اتساع دائرة الرفض لتعديل قانون التقاعد الموحّد

481

إياد عطية الخالدي – علي غني /

أثار تعديل قانون التقاعد الموحّد جدلاً واسعاً في المجتمع العراقي، فبينما وجد ترحيباً من شباب عاطلين حصلوا على وعود بتوظيفهم محل نحو 250 ألف محال على التقاعد، فإنَّه قوبل برفض واستنكار واسعين لدى العديد من الخبراء والأكاديميين والمعنيين بالشأن العام ولدى قطّاع واسع من النواب ممن صوتوا على القانون.
وبعد إقرار القانون ظهرت مخاوف جدية عبَّر عنها العديد من المسؤولين العراقيين تتمثَّل بإفراغ البلاد من الخبرات والكفاءات التي تحتاجها البلاد، فضلاً عن الآثار الإنسانية التي ستتأثر بها شريحة كبيرة صُدِمتْ بهذا القرار الذي أُقرَّ لتخفيف ضغط التظاهرات وفي محاولة من الحكومة لإيجاد أسهل السبل لتشغيل الخريجين الذين تتزايد أعدادهم بفعل سوء التخطيط والفسادين الإداري والمالي الذي تسبَّب بتحويل العراق إلى بلد ريعي يعيش سكانه على واردات النفط فقط.
إنَّ الفساد تسبَّب في غياب الرؤية لدى أصحاب القرار وعجزهم عن قراءة المستقبل رغم التحذيرات التي أطلقها إعلاميون ومفكّرون من أن السياسات المعتمدة سوف تؤدي إلى الانهيار على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لا سيما أن نحو ثلاثة ملايين و600 ألف فرد سيتأثرون بشكل مباشر بسبب هذا القانون.
صدمة
وتقول د. ماجدة التميمي النائبة عن سائرون: لو نعمل دراسة على القوانين التي شرّعها المجلس لرأينا أنَّها صدرت لمصالح فئوية وحزبية أو ردود أفعال متسرعة وهذا لا يساعد على تشريع قوانين تخدم البلاد.
وأكدت في مداخلة أثناء التصويت على قانون التقاعد الموحّد أنَّ الموظفين الذين أحيلوا على التقاعد وضعوا أمامهم خارطة طريق تحدّد مسار حياتهم ومستقبل عائلاتهم على أساس أنَّهم سيتقاعدون في سن 63 عاماً.
وأوضحت التميمي أنّ تحديد سنّ التقاعد بـ 60 عاماً هو إجراء قسري، لا يتوافق مع واجبات الدولة تجاه شعبها.
وتساءلت النائبة ما الذي حدث ودفعنا إلى تعديل قانون التقاعد، أليس الهدف هو توفير فرص للشباب حتى تستوعبهم دوائر الدولة؟ مشيرة إلى أنَّ المتقاعدين غير مسؤولين عن خطأ ارتكبته الحكومات لأنَّها فشلت في تفعيل الصناعة العراقية وتطوير الاقتصاد بما يتيح فرصة لتشغيل الشباب.
ولفتت إلى أنَّ العراق تحوّل إلى بلد ريعي يستورد أبسط المواد التي كان البلد رائداً في صناعاتها، كالألبان والدبس و”الكلنكس” وسواها، في إشارة إلى تقصير حكومي أدَّى إلى شبه انهيار للقطاعات الصناعية والزراعية.
وحذّرت التميمي من الانعكاسات السلبية لهذا القرار الذي سيدفع بالمتقاعدين الذين تأثرت حياتهم سلباً بسببه أن يكونوا المتظاهرين الجدد في البلاد.
وبيّنت النائبة ماجدة التميمي أنَّ الدراسات العالمية أكدتْ أن الأعمال التي تحتاج إلى العقول وتتميّز بالكفاءة والدقّة تعتمد على أصحاب الخبرات من سن 60 إلى سبعين عاماً، لأنَّها عقول تسلّحتْ بخبرات تراكمية لا يمكن تعويضها أو الاستغناء عنها.
وتؤكد إحصائيات لمنظمات محلية أنَّ عدد الموظفين ارتفع إلى ثلاثة ملايين و250 ألف موظّف، وقد قفزت موازنة الرواتب من 43 ترليوناً لعام 2019 إلى 53 ترليوناً للعام 2020 وهو ما يرهق كاهل الدولة التي تعتمد موازنتها بشكل شبه كامل على تصدير النفط.
