رهاننا على الوعي رهانٌ على المستقبل!

189

#خليك_بالبيت

د. حسن عبد راضي – د. علاء حميد – علي السومري /

من أين يبدأ وعي المجتمع؟ وما خصائصه؟ وكيف نعيد بناءه بعد أن خرَّبت سواده الأعظم مغامرات عسكرية قادتها سلطة فاشستية عصفت مشاريعها الوحشية بحياة خيرة شباب البلد وأكثر عقوله ذكاءً وألمعية بين موت أو قتل أو تشريد في المنافي؟
الوعي الذي نبحث اليوم في الرهان عليه هو ما نستطيع أن نجعل منه نقطة ضوء ننطلق منها ونجعلها تتوسّع لتشمل مزيداً من المساحات المعتمة في حياتنا الراهنة، وهو ما نعول عليه في إنقاذ الأجيال القادمة من مصير يبدو قاتماً بلحاظ استمرار التردي الاجتماعي والثقافي والتعليمي. إنّ قراءة تستبصر المستقبل لا يمكنها أن تمنحنا صورة مشرقة، ما لم يحصل التّغيُّر المنشود في الوعي، ذلك المنعطف الذي لا يتحقّق في لحظة أو مصادفة تاريخية، لكنّه – كما قرأنا من تجارب الأمم الناهضة – يكون عبر التراكم البطيء وغير المنظور ربّما للقيم الجديدة التي يجب أن تحلّ محل قيم الخراب والفشل التي انتعشت كثيراً بفعل الحروب والحصارات وما رافقها من انحدار في الحالة الاقتصادية التي استتبعت تراجعاً خطيراً في أولويات المجتمع، حتى أنّ التعليم إبانذاك أصبح أولوية أخيرة ربّما لأكثر من جيل، بإزاء أولوية الخبز المفقود، وتلك هي النبتة الشريرة “زهرة النيل” التي غزت أنهارنا، وكان ثمة ألف زهرة نيل على مستوى الثقافة والتربية غزت عقول أجيالنا أطفالاً وفتياناً يافعين وشباباً.
ما تفعله مجلة الشبكة اليوم هو أشبه بالوقوف على حافة النهر لمعرفة الطريقة المثلى لعبوره، والقياسات اللازمة لإعداد الجسر أو الجسور المناسبة لكي نبلغ الضفة الأخرى بأمان، نحن ومن سيلينا من الأجيال، وإنها لعمري ضفة المستقبل الذي نحلم أن يكون مشرقاً وضَّاءً.
ولم يعُد خافياً على الجميع أنّ الرهان على الوعي، هو رهاننا الأخير من أجل إنقاذ المجتمع العراقي مما يعيشه من خراب آني، وبالتأكيد ستكون تداعياته في المستقبل القريب كارثية، هنا نتحدّث عن وعي غيّب قسراً زمن الديكتاتورية البغيضة، ويغيّب اليوم بسبب تورّم جسد المجتمع بشتى صنوف الأمراض المجتمعية، حتى بات الحديث عن الوعي واستعادته والرهان عليه، حديثاً ربّما يثير السخرية لدى المستمعين إليه.
