التقاعد.. رحلة جديدة من المعاناة والمصاعب

108

#خليك_بالبيت

إياد عطية الخالدي /

منذ إحالته إلى التقاعد القسري يواجه كامل الساعدي الموظف بوزارة النقل صعوبات بالغة في حياة جديدة لم يخطّط لها، فقد وجد نفسه بلا مرتب بعد أكثر من 27 عاما من العمل أمضاها في وزارة النقل، ومنذ أن غادر دائرته أوقف راتبه الذي اعتاد أن يتسلّمه في نهاية كل شهر، بدأ الرجل ينفق كل مدخراته القليلة خلال الأشهر الاولى، وأهمها تسديد تكاليف دراسة ابنته الطالبة في إحدى الكليات الاهلية في المرحلة الثالثة، ما دفعه إلى التخلي عن منزله واستبداله بشقة ببدل إيجار أقل، كي يتمكن من تقليص النفقات إلى أدنى حدودها، لكن أكبر مشكلات هي الفراغ الكبير الذي يعانيه وهو الذي اعتاد على أسلوب حياة مليئة بالنشاط والحيوية.
قرار الإحالة القسري تسبّب في ضغوط كبيرة على المتقاعدين، إذ من الصعوبة أن يتعايشوا مرة واحدة مع كم هائل من التداعيات النفسية والاقتصادية ألقت بظلالها على حياتهم مرة واحدة من دون أي استعدادات، وكان من الطبيعي أن يلجأ الكثيرون إلى عيادات الاطباء للبحث عمّا يخفّف الضغوط النفسية التي تحيط بهم، إذ لا ضوء أو أمل لنفق كبير ومظلم وجد الساعدي نفسه فيه، فعليه أن يسدد تكاليف دراسة ابنته وأقساط السلفة التي أراد أن يكمل بمبلغها بناء مشتمل صغير ينقذ فيه عائلته من هموم ومعاناة الإيجار، لكن قرار الاحالة القسري أعاد حسابات هذا المواطن، ولم يتبق له سوى الحصول على مكافأة نهاية الخدمة لكي يعيد بعض التوازن لأسرته وحتى يبحث له عن مصدر دخل جديد يناسب عمره ووضعه الجديد، وذلك فصل آخر من المعاناة بانتظار الآلاف من المتقاعدين الجدد ممن تعتمد أسرهم بشكل كامل على مرتباتهم.
وكان مجلس النواب قد صوّت على واحد من أسوأ القرارات عندما قرّر إحالة نحو 300 الف موظف مواليد 58،59،1960 إلى التقاعد القسري في تعديله الاول على قانون التقاعد رقم 9 لسنة 2014، مسوغا إصدار هذا القانون تحت عنوان توفير فرص للشباب، ويمثل القانون انتهاكا واضحا لحقوق الموظف العراقي وتجاوزا على القوانين التي حفظت له سبل العيش الكريم.
أخطاء فادحة
ويقول المتقاعدون إن مجلس النواب والحكومة السابقة ارتكبوا مجزرة إنسانية عندما حرموا آلاف الموظفين وأسرهم من أي مرتبات ومن دون أن يوفروا لهم أدنى متطلبات العيش، وهو الحصول على الراتب التقاعدي، ومنذ إصدار ذلك القانون الذي يعاني الكثير من الثغرات والاخطاء الفادحة يخوض المتقاعدون نضالا شاقا لاستعادة حقوقهم، إذ خرجت تظاهرات مندّدة بهذا القانون الذي تعوزه الكثير من الانسانية والعدالة.
وتحت ضغط التظاهرات فقدت الحكومة القدرة على اتخاذ قرار مسؤول يدرس كل الجوانب، فهدف كل التشريعات على الدوام تحقيق مصالح الإنسان والبلاد، لكن لم يمض الكثير من الوقت حتى اكتشف من تبنّى هذا القرار وصوّت عليه الخطايا الجسيمة التي ارتكبها، والتي أقر بها أغلب أعضاء مجلس النواب ممن صوّتوا على القانون، فقد وجدت الحكومة نفسها بمأزق جديد، إذ إنَّ الميزانية خاوية بفعل تراجع أسعار النفط، ما حال دون القدرة على تسليم المحالين الجدد إلى التقاعد مكافأة نهاية الخدمة ولا حتى رواتبهم التقاعدية.
وفضلا عن التداعيات الانسانية الخطيرة التي تسبّب بها هذا القانون وتأثيرها على أمن المجتمع فسرعان ما برزت مخاوف جدية عبَّر عنها العديد من الوزراء والمسؤولين العراقيين تتمثَّل بإفراغ البلاد من الخبرات والكفاءات التي تحتاجها البلاد، وتعمل الدول على الحفاظ عليها والتمسك بها، من خلال إصدار تشريعات ترفع من سن التقاعد لا أن تخفضه، وقد برزت الحاجة إلى تلك الكفاءات أثناء جائحة كورونا التي مثّلت اختبارا وضع هذا القانون على المحك، وكشف عن أن الدول المحترمة تحافظ على خبراتها وتعززها، لا أن تتخلى عنها وتضعها في ظروف معاشية صعبة، إذ التباين كبير بين ما يتقاضاه المتقاعد من مرتب قبل الاحالة وبعدها.
عدالة القوانين
ويقول عدنان فرحان إن المتقاعدين في العراق شريحة معدمة، تعاني من شظف العيش، لا سيما المعاقين الذي تركوا الخدمة لأسباب صحية، واذا كان بعض المتقاعدين يعود إلى أعمال مرهقة وبسيطة لتوفير سبل العيش له ولعائلته، فإنّه خرج وهو يعاني من ضمور عضلات الكتفين وهو ما يمنعه من العمل.
وقال إن قانون التقاعد يفتقر إلى العدالة فهو لا يقدر الوضع الصحي للمتقاعد، فماذا تعني 500 الف دينار لمواطن عاجز عن العمل ولا يملك بيتا ويعيل طلابا لم يكملوا تعليمهم بعد.
ويقول فرحان لم نر او نسمع من هيئة التقاعد سوى أخبار الفساد، والمراوغة، وللأسف فإن النواب الذي انتخبناهم يساندون هذه الهيئة ويتعاونون معها على كل ما يزيد من معاناة المتقاعدين.
ويعيل المتقاعد هاشم محمد أسرة تتكوّن من ستة أبناء براتب تقاعدي مقدار 530 ألف دينار تستقطع منه شركة كي كارد خمسة آلاف شهريا فضلا عن أقساط سلفته ولا يتبقى من مرتبه سوى مبلغ قليل لا يسدّ احتياجات عائلته، ويدفعها إلى حياة العوز والفقر.
ويستغرب هذا المتقاعد من غياب العدالة بين المتقاعدين العراقيين، إذ يحصل أقرانه من المتقاعدين في إقليم كردستان على مليون دينار كأدنى حد للتقاعد، وحتى المواطنون المصريون الذين كانوا يعملون في العراق يحصلون على مرتبات أعلى من المتقاعدين العراقيين وهذا ما يولّد الالم في نفوسنا.
وقال إن شريحة المتقاعدين بدأت تنظم نفسها لاتخاذ موقف في الانتخابات المقبلة، مشيرا إلى وجود تجمع خاص بهم سيحدد موقفهم من الانتخابات، ردّاً على الظلم وعلى سوء التعامل معهم من قبل الحكومة والبرلمان العراقي.
فساد وابتزاز
وقانون التقاعد الموحّد يضع المتقاعد في حالة الموت البطيء، على حد وصف المتقاعد علي العبودي إذ يتجاهل القانون إن المتقاعد أفنى سنوات عمره في خدمة الوطن، مشيرا إلى أنّ إضافة سنوات الخدمة واعتماد الراتب عليها جعلها مشروع فساد وابتزاز، فالموظفون في دائرة التقاعد يزيدون ويقلّلون سنوات الخدمة على مزاجهم أو في الواقع الأمر خاضع لمن يدفع، متسائلا أي قانون هذا الذي يتجاهل أن هناك متقاعدين لا يزالون مسؤولين عن أطفال وشباب لم يكملوا دراستهم؟ وكيف يمكن أن نساوي بين متقاعد عمل في أعمال مهمة للبلد وبين متقاعد آخر ونحتسب راتبهم طبقا لسنوات الخدمة فقط.
على أبواب هيئة التقاعد
وفي الواقع فإنَّ إحالة الموظف إلى التقاعد تعني إحالته إلى رحلة جديدة من المعاناة، فعلى أبواب هيئة التقاعد المتهمة بالفساد وسوء الادارة وبين ممراتها يتدافع المتقاعدون في صراع مهين يسلب كرامتهم ويضاعف أمراضهم للوصول إلى فتحة صغيرة يتحدثون من خلالها مع موظفي الهيئة بهدف إنجاز معاملاتهم.
وعلى الرغم من الارهاق الذي يعانيه المتقاعدون في رحلتهم، فثمة موظفون يضاعفون هذا الارهاق ويزيدون هذه المعاناة كي ينال المتقاعد راتباً بائساً بقائمة طويلة لا تنتهي من الطلبات، في الغالب هي طلبات روتينية، وكثيرة هي القصص الحزينة عن متقاعدين انتهت حياتهم في دهاليز هذه الهيئة قبل أن تنتهي معاملاتهم التقاعدية.
وكانت الحكومة قد ألقت القبض على رئيس هيئة التقاعد أحمد الساعدي ويواجه الساعدي مع مسؤولين آخرين وسط (اتهامات) بالفساد، وبالتعاون مع جهات ومنظمات بما يخص المليارات من رواتب المتقاعدين.
ويقول العبودي إن هذا يكشف عن الواقع المزري لهذه المؤسسة التي تتعامل مع أناس قدموا كل ما لديهم إلى الوطن، سلبت منه هذا المؤسسة الحكومية كرامتهم وإنسانيتهم فضلا عن أموالهم، داعيا إلى إعادة النظر بكل التشريعات التي تمس حياة المتقاعدين وإعادة النظر بالمؤسّسات الحكومية التي تتعامل معه.
ويقول العبودي إنَّ التقاعد يمثّل حياة جديدة بالنسبة للمتقاعدين، يعوّض فيها سنوات العمل بممارسة السفر والرحلات، وإعادة اكتشاف هواياته الجديدة، لكنَّه بالنسبة للعراقيين رحلة متاعب أكثر مرارة، لا سيما بالنسبة إلى متقاعد براتب بسيط، وهو محمّل بالتزامات مالية وبمسؤولية إعالة عائلته وأولاد وبنات لم يكملوا تعليمهم في بلد لا يؤمّن لهذه الفئات أي سبيل للعيش ومواصلة التعليم، ومن الطبيعي أنَّ هذا الوضع يجعل الانسان تحت ضغوط لا تحتمل، فتكون النتيجة تراجعا في صحته وإصابة بكثير من الامراض المزمنة التي تحيل حياته إلى محنة كبيرة.
خسائر المتقاعدين
مشاعر إحباط ويأس يعيشها المتقاعد تلقي بتأثيرها على صحته النفسية والبدنية، وتتضاعف هذه المشاعر في مجتمع ينظر إلى المتقاعد بوصفه إنساناً فائضاً عن حاجة المجتمع والدولة وعاجز عن تقديم ما ينفع البلاد كما تؤكد الاخصائية النفسية والاجتماعية لميس عامر وتوضّح أن التقاعد ينقل الانسان مرّة واحدة من إنسان فاعل ومحوري في دائرته ومجتمعه إلى إنسان يبحث عن وسيلة ليملأ فراغا كبيرا في حياته.
وتلفت عامر إلى أنَّ ثمة مشاعر متداخلة تربك المتقاعد الذي يكتشف أن حياته الجديدة، هي حياة خسارات، فهو يخسر عمله ومكانته الاجتماعية ويخسر أصدقاءه، وحتى على المستوى المادي يخسر الكثير من دخله، هذا الشعور لطالما ارتبط بحياة المتقاعد.
وفي بلد مثل العراق لا يحظى فيه المتقاعدون بالتقدير مثل أقرانهم ليس في الدولة المتقدمة، إنما حتى في الدول المجاورة، يصبح التقاعد كابوسا حقيقياً يرعب من يقترب إلى مراحله .
وتوضّح الاخصائية النفسية والاجتماعية لميس عامر أنّه من البديهي أنّ هذه الخسائر ستترتب عليها آثار ونتائج تنعكس بشكل واضح على صحة المتقاعد النفسية ومن ثم على صحته العامة، إذ تدفع بالكثير من المتقاعدين إلى العزلة وإلى الإصابة بأمراض الشيخوخة مبكرا.
ولهذا تعمل الدول على رد الاعتبار والتقدير لهذا الإنسان الذي أفنى عمره في خدمة الوطن، وترفع الكثير من المعاناة عنه، كما تضع خططا وبرامج للترفيه عن المتقاعدين والعناية بهم، لكن هنا لا يجد المتقاعدون في المؤسسات الحكومية المختلفة غير الجحود بعينه، إذ تهدر كرامة المتقاعد أمام أبواب هذه المؤسسات المعنية بتقديم الخدمة والرعاية والحقوق له، وبالنتيجة يتضاعف قلق الناس هنا وتتضاعف أزماتهم النفسية والصحية للأسف.
تعديلات ولكن
ويقرّ البرلمان أنّ قانون التقاعد الذي صوّت عليه العام الفائت كان سيئا وغير مدروس وصدر في ظروف سياسية مضطربة، وأدّى إلى إفراغ المؤسسات من كفاءاتها، كما تسبّب بإرهاق الميزانية، وأنّه يدرس التصويت على تعديلات جديدة تعالج الثغرات الكبيرة في التعديل السابق.
ونشر رئيس اللجنة المالية في البرلمان العراقي هيثم الجبوري على صفحته في فيسبوك أهم التعديلات التي اتفق النواب على إجرائها على القانون، وتخص سن الاحالة إلى التقاعد ليعود إلى 63 سنة، وإلى تحويل القروض والسلف على راتب المتقاعدين، وبيّن أن التعديل الجديد لن يسمح للموظفين الذين أحيلوا إلى التقاعد في القانون السابق بالعودة إلى دوائرهم بزعم أن ذلك سيرهق الميزانية.
وفي الواقع أن هذه التعديلات لا تعالج الا بعضا من الاخطاء التي ارتكبها البرلمان عندما صوت على قانون التقاعد، وهي لا تلتفت إلى جوهر المعاناة الحقيقية للمتقاعدين ولا تلبي احتياجاتهم الانسانية، ولا تبالي بالدور الذي أداه المتقاعد وأفنى سنوات عمره في خدمة البلاد.