تظاهرة
وخرج مطلع الشهر الجاري العشرات من المحالين على التقاعد بتظاهرة أمام مبنى البرلمان لكنّ لم يكلف أي نائب نفسه لاستقبالهم، علماً أنَّ أغلبهم من حملة الشهادات العلمية وأفنوا زهرة شبابهم في خدمة العراق وليسوا من ضمن البطالة المقنّعة التي أغرقت الدوائر بالتعيينات غير المخططة بسبب المحاصصة وشراء الأصوات في الانتخابات.
ويقول متقاعدون لـ”الشبكة”: إنَّ التقاعد لا بدَّ منه لكن ليس بهذه الطريقة التي أرغموا فيها عليه بعد تعديل السن القانونية، وبين المتحدثين من كانوا قد اقترضوا من المصارف وتواجههم الآن جملة مشكلات لعلّ من أبرزها مشكلة الأقساط، وكيفية دفعها، لا سيما أنَّ الرواتب التقاعدية بخسة حتى بالمقارنة مع مواطنيهم من إقليم كردستان الذي رفض تطبيق التعديل.
وعبَّر العديد من المتقاعدين بألم عن صدمته بهذا القرار المتعسّف الذي عامل المتقاعد كأنَّه بات خارج دائرة المواطنة، ولم يعبأ القانون بظروف المتقاعدين ولم ينظر إليهم بعين المسؤولية ولم يفكّر النواب أنَّ المواليد الأربعة التي ستحال على التقاعد في غالبيتهم أولياء أمور ولديهم أولاد يكملون تعليمهم في مدارس وجامعات وغالبيتهم أيضا يسكنون بيوتا بالإيجار، وبسبب أزمة السكن فإنَّ بدلات الإيجار عالية.
وشكا عشرات الموظفين ممن وصلت خدمتهم إلى عشر سنوات وأكثر ولم يصلوا بعد إلى معدل الخدمة الذي يضمن لهم التقاعد عن ظلمهم مرّتين، مرّة في النظام السابق ومرّة في النظام الحالي وتساءلوا ما ذنبنا؟ لماذا لا يمنحوننا فرصة لإكمال خدمتنا كي نحصل على التقاعد بدلاً من تحويلنا إلى مواطنين عالة على المجتمع يبحثون بين مؤسسات الرعاية الاجتماعية؟!.
مصلحة البلد
والواقع أنَّ القانون لم يلحق الضرر بالموظفين فقط، بل حتى في المصلحة العامة للدولة، فمن سيدرب المعيّنين الشباب؟ من سيأخذ على عاتقه تدريب المعلمين والمدرسين الشباب ومن ومن؟
الزيادة
وثمة أسئلة تطرح نفسها بقوة على صانعي هذا القانون المثير للجدل، هل حلّ مشكلة البطالة يناسب إيجاد مشاكل جديدة في بناء الدولة واستقرارها الاجتماعي؟ فمعيل الأسرة الذي أحيل على التقاعد لن يجد ابنه عملاً قبل حركة الملاك التي تتطلّب الانتهاء من المعاملات التقاعدية.. حلّ ترقيعي يسيء إلى المشرّع والموظف والعاطل عن العمل؟
يشرح الباحث القانوني علي حمدان اللامي أنَّ الزيادة في مرتبات المتقاعدين لا تشمل شريحة واسعة كما يعتقد البعض بل فقط أولئك الذين لم تصل رواتبهم إلى خمسمئة ألف مع بدل المعيشة. يعني أنَّ المتقاعد الذي راتبه 500 ألف دينار يبقى كما هو ومن راتبه 499 يحصل على زيادة ألف دينار فقط.
والواقع أنَّ القانون ألحقَ الضرر الكبير بالفئة الأعلى عطاءً وخدمة في الدولة العراقية، وساوى بين موظف أفنى 12 عاما في الدراسة تماما مع من لم يدرس يوماً، كما ساوى بين حملة الشهادات، وثمة مفارقات مخزية فالموظف الذي خدم 20 عاما ويحمل شهادة جامعية يتساوى راتبه تقريبا مع متقاعد لم يدرس ولم يقم بمهام وأعمال قام بها المتقاعد الآخر، وهو دليل على أنَّ المساواة ليست عادلة هنا، فتمييز الجهد والعطاء والشهادة ومراعاة ظروف المتقاعد من حيث عدد الأطفال ومن يحتاجون إلى رعايته ينبغي أن تحضر لدى المشرّع.
ونتساءل ما هو تعويض متقاعد حُرِمَ قسراً من إكمال خدمته الفعلية؟ لا سيما أنَّ العديد منهم يحتاج عامين مثلا إلى خمسة وعشرين عاماً كي يحصل على المكافأة وبعضهم يحتاج إلى ثلاثة أعوام ليصل إلى معدّل الخدمة التي يتقاضى بها تقاعداً، بينما يعطي القانون امتيازاً لموظفين لا يحتاجون إلى سنوات إضافية تؤثر في مرتباتهم ويحرمون من هم بحاجة إلى هذا الحقّ لإكماله كي يحصل على تقاعد!
مرحلة مظلمة
ولفت الصحفي علي دنيف المحال على التقاعد منذ ٣١-١٢-٢٠٢٠ إلى المعاناة التي تنتظر المتقاعد بعد إحالته وفكّ ارتباطه بدائرته.
وأشار إلى أنَّه مرّ شهر منذ إحالتي على التقاعد ولم ترفع معاملتي إلى دائرة التقاعد، ومنذ الإقرار تمّ قطع راتبي وصلتي بالجريدة، وبقيت معلّقا، لا أنا متقاعد ولا أنا موظف، وقد تطول هذه القصّة، لتعقبها قصّة أخرى في دائرة التقاعد لا أحد يعرف نهايتها لا سيما مع الزخم الشديد على هذه الدائرة، ويخمّن الكثير من المتقاعدين أنَّ مدّة الإنجاز قد تستغرق خمسة أشهر حتى ينال المتقاعد أوّل راتب تقاعدي، وهي مدّة طويلة جدَّاً، وكان بإمكان الدولة إبقاء الموظف في دائرته ريثما تنجز معاملته فيها وفي دائرة التقاعد نهائياً، وبعدها تنهي صلته بها، فينتقل إلى مرحلة التقاعد بدلاً من إدخاله بهذه المرحلة المظلمة والمؤسفة.
والواقع أنَّ العديد من الدول تنجز معاملات المتقاعدين قبل أشهر من إحالتهم على التقاعد ويتسلّم المتقاعد راتبه دون انتظار طويل لا يُحتَمل في ظلّ متطلبات الحياة الصعبة.
وفي هذا الصدد سرّبَ مدير عام في إحدى وزارات الدولة من خلال منشور تداولته منصّات التواصل ووسائل إعلام مختلفة، كان حاضراً لاجتماع عُقِدَ في وزارة المالية في الخامس عشر من الشهر الفائت بشأن رواتب الذين أحيلوا على التقاعد دون أي تبليغ سابق ودون أن يمنحوا فرصة للبحث عن عمل آخر لمواجهة متطلبات الحياة اليومية.
وقال إنَّ الموظف وهو ينتظر التقاعد، فإنَّ فرحته الأكيدة في مبلغ المكافأة الذي يحلم بأنَّه يحقق عن طريقه أمراً ما كان يحلم به؛ لن يحصل عليه الا بعد أكثر من عام وعلى دفعات.
وإنَّ المواليد التي أحيل أصحابها على التقاعد لن يتسلّموا مرتباتهم الا بعد مدّة طويلة قد تصل إلى عام كامل.
حيث يتمّ صرف التقاعد إلى مواليد57/58/59/60 كما يلي:
– مواليد ١٩٥٧ يتمّ صرف التقاعد لهم بتاريخ1 /7 / 2020 بعد إكمال معاملاتهم.
– مواليد١٩٥٨ يتمّ صرف التقاعد لهم بتاريخ
1 /11/ 2020 بعد إكمال معاملاتهم.
– مواليد١٩٥٩ يتمّ صرف التقاعد لهم بتاريخ 1/2/2020 بعد إكمال معاملاتهم.
٤- مواليد١٩٦٠ يتمّ صرف التقاعد لهم بتاريخ 1 /4/202 بعد إكمال معاملاتهم.
٥- المكافأة تصرف للجميع بتاريخ 1 / 6 /2021 إلى نهاية السنة.