وهنا يتفجّر السؤال الأهم، كيف يمكننا استعادة وعي أمّة تناهبتها الحروب الدولية والأهلية وحاصرها الجوع أكثر من أربعة عقود مظلمة؟
كيف يمكننا إنقاذ مجتمع ينحدر إلى هاوية الجهل والتّخلُّف، وانشطرت هويته الوطنية إلى هويات فرعية تتقاتل فيما بينها؟
من أين يمكننا البدء لإيقاف هذا الانحدار المريع الذي بدأ منذ سنوات طوال، سنوات هيمن عليها فكر واحد ومنظومة فكرية فاشية يقودها طاغية نزق، طاغية حوَّل المجتمع إلى جنود في معسكرات مترامية الأطراف، تبدأ من البيت وتنتهي في ساحات المعارك والمقابر الجماعية؟
يشخص بعض المتخصّصين في الشأن التربوي إشكاليات عدّة ساهمت في نضوب وعي المجتمع، منطلقين من قاعدة الهرم وصولاً إلى قمته، قاعدة أساسها طلبة المدارس، الذين وجدوا أنفسهم محاصرين بكتب منهجية ودراسة كلاسيكية لا تركّز على تطوير الذات وتوسيع المدارك، متّفقين على أنّ واحداً من أهم القطاعات التي تعرّضت إلى التخريب المتعمّد من لدن الحكومات المتعاقبة، في العقود الأربعة الأخيرة هو القطاع التربوي، مشيرين إلى أنّ تلك الحكومات عمدت إلى إفراغ الروح التربوية من قيمها الأصيلة، ليقتصر دوران المؤسّسات التربوية في فلك الموضوعات المنهجية التي يجترها التلميذ والطالب من ذاكرته، الغاية منها الحصول على درجات تؤهله للنجاح فقط! جاعلةً هذا الهم أكبر أهدافها والأعلى في سُلّم أولوياتها، دون النظر إلى سرّ الانحرافات السلوكية والصعود غير المسبوق لمفردات الكراهية ومحاولة تهميش الآخر المختلف، وضياع كثير من القيم الإنسانية في التعامل الحياتي، وهو ما أنتج إهمالاً واضحاً لكلّ الرياضات التي تنمّي البدن والعقل.
وهنا يمكننا أن نشخّص أسباب هذا الخلل أو أحد هذه الأسباب، غياب المكتبات المدرسية، هذه الحدائق الفكرية التي تنمّي مخيّلة الطالب وتشحذها بالأفكار وتدفعه للتفكير خارج الصندوق، غياب عانت منه أجيال كاملة، حتى بلغ درجة أنّ العديد من الطلبة ممن أنهوا دراستهم الابتدائية والثانوية لم يعرفوا شيئاً اسمه “مكتبة مدرسية”!
إنتاج الوعي
يقول الدكتور مزهر جاسم الساعدي، الباحث في الشأن التربوي:
“إنّ الغياب القسري للمكتبة المدرسية عن حياة التلميذ والطالب، يشكّل علامة فارقة في مراحل إنتاج الوعي، فكما هي الرياضة البدنية تحتاج إلى المران والمطاولة والتدرّج ليصبح المرء مؤهلاً لخوض السباقات الرياضية ومنافستها، يحتاج فعل القراءة إلى المران والتدرّج والمطاولة، وفق أسس علمية مرصودة من خبراء في مجال تخصّصهم، وإن كان هذا الأمر موجوداً هنا وهناك، فلا يعدو كونه محاولات فردية قائمة على رغبة بعض الإدارات، وشغفهم بالقراءة ومعرفة الأهمية التي يتشكّل بها نمو عقل التلميذ ووعيه، لذلك أُعطيت الأهمية اللازمة لهذا الموضوع”، مضيفاً: “ولا يختلف الأمر بين التعليم الأهلي والتعليم الحكومي، إذ كما في التعليم الحكومي لا وجود للتخصيصات المالية التي يمكن أن ترفد المكتبة بالمطبوعات فضلاً عن غياب المهتمين بها، فإنّ كثيراً من المدارس الأهلية تفتقر إلى وجود مكتبة يمكن الركون إليها عند رغبة التلميذ في ممارسة فعل القراءة”، لأسباب رأى (الساعدي) بأنّها تبدو ربحية أكثر من كونها تربوية، مشيراً إلى أنّ تعليم التلميذ والطالب على اكتساب كثير من المهارات والمعارف بشكل متساوٍ مع التعليم المنهجي عبر فعل القراءة الإثرائية، على النحو الذي يلبّي فيه رغباته، يسهم كثيراً في فهم المواد المنهجية التي تتطلبها العملية الدراسية ومعرفتها، فضلاً عن انطلاقه في مواجهة المتغيرات الحياتية بثقة بالنفس وبقدرات أعلى مما لو افتقر إلى تلك المقدّمات السليمة.
