لماذا يلهث خريجو الجامعات العراقية خلف الوظائف الحكومية؟

181

إياد عطية الخالدي /

(زين محمد) ترك وظيفته في البنك المركزي العراقي، ومضى خلف حلمه في فضاء القطاع الخاص، وحقق النجاح والمال. (تقى) تخرجت عام ٢٠١٧ وافتتحت مشروعها الخاص الذي ينسجم مع أفكارها، لم تضيع دقيقة في البحث عن وظيفة حكومية. دوائر الدولة تكاد تنفجر بالموظفين، والمئات من الخرجين يتظاهرون أمام أبواب الوزارات طمعاً في الحصول على وظيفة.
حتى قبل أن يضع قدميه في الجامعة، يظل طموح الطالب العراقي وعائلته محصوراً بالحصول على الوظيفة الحكومية، تلك ثقافة عراقية غذّتها عوامل اجتماعية واقتصادية لمجتمع عاش طويلاً تحت رعاية، أو أبوية، الحكومات، ولاسيما بعد مرحلة اكتشاف النفط، وبناء أنظمة شمولية سيطرت على مفاصل الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وهي عوامل جعلت المواطن، وحامل الشهادة الجامعية خصوصاً، يتعكز على وظيفة حكومية لبناء حياته، فالراتب المحدد سلفاً والامتيازات الوظيفية هما أقصى طموحات أغلب الخريجين.
مع هذا، فثمة العديد من قصص النجاح التي حققها خريجون زهدوا بالوظيفة الحكومية، وبنوا مشاريعهم الخاصة التي وفرت لهم دخلاً لا يمكن لأية وظيفة حكومية أن تحققه، بل إن بعضهم تخلى عن الوظيفة ليلاحق حلمه في فضاء الحياة الواسع، فالوظيفة قد تحقق لك دخلاً يوفر متطلبات الحياة ويحميك من الفقر، لكنها لن تجلب لك الرخاء، ولن تبلغ من خلالها أحلامك الكبيرة.
تقى ومكتبة نيسابا
بينما تترقب (ريام الصافي)، التي تخرجت قبل تسع سنوات في أحد المعاهد العراقية، أملاً بدأ يتلاشى بمرور السنين للحصول على وظيفية حكومية، خاضت فيه رحلة طويلة بين وزارات الدولة، حتى أنها وضعت أكثر من طلب تعيين في كل وزارة عراقية، فإن (تقى محمد) التي تخرجت في كلية القانون- الجامعة المستنصرية عام ٢٠١٧ لم تنتظر وظيفة حكومية، بل انخرطت في القطاع الخاص لتبدأ مشروعها وهو مكتبة نيسابا، مشروع يتناغم مع شغفها بالكتب والقراءة وتمكين الشباب وتشجيعهم على القراءة.
وإذا كانت ريام لاتفكر بخوض مغامرة العمل في القطاع الخاص التي تصفها بالصعبة على الرجال فكيف على سيدة شابة مثلها كان أملها هو الحصول على وظيفة حكومية، فإن تقى محمد رفضت أن تضيع وقتها في السعي للحصول على وظيفة، وتعتقد أن الوظيفة تقتل طموحات الناس ولا تبني قدراتهم، وأن الانسان يعيش حياته بانتظار راتبه نهاية كل شهر.
البطالة
طبقاً لآخر إحصائية أصدرتها وزارة التخطيط عام 2018 بلغت نسبة البطالة بين الشباب نحو 22 بالمئة. الإحصائية التي أعلنها الجهاز المركزي للإحصاء أشارت إلى أن “البطالة لدى الشباب الذكور بلغت 18.1%، في حين بلغت لدى الإناث نسبة 55%” وبينت : “نسبة معدلات مشاركة الشباب في القوى العاملة قد بلغت 36.1%”، مبينة أن”الذكور الشباب شكلوا نسبة 61.6% مقابل 8.8% للإناث الشابات.” لكن صندوق النقد الدولي تحدث في أيار 2018 عن نسب أعلى عن البطالة بين الشباب