوه ومن مثله، ويضيف أن آلاف العائلات مثل عائلته وهم بحاجة إلى حملات لتوزيع سلال الطعام في رمضان الكريم، وربما بعده أيضاً ويأمل أن نتذكرهم عند الإفطار.

كتبت رجاء الشجيري:
دلالة الصيام في اللغة والحضارة
الصوم في اللغة هو الإمساك، يقال: صام النهار إذ وقف سير الشمس، قال تعالى إخباراً عن مريم: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} أي: صمتاً؛ لأنه إمساك عن الكلام، ويفسره قوله تعالى: {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا}.
والصيام شرعاً (هو التعبد لله تعالى بالإمساك بنيّة عن الأكل، والشرب، وسائر المفطرات، من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، من شخص مخصوص، بشروط مخصوصة.)
الصيام في الحضارات
عرفت الحضارات القديمة الصيام كوسيلة للتقرب إلى الآلهة أو للتطهير والسمو بالنفس.
كان الصوم عند المصريين القدماء منقسماً على نوعين؛ صوم الخاصّة الذي يقوم به الكهنة، وصوم العامّة من الناس. وكانت أوقاته مختلفة تتراوح بين ٣ أيام إلى ٧٠ يوماً، إذ يمتنع عن الأكل والشراب والجماع.
كما كانت لهم أيام صوم مختلفة أخرى منها الصيام لإرضاء أرواح الأموات، وهناك صيام يتناولون فيه الطعام عدا الماء والخضراوات مدة ٧٠ يوماً..
وكان الصوم ركناً مهماً في ديانة البابليين الكلدانيين في منطقتي بابل وآشور، فقد كان الكلدان يصومون ٣٠ يوماً يمسكون فيه عن الطعام والشراب من شروق الشمس حتى غروبها ويفطرون على غير اللحم من النباتات والألبان، وهم ينقسمون على ثلاثة أقسام:
قسم يصومون ١٤ يوماً متتالية في فصل الشتاء، حسب أعداد الكواكب السبعة المشهورة قديماً وأفلاكها. القسم الثاني يصومون ٧ أيام في الربيع حسب الكواكب كلها. والثالث يصومون ٩ أيام في أواخر الصيف حسب الأفلاك.
أما الحرانيون، وهي تسمية نسبة إلى مدينة “حرّان” في العراق القديم، فقد كان يعتقد أنهم أول من صام بالشكل المتعارف عليه اليوم، وبعضهم كان يصوم عن الكلام أيضاً.
وكان اليونانيون يصومون أياماً متتالية قبل الشروع في الحرب كنوع من التدريب على قوة التحمل وطلب النصر من الآلهة. والصينيون القدماء كانوا يصومون في الأيام العادية وكان ملكهم يمنعهم من الطعام والشراب مدة ٢٧ يوماً تقديراً للآلهة.
صيام الأنبياء
الصوم وجد منذ بداية الخلق مع أبينا آدم (ع)، إذ يذكر أنه كان يصوم ٣ أيام من كل شهر، وهي الأيام التي يكتمل فيها القمر بدراً “الأيام البيض” من ١٣ حتى ١٥ في الأشهر الهجرية ضمن التقويم المعروف حالياً .
واتبعه النبي إبراهيم (ع) في صيامه الأيام الثلاثة نفسها من كل شهر، وكذلك النبي نوح (ع) الذي كان يصومها شكراً لله على النجاة من الطوفان العظيم. في حين كان النبي سليمان (ع) يصوم ٩ أيام من كل شهر ٣ في أوله و٣ في وسطه و٣ في نهايته. والنبي داود (ع) كان يصوم يوماً ويفطر التالي، إي أنه كان يصوم ١٨٢ يوماً في السنة. والنبي موسى (ع) يصوم شهراً كاملاً وعشرة أيام بعده، أي أربعين يوماً، إما نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم)، فقد كان كثير الصوم، وقد فرض الصيام في شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة.
الصوم في الديانات
تعددت أسباب وغايات الصوم لدى الديانات الأخرى، منها للغفران وتطهير النفس أو الابتعاد عن التفكير بماديات الحياة، أو لدرء الخطر والشعور بالأمان، أو للشكر والتقرب من الخالق.. الخ من الأسباب، فغاندي على سبيل المثال كان صيامه إما لتوبة أو لبعد سياسي احتجاجاً على الظلم والاستبداد.
وتعددت أنواع الصيام في مفهومه عن الامتناع ليس عن الطعام والشراب والملذات الجسدية فقط، إنما الامتناع عن الاغتسال ومتع الحياة المختلفة، بل وجزء من الأكل والطعام وليس كله تماماً.
ففي الديانة اليهودية هناك ستة أيام في السنة يمتنع فيها عن الطعام والشراب لمدة ٢٤ ساعة، كما أن لدى اليهود صوماً فردياً “صوم الأسر” في حالة الحزن الفردي الشخصي والتكفير عن الذنوب، وصوماً جماعياً عند الحزن العام كالهزيمة في الحروب أو الكوارث الطبيعية، وكذلك صوم الصمت التوبة بالانقطاع عن الكلام، وهناك فئة من يهود الأرثوذكس يصوم العريس والعروس فيها قبل يوم زفافهم بيوم.
أما في الديانة المسيحية فلديهم الصيام الكبير (٤٠ يوما ) حتى عيد الفصح المجيد وفيها لا يتناولون اللحوم ومشتقاتها أبداً. والصيام بمختلف طوائفهم هو:
الصوم الكبير، وهو صيام الأربعين يوماً المقدسة التي صامها المسيح (ع)، وصيام يومي الأربعاء والجمعة من كل أسبوع، وصيام الرسل الذي يسبق عيد الرسل، وصيام عيد الميلاد ومدته ٤٣ يوماً، وصيام السيدة العذراء ومدته ١٥ يوماً، وصيام يونان (يونس) مدته ٣ أيام قبل الصوم الكبير. أما الصوم عند الإيزيديين فقد ذكر عز الدين سليم في كتابه “مة ركة” أن جذور العيد والصيام لدى الإيزيديين ترجع إلى أيام الطوفان والنبي نوح (ع)، إذ عند حدوث الطوفان واستمرار هطول الأمطار وارتفاع المياه لمدة أربعين يوماً، أمر النبي نوح الذين معه في السفينة بالصيام لله والدعاء لإنهاء الطوفان، وبعد ثلاثة أيام انخفض الماء وظهرت اليابسة وخرج كل من في السفينة واحتفلوا بالحدث العظيم وكان ذلك يوم الجمعة. كما أن للإيزيديين صوماً خاصاً، وهو لرجال الدين، وصوماً عاماً للناس العامة يمارسون فيه طقوسهم وعبادتهم.
وكان هناك صيام متعدد ومختلف لديانات أخرى كثيرة.. إلا أن ديننا الإسلامي الحنيف كانت له خصوصيته وأهميته في عد الصيام ركناً أساسياً من أركان الدين، وهو فرض فرضه الله في شهر رمضان الكريم الذي أنزل فيه القرآن الكريم على نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، وهو صوم فيه معانٍ إنسانية كبيرة اعتمدت على تهذيب النفس وتعزيز الصبر والشعور بجوع وحاجة الآخرين ومعاناتهم خلال الامتناع التام عن الأكل والشرب والملذات من طلوع الشمس إلى غروبها مع نشر روح المحبة والتعاون والصدقة الجارية بين الناس ومساعدة بعضهم للبعض الآخر، إضافة إلى طقوس السحور الرمضانية التي أوصى بها نبينا عليه الصلاة والسلام وقراءة القرآن الكريم فجراً، والتعبد والصلاة لما لهذه العبادة من روحانية عالية للنفس البشرية.