إرادة حقيقية
سؤالنا عن كيفية استعادة الوعي بالثقافة العراقية، وترسيخه بما يخدم الأجيال القادمة، أوصلنا إلى الباحث والأكاديمي واثق صادق، الذي أشار إلى أنّ السؤال ينطوي على مفارقة، معلّلاً ذلك بأنّ منطوقه يجعلنا نسلّم بما لا يدع مجالاً للشك بوجود وعي متبلور سابقاً للثقافة في العراق، وأنّ المطلوب من هذا الوعي ان يكون عامّاً وشاملاً، وهذه المسألة بحسبه نسبية حتماً، مضيفاً: “مع اتفاقنا بعدم وجود ملامح وسمات واحدة وموحّدة للثقافة، او ان تكون هناك ثقافة عراقية خالصة، وهو امر طبيعي ناتج عن التّنوُّع والمغايرة التي يتميّز بها العراق، إذ انّ مفهوم الثقافة – برغم اتساعه وإشكالياته – إلا أنّه في كل الأحوال يشير إلى أسلوب الحياة وطبيعة القيم والمعايير السائدة، إلى جانب تلك السمات ذات الصلة بالعلم والمعرفة والإحاطة بما يدور حولنا من أشياء بشكل يجعلنا قادرين على إدراكها والتعامل معها”، مبيّناً أنّ حالة العراق، ولطبيعة الحقب التاريخية التي مرّت عليه لا سيما الحديثة والمعاصرة منها، والتي شهدت استغلالاً للجانب الثقافي في احيان كثيرة، ومن منطلقات أيديولوجية بحتة، لم تخدم سوى السلطة ومن هم على سدّتها، يرى (صادق) أنّ الثقافة ضُخّت بمفاهيم ومدلولات افرغتها احيانا من قيمها الحقيقية، لا بل وظّفتها لتحقيق اغراض لا علاقة لها بالوعي والثقافة من قريب او بعيد، وأن ذلك تمّ على أيدي مؤسّسات تدرك تماماً الغاية والهدف الذي تقوم من اجله، مضيفاً بأن: “إعادة الاعتبار للثقافة في العراق، وإعادة بناء وعي لدى الأجيال الحالية واللاحقة، ليس بالامر الهيّن واليسير اولاً، وليس بالمستحيل ايضاً، لكنّه يتطلّب – كما كل شيء في الواقع العراقي – نظرة فاحصة تشخيصية حقيقية، يمكننا بها أن نعثر على مكامن الخلل في المؤسّسات ذات الصلة بالثقافة (المدرسة، الجامعة، الإعلام، مراكز الثقافة، الوزارات المعنية.. الخ)”، وهو امر يرى صادق أنّه لا يتم حتما دون أن تندرج كلّ هذه المؤسّسات والقطاعات في بوتقة إصلاح واحدة، وفي منهج تصحيحي لا يكفل بالنهاية سوى قيام تنمية حقيقية وشاملة، جنبا إلى جنب مع باقي القطاعات في الدولة، سواء ما تعلق منها بالاقتصاد، أو الصناعة، او التجارة أو الزراعة، إذ لا يمكن، على وفق رأيه، أن تستقيم أي دولة بوجود خلل في أحد قطّاعاتها المهمة، مشيراً إلى أنّ العمل على ترسيخ وعي بالثقافة في العراق، يستلزم أيضاً مجموعة من الخطوات التي تشبه إعادة الهيكلة المؤسّساتية، لا سيما تلك المعنية بالشأن الثقافي، وتأشير مدى نجاحها أو ابتعادها عن تحقيق وظائفها، وفحص القيم السائدة، وإخضاع المناهج التربوية والتعليمية إلى الفحص والتّمحيص الدقيق، وتشذيبها مما علق فيها، بما يجعلها متوائمة مع روح العصر، مبيّناً أنّ ذلك كلّه يتطلّب إرادة حقيقية من صانع القرار السياسي اولاً، وإخلاصاً من المتخصصين والأكاديميين والخبراء في الشأن التربوي والثقافي ثانياً.
التسامح وتقبُّل الآخر
ربما لا يختلف اثنان على أن تقبُّل الآخر هو واحد من أهم تمارين العقل، تقبُّل الاختلاف واحترامه، تقبُّل ثقافات المجتمعات الأخرى هو نقطة شروع في كيفية تنمية وعي الفرد، الذي سينتج وعياً مجتمعياً قابلاً للمحاورة والحوار ورؤية نقاط الاقتراب بدل التركيز على المختلف منها.
تقول الدكتورة الأكاديمية عذراء عبد الحسين ناصر: “في تصفُّح أولويات الحفاظ على الوعي بثقافة معينة، ولأي بلد كان، نجد أنّ الدول تركّز على التدريب الأولي المستدام في المراحل العمرية الأولية، في المدرسة وبرامج التلفزيون الرسمي، وما يقدّمه الإعلام والمؤسّسات الخدمية المحلية من برامج توعوية وتدريبية لخلق مواطن عالمي، قادر أولاً على تقبُّل جميع الثقافات كأولوية لبناء جسر بين ثقافته والثقافات الأخرى، قائم على التّقبُّل والتسامح والمعرفة بحساسية الاختلاف بين الثقافات”، وهذا بحسبها لا يمكن تحقيقه إلا من خلال خلق عادات سلوكية جيّدة وترسيخها في لا وعي المواطنين قبل وعيهم، في مواقف التواصل والتعايش والدراسة والعمل والوجود المجتمعي، وترى بأنّ هذا يمكن تحقيقه بالاهتمام وتقنين الاحتفال بالمناسبات التقليدية والأكلات الشعبية والمهرجانات الثقافية التي تزيد الوعي بالمناسبات الوطنية، مضيفةً: “مع الحرص الشديد على ألّا تقدّم هذه المناسبات الجمعية أحكاماً مسبّقة عن هذه المناسبات والتقاليد، بل تنطلق من أساس التعريف بها، على أساس تاريخي ثقافي ومعرفي وضمن سياقها الاجتماعي والثقافي والسياسي وغيره”، مشيرةً إلى ضرورة انفتاح المواطنين على الثقافات الأجنبية وحساسية الخوض فيها، وإظهار الاحترام والتقدير لهذه الثقافات ولمعتنقيها كونها بغرابتها وخصوصيتها تشكّل كيان أبناء تلك الثقافات وتراكم تربية الأجيال فيها، موضحةً أنّ “الأهم في التعريف بالثقافات، هو التعريف بالاختلاف والتّنوُّع في داخل الثقافة الواحدة، وبين الثقافات المختلفة والمبنية على كيانها السياسي والجغرافي والاجتماعي”.
وتشير (عبد الحسين) إلى أنّ العراق يعاني من قطيعة معرفية وثقافية، وعلى المؤسّسات الثقافية والتعليمية، وبالتعاون مع المؤسّسات الإعلامية، التركيز على وضع منهاج عمل وتنسيق برامج متزامنة لتوفير تدريب اجتماعي، وتقبُّل نفسي تدريجي، للاطلاع على أساسيات الثقافة العراقية وتنوّعها، يكون مصمماً ليقدّم تدريباً تعليمياً ومعرفياً متواصلاً لمختلف الفئات العمرية ابتداءً من مرحلة الطفولة وحتى مرحلة التعليم العالي، عبر ترسيخ فكر الاندماج الثقافي وإدخال مناهج توعوية ساندة في فروع المعرفة كافّة، أو توجيه مناهجها بما يخدم وجود تراكم معرفي ثقافي تنطلق منه الأجيال القادمة، وبحسبها فإنّ هذه الإجراءات جميعها لا يمكن لها أن تعمل بالكفاءة المطلوبة دون توفير خدمات توثيق وأرشفة مستمرة في جميع المؤسّسات المعنية بالثقافة العراقية.
بذور الأسئلة
يبدو أنّ موضوعة استعادة الوعي أو ترميمه، موضوعة شائكة وتحتاج إلى كثير من العمل المؤسّساتي والاجتماعي، تبدأ من لحظة زراعة بذور الأسئلة، والبحث عن جدوى هذه المهمة الشاقة، التي ستكون بلا فائدة ما لم يؤمن المجتمع بأهمية نشوء وعي حقيقي، قادر على هضم تأريخ العراق وحضارته ومكانته الاجتماعية، ليس ضمن حدود الوطن فحسب، بل ضمن حدود العالم أجمع، وعي سيكون جدار صدّ حقيقي لمجابهة أمراض باتت مستعصية داخل جسد المجتمع، وعي قادر على أن يجعلنا ننظر إلى المستقبل دون خوف أو ريبة، دون خشية من المجهول، هذا ما تراهن عليه الأمم العريقة، هذا ما راهن عليه أسلافنا القدماء، الذين شيّدوا أقدم الحضارات وأرقاها.