مبيناً أن معدل بطالة الشباب في العراق يبلغ أكثر من 40%. وقد ارتفعت نسب العاطلين بين مختلف الشرائح منذ تفشي فيروس كورونا الذي ألحق أضراراً بالغة بالاقتصاد العراقي بسبب تراجع أسعار النفط في السوق العالمية، وتشيرُ إحصائياتُ وزارةِ العمل والشؤون الاجتماعية إلى أنه في العام 2019 وحده سجّل سبعة آلاف من حَمَلة شهادات الماجستير والدكتوراه أسماءهم ضمن قوائمِ المعوزين لدى الوزارة.
زين محمد يترك الوظيفة
منذ تخرجه قبل ستة أعوام لم يترك (محمد رزاق) باباً إلا وطرقه للحصول على وظيفة حكومية، لكن من دون جدوى، وهو يرى زملاءه قد حصلوا على وظائف حال تخرجهم بل إن بعضهم حصل على وظيفة حتى قبل التخرج!
ويقر البرلمان بوجود تعسف في توزيع الدرجات الوظيفية، ويؤكد النائب (المستقيل) رائد فهمي، الذي كان يتحدث للصحفيين، المعلومات الواردة بشأن ممارسات فساد وبيع وشراء الدرجات وتوزيعها خلافاً للضوابط والمعايير، وتحويل هذا الموضوع إلى مشروع سياسي للأحزاب بهدف كسب الأصوات الانتخابية.
وفيما يفكر محمد والعديد من الخريجين بالسفر إلى خارج العراق إذا لم يحصلوا على وظيفة بأي راتب يمكنهم من الاعتماد على أنفسهم، يبدو أنه في ظل الأزمة الاقتصادية التي يمر بها البلد بات اليوم حلماً بعيد المنال، فإن (زين محمد)، مهندس البرمجيات، الأول على دفعته، ترك بنفسه وظيفة يحلم بها آلاف الخريجين حصل عليها عن طريق جامعته للعمل في البنك المركزي العراقي، ومضى يؤسس لمشروعه الخاص بمشاركة اثنين من أصدقائه، فكان مشروعه كافيه ومطعم الفيصلية.
يعترف زين أنه واجه، ولم يزل، صعوبات حقيقية في بناء مشروعه، فهو يومياً بمواجهة مؤسسات دولة كل همّ موظفيها الحصول على حصتهم من مشروعه، وما أكثر الجهات التي يصطدم بها، تبدأ بالبلدية ولا تنتهي بالصحة! بينما كنا نأمل أن تدعم الحكومة مشاريع الشباب وتشجعهم، ولطالما التقى زين بمسؤولين ونقل لهم ظروف العمل وطالبهم بدعم الشباب.
مع هذا، فإن زين فخور بمشروعه وتعلم كيف يدافع عنه “أمام جهات حكومية تريد أن تضعك دائماً في موقع المتهم،” على حد تعبيره، مضيفاً “مرّت عليّ أيام من الخذلان لم أنم فيها، لكني تجاوزتها وهاهو مشروعي يكبر وأتاح عشرين فرصة عمل للشباب الذين يعملون معي.”
يعمل زين الآن على حث الحكومة لتحسين مناخ العمل في القطاع الخاص، إذ يصطدم هذا القطاع ويتضرر أيضاً بالفساد والروتين والعقبات الطويلة التي تواجه الشباب في فتح المشاريع الخاصة وتسجيل الشركات.
تواجه الحكومة يومياً مظاهرات لخريجيين يطالبون بتعيينهم في مؤسسات تكاد تنفجر بأعداد موظفيها الفائضين أصلاً عن حاجتها، والذين تضطر الدولة إلى بيع نفطها وتوزيعه بينهم على شكل مرتبات، بل ومع تراجع أسعار النفط باتت تقترض مليارات الدولارات لإنفاقها على شكل رواتب لموظفين أغلبهم (نكرر) فائضون عن حاجة المؤسسات التي يفترض أن يعملوا لمصلحتها.
وتخرِّج الجامعات العراقية سنوياً نحو ١٨٠ ألف خريج، لا يجدون وظائف حكومية، ولا يسