الأسواق المركزية تستعيد نشاطها وتنتظر رعاية الدولة

378

رجاء الشجيري  – تصوير: يوسف مهدي /

كان أول ظهورها في العقد الثالث من القرن العشرين، وكانت تعد أكبر سوق تجارية واشتهرت باسم (أوروزدي باك).. وفي مرحلة لاحقة باتت طوق نجاة للمواطن العراقي في أشد وأعتى أزماته إبّان حصار التسعينات، عندما وفرت له بضائع مختلفة من ماركات عالمية بأسعار مناسبة، فضلاً عن توفير مواد البطاقة التموينية عبر دفتر التسوق الذي اعتُمد آنذاك. بعد ٢٠٠٣ جرى  تخريب أغلب بناياتها ونهبها، وتوقفت عن العمل. والسؤال المُلح الآن: لماذا لم تبث الحياة فيها مرة أخرى لتنافس مولات القطاع الخاص المهيمنة الآن على الاقتصاد العراقي؟ لِمَ لم تستثمر حتى بناياتها وبقيت مهجورة كل تلك السنوات؟ قانون ١٢٨ الذي أصدر لأجل إعادة استثمارها.. هل أنصفها حقاً؟ كل هذه الأسئلة وغيرها نطرحها ضمن الملف الآتي:
أوروزدي باك
هو أول مركز تجاري للتسوق في الشرق الأوسط منذ نهاية العشرينات، وغالبية الجيل الجديد لا يعرف أن هذا المَعلَم التجاري هو أول “مول” بمفهومه وحداثته حالياً. وأصل التسمية كما جاء من مصاهرة أسرة أوروزدي اليهودية النمساوية مع أسرة أخرى هي باك، وقد فتحا معاً هذه المحال التجارية التي انتشرت في أوروبا. تم افتتاح أول أوروزدي باك في بغداد أواخر العشرينات في شارع النهر في بناية تسمى “حمام حيدر” وهي من الدوائر التابعة لأوقاف الأسر البغدادية القديمة. عام ١٩٥٠ انتقل أوروزدي باك إلى محلة “السيد سلطان علي” وقد اشترته شركة أوروزدي باك من أسرة “قره علي” وافتُتحت هناك بناية أوروزدي باك حيث تطل واجهتها على شارع الرشيد نبض الاقتصاد العراقي آنذاك. إلى جانب الباب الرئيس هناك معارض زجاجية “فاترينات” تصل إلى ١٢ خانة. في الطابق الأرضي كانت البضائع أجهزة كهربائية وآلات تصوير وألعاباً ومواد غذائية، وفيها مكتبة جميلة أيضاً، أما الطابق الثاني ففيه الملابس والعطور وكافتريا للراحة، ويحكى أن الملك غازي الأول عندما زار أوروزدي باك أعجب جداً بسيارة إنكليزية معروضة فيها “أم جي” سبورت رياضية حمراء ولكنه لم يستطع شراءها حينها. ولم يسبق العراق في ريادة أوروزدي باك إلا مصر فقط ومحال عمر أفندي المشهورة فيها.
ظلت أوروزدي باك حتى ١٩٧٠ إلى أن تحولت إلى منشأة تعود لوزارة التجارة وبعد ذلك إلى المنشأة الإفريقية ثم أصبحت تسمى الأسواق المركزية وارتبطت بمديرية عامة في وزارة التجارة. ظلت أوروزدي باك حتى السبعينات لا يستطيع الذهاب إليها والشراء منها إلا الطبقة الوسطى والأغنياء فقط بسبب ارتفاع أسعار بضاعتها بشكل كبير، أما الأسواق المركزية فبالعكس تماماً إذ كانت للجميع وأسعارها مدعومة من الدولة بتخفيض عالٍ جداً فكانت منقذة للعائلات ولا سيما ممن لا يستطيعون الشراء من خارجها بسبب ظروفهم المادية الصعبة.
استثمار ونسب إنجاز
مدير عام الشركة العامة للأسواق المركزية “محمد حنون” حدثنا عن خطوات استثمار الأسواق الخمس والمشاريع الـ ٣٢ قائلاً: بعد 2003 صدر قرار من مجلس الوزراء الرقم 128 سنة 2017 أحال كل ممتلكات شركة الأسواق المركزية للاستثمار والبيع، وممتلكاتها هي الأسواق المركزية والأراضي الممكن استثمارها في الأسواق، بعد هذا القرار تمت تهيئة فرص استثمارية حين شُكّلت لجنة استثمار في الشركة تأخذ بعين الاعتبار عرض الفرص الاستثمارية عبر هيئة الاستثمار الوطنية وهيئة استثمار بغداد والإعلان عن قطع الأراضي الموجودة في هذه الشركة لغرض البيع وإحالة أصولها إلى وزارة المالية، وقد تعاقدت الشركة العامة للأسواق المركزية بوساطة هيئة الاستثمار مع شركة “دايكو العالمية” لاستثمار خمسة أسواق مركزية هي “حي العامل وسوق المستنصرية وسوق الشعب وسوق الصالحية وسوق 28 نيسان” وهذه الأسواق سُلم بعضها، وبعضها الآخر لم يسلم بعد لشركة دايكو لأسباب نتابعها الآن باستمرار عبر هيئة الاستثمار الوطنية للمباشرة بالعمل الحقيقي لهذه الأسواق، مضيفاً: هناك أيضاً أسواق مركزية أُحيلت للاستثمار منها “سوق المنصور المركزي” وهناك نسب إنجاز كبيرة في هذا السوق، فالمستثمر جاد في إنجاز هذا الصرح الاقتصادي الكبير وسط بغداد وطموحنا أن يكون نقطة انطلاق حقيقية لإعادة عمل الأسواق المركزية، ولدينا أيضاً فرص استثمارية في بناية الوزارة في منطقة الخلاني، وهي بناية ذات ستة طوابق وفيها كراج للسيارات ومحال تجارية، ونسبة الإنجاز فيها بلغت 85%، وبسبب الوضع المتردي للمحافظات الجنوبية نحن عرضنا سوق ميسان المركزي وسوق ذي قار المركزي وسوق الديوانية وسوق الفاو وسوق كربلاء للاستثمار، بعض هذه الأسواق أعلن عن عرضه، وبعضها الآخر ننتظر إجازة الاستيراد والرصد الخاصة به من هيئة الاستثمار، وثمة أسواق أخرى سيعلن عن عرضها للاستثمار قريباً.
يضيف حنون: نأمل أن يتم التعامل مع قرار 128 بشكل آخر لأنه أنهى الشركة وحول موظفيها إلى الوزارات والشركات الأخرى في الدولة ووزارة التجارة، كذلك حدد عمل هذه الشركة بالاستثمار عبر الأسواق المركزية وبيع قطع الأراضي. طموحنا أن يتم العمل مجدداً بالأسواق المركزية لكي تستثمر هذه الأسواق عبر القطاع الخاص ورجال الأعمال العراقيين والشركات الأجنبية وأن يتم عرض قطع الأراضي المميزة لهذه الشركة في مناطق بغداد والمحافظات كي ننهض بالأسواق المركزية ثانيةً. ويتابع: لدينا حالياً مخاطبات مع مجلس الوزراء الذي أحال كتاب وزارة التجارة إلى هيئة المستشارين للنظر بموضوع القرار 128 لسنة 2017 وإمكانية تغيير ما ورد فيه من فقرات سببت بعض العرقلة لعمل هذه الشركة، والموضوع لدى هيئة المستشارين ونتمنى أن ينجز في أمد قريب كي يُتخذ القرار بإعادة الروح لهذه الأسواق التي بقيت مهملة منذ 2003 حتى الآن، فالأمل قائم إن شاء الله.
مثنى جبار عبد الزهرة المعاون التجاري لمدير عام الشركة العامة للأسواق المركزية تحدث عن دور الشركة وفرص الاستثمار بقوله: الشركة قديمة وعمرها من عمر الحكومة العراقية، كانت لها مسميات سابقة عدة منها مؤسسة السلع وكانت مندمجة مع شركات أخرى وتحولت من نظام قانوني يستند إلى موضوع المؤسسة إلى نظام الشركات، فأصبحت لدينا الشركة العامة للأسواق المركزية والشركة العامة للسيارات والمكائن والشركة العامة للمواد الانشائية، انشطرت حسب النشاطات، وشهدت السبعينات والثمانينات ازدهاراً كبيراً لنشاط الأسواق المركزية وأصبح هناك دفتر للأسواق، والسوق العراقية لم تكن مفتوحة للجميع فالمواطن لا خيار أمامه إلا أن يطرق أبواب الأسواق المركزية لأن الاستيرادات كانت محصورة بمنافذ قليلة، والمنفذ الرئيس هو الأسواق المركزية، لهذا شهدت انتعاشاً كبيراً قبل عام ٢٠٠٣. اما بعدها فقد أُطلقت يد القطاع الخاص وإجازات الاستيراد أصبحت متاحة للجميع، لذلك سبقت خطوات القطاع الخاص بالمتاجرة خطوات المتاجرة الحكومية”.
وتابع عبد الزهرة: إن إعادة تأهيل الأسواق المدمرة كانت تحتاج إلى مبالغ كبيرة، وهذه المبالغ غير مرصودة، فلم يتم التركيز عليها بل بقيت ضمن خطة تطوير القطاع الخاص والاستثمار، والشركة لم يكن لديها الرصيد المالي الذي يسمح لها بإعادة التأهيل الكبير هذا. الأسواق غير المتضررة ظلت تمارس نشاطاً تجارياً بسيطاً، اما المتضررة فتوقفت عن العمل وهي الأكثر عدداً، مضيفاً: منذ ٢٠٠٣ حتى ٢٠١٠ أي قرابة ٧ سنوات حينما لمست الحكومة عدم وجود أية نهضة لها وأن أغلب ملاكاتها وموظفيها بلغوا الأعمار التقاعدية أرسلت لجاناً لدراسة وضع الأسواق التجارية ورأت أن أفضل حل هو طريق الاستثمار عبر القرار ١٢٨ الذي كان له مساران؛ الأول منح فرص استثمارية للأسواق المركزية غير المؤهلة، يتولى إعادة تأهيلها القطاع الخاص، والثاني بيع الأراضي التي لا تستطيع الأسواق المركزية تشييد أسواق عليها أو ممارسة أي نشاط تجاري فيها، والحق أننا كنا نأمل وجود مسار ثالث هو فتح خط المشاركة مع القطاع الخاص لكي يعاد النشاط لها ولا سيما أن أغلب ملاكاتنا موجودة في هذه الشركة وننافس القطاع الخاص في السوق المحلية ونلبي احتياجات المواطن في سلع يطلبها، إلا أن القرار للأسف لم يتح المشاركة معنا”، مؤكداً “ما نطلبه ونرجوه ليس إلغاء القرار بل تعديله بأن يطلق يد الأسواق المركزية من جديد ودور الشركة فيها له أهميته حتى في ضبط المواد والسلع وتقييسها ضمن القطاع الخاص وإلا كيف تبقى هكذا من دون فحص وضبط.
بالنسبة لأراضي المجمعات التجارية إذ إن وزارة التجارة تمتلك نسباً فيها، مثلاً أرض ميسان فإن الشركة العامة لتجارة المواد الغذائية لها ٣٠ % منها والشركة العامة لتصنيع الحبوب لها ٣٠% كذلك والأسواق المركزية لها ٣٠%، هذه الحصص يحسم أمر قيمتها بالبدل النقدي أو العيني للأراضي وتحال أيضاً للبيع.”
المهندس زهير طارق مسؤول شعبة الاستثمار حدثنا عن فرص الاسثمار أيضاً “حالياً لدينا ١١ فرصة استثمارية ممنوحة ولدينا مواقع أعلن عنها او في طور استكمال إجراءات المنح، ولدينا مواقع اختيرت شركات عدة منها بالتعاون مع هيئة الاستثمار المختصة لغرض منح الاجازات لها، ولدينا ٨ مواقع جاهزة للإعلان قريباً فضلاً عن ٣ مواقع فيها بعض المشكلات التي سوف تحل حال الإعلان عنها. ومن أصل ٣٢ فرصة حُسمت ١١ فرصة أي ٣٠ بالمئة من قرار ١٢٨ والمنح الاستثماري قد طبق ومنحت الإجازة عبر إجراءات قياسية تتضمن الإعلان وتحليل العطاءات واختيار أفضلها، وتمت مخاطبة اللجان الاستثمارية وهيئة الاستثمار في بغداد والمحافظات، والـ ٦٠% المتبقية قسم منها قيد الإعلان والقسم الآخر قيد التحليل أي أنه قاب قوسين أو أدنى من التنفيذ”.
المعرض ومبادرة بيع التجوال
حين كنا نتجول في الشركة العامة للأسواق المركزية أنا والزميل المصور يوسف لاحظنا قاعة عرض دخلناها وكانت الصدمة، اذ لم نتوقع أبداً أن تكون هناك بضاعة مختلفة وأناس تشتري منها وبأسعار مناسبة ورخصية جداً قياساً إلى الموجود في الأسواق المحلية.
سناء كاظم (موظفة في الشركة) حدثتنا وهي تعرض البضائع قائلة: البضاعة لدينا هنا منذ ٢٠١٠، جرى استيراد قسم منها والقسم الآخر من صناعتنا المحلية، وعند عرضها لاقت إعجاب المواطنين وترحيبهم بها، ولا ننسَ أن الأسواق المركزية كانت أم الخير وقت المحن، نتمنى تعزيزها وإعادتها بقوة كالسابق والترويج لها، معرضنا هذا مثلاً لا يعلم به المواطنون كافة، بل ارتاده من كان قريباً بالصدفة، وصار الناس يخبر بعضهم بعضاً ليأتوا للشراء وهم مندهشين من بضاعتنا في جودتها ورخص ثمنها”. وأضافت “البيع المباشر عبر منفذنا هذا وفي مجمع التأسيسات في مجمع المشن فقط”. وعند سؤالها أي المواد تلقى اقبالاً أكثر على الشراء أجابت “الملابس القطنية والأقمشة والبدلات التركية الرجالية الماركة حيث سعر البدلة 25 ألف دينار فقط بعد ان كانت بـ ١٣٠ و١٥٠ألفاً، وهي دعم من شركتنا للمواطن في قدرته على شرائها” سألتها أيضاً عن مبادرة مهمة كانت موجودة هي مبادرة “بيع التجوال” عن طريق سيارات تتنقل لبيع بضاعة الشركة العامة للأسواق المركزية فقالت “نعم كانت هذه المبادرة في معرض بغداد وفي الباب الشرقي أيضاً وقد لاقت ترحيباً إقبالاً واسعاً، فهي تجربة مهمة عززت العلاقة بيننا وبين الموطن في الشراء بأسعار مناسبة”
أما فاطمة زياد (متسوقة، ٣٥عاماً) فقد وجدناها تتبضع مع عائلتها فحدثتنا قائلة: جئنا إلى هذا السوق أنا وعائلتي عن طريق صديقة لي تسوقت من هنا، البضاعة هنا تفوق التوقع من حيث الجودة والسعر فعلاً، وقد اشتريت قرطاسية لأولادي بأسعار مناسبة جداً، كذلك أسعار الأقمشة لا تُصدّق إذ أن سعر متر القماش هنا ٥٠٠ دينار فقط! وتضيف بابتسامة: لم نصدق ذلك حتى ونحن نشتري”…
وسن سامي (متسوقة، ٦٠ عاماً) تقول: جئنا نتسوق هنا أنا وأولادي وأحفادي، أكثر ما تسوقناه الملابس القطنية التي كانت كل قطعتين بـ ٢٥٠ دينار فقط، مع جودة عالية فضلاً عن ملابس الأطفال الصوفية الرخيصة وكذلك البدلات الرجالية التركية.
حسين غازي سلمان (58 عاماً)، معتمد بين الأسواق المركزية ووزارة التجارة، كان يعقد الأمل على التنفيذ الفعلي للمشاريع الاستثمارية في الأسواق المركزية، يقول “أنا من أشد محبي بضائع الأسواق المركزية أيام زهوها وازدهارها ولكن السؤال هل فعلاً يمكن أن تعود كما السابق؟ لا أصدق ذلك إلا إذا رأيته بأم عيني متحققاً تماماً”