ويقول الخبيرالقانوني وليد السامرائي: إنَّ هذا القانون أُقرَّ بسرعة ودون دراسة متأنية وكان الهدف الأساسي منه توفير فرص عمل للشباب الخريجين في دوائر الدولة، ولكنَّه في الواقع جاء ليفرغ البلاد من الكفاءات التي تحتاجها الدولة والتي سعت من قبل إلى إعادتها، إذ يتوقع أن نشهد أكبر موجة لهجرة الكفاءات، ناهيك عن الجوانب التي لم يراعها هذا القانون الذي خصم ثلاث سنوات من عمر المتقاعد، ما حرم مَنْ هم بحاجة إلى هذه السنوات من مكافأة الخدمة ومن الحصول على التقاعد نفسه ممن لم يكملوا خمسة عشر عاماً والحقّ أنَّ أغلب المحالين على التقاعد لديهم التزامات مالية كبيرة ويعيلون طلاباً في سن الدراسة والمشرّع لم يلتفت إلى هذا الجانب الإنساني وبعضهم لم يجهز نفسه لهذا الظرف ولديه التزامات مالية كالقروض وسواها، ثم ما ذنب هؤلاء أن يتحمّلوا حلّ مشكلة لا ذنب لهم فيها.
أساتذة الجامعات
وقال أساتذة في الجامعات العراقية: إنَّ قانون التقاعد الموحّد قانون سيّئ الصيت، غبن حقّ الموظفين بشكل عام والتدريسيين في التعليم العالي بشكل خاص بكل ألقابهم من مدرس مساعد إلى أستاذ.
ودعا آلاف المتقاعدين إلى الخروج بتظاهرات كبيرة ضدّ ما وصفوه بالقانون الظالم.
وشكّك المتقاعدون أنَّ درجاتهم الوظيفية قد يتمّ التّصرف بها لصالح هذه الكتلة أو تلك أو سيتدخل الفساد فيه ضمن (مزادات) بيع الوظائف.
ووجهوا انتقاداً شديداً إلى نقابة الأكاديميين لعدم سعيها لرفض القانون المجحف بحقّ منتسبيها بعد العناء الشديد طيلة خدمتهم الوظيفية.
الاختصاصات الطبية
وبما أنَّ المستشفيات العراقية تعاني من نقص في الاختصاصات المنقذة للحياة، كالأطباء في أمراض الدم (اللوكيميا) وهو مرض السرطان، وكذلك أطباء القلب وأطباء جراحة التّشوهات الخلقية في القلب، لا سيما الأطفال المصابين به، فإنَّ هذا القانون سيفرغها تقريباً من تلك الاختصاصات ويتسبَّبَ بانهيار كامل للنظام الصحّي.
ووصف عضو مجلس النواب في لجنة الصحّة والبيئة الدكتور جواد الموسوي وهو بالوقت نفسه نقيب أطباء العراق قانون التقاعد الجديد بأَنَّه جاء على عجالة وغير مدروس، وأوقع حيفاً بشريحة الأطباء داخل العراق، خاصّة أنَّ العراق حتى الآن يفتقر إلى العدد الكافي من الأطباء بالنسبة للقياسات العالمية، إذ يتطلّب بحسب القياسات العالمية 16 طبيبا لكل 10000 نسمة من السكّان بينما يتوفر في العراق حالياً 8 أطباء لكل 10000 نسمة، إي إنَّ العراق لم يحقّق سوى 50 بالمئة من النسبة العالمية.
وتابع الموسوي: رغم استثناء التطبيق لبعض الوقت للأطباء الا أنَّه بعد تنفيذ قانون التقاعد الجديد يكون أكثر من ثلاثة آلاف طبيب عراقي قد أُحيلوا على التقاعد، مما يؤدي إلى ضرر كبير بالنسبة للقطاع الطبي والصحّي إلى جانب إغلاق بعض المراكز المتخصّصة لأقسام القلب والأمراض السرطانية فضلا عن إغلاق بعض أقسام الدراسات العليا بالنسبة لطلبة الطب وأقسام أخرى في بعض المستشفيات مثل قسم الأشعة في مستشفى الشهيد الصدر، وقسم الباطنية في مستشفى الشيخ زايد.

تسريع انجاز المعاملات
والمجلة ماثلة للطبع نقلت جيدة الصباح عن مصدر مسؤول في هيئة التقاعد الوطنية ان اجراءات عديدة قد اتخذت لتأمين رواتب المتقاعدين وتسريع المعاملات الخاصة بالاحالة الى التقاعد على وفق القانون المعدل، بينما اعلنت الغاء رواتب نحو 300 من المشمولين بقانون السجناء السياسين من غير المستحقين واضاف المصدر ان الهيئة ستنجز المعاملة التقاعدية بوقت لا يستغرق اكثر من 24 ساعة بعد استخدام منظومة الكترونية تربطها بجميع الفروع التابعة لها في بغداد والمحافظات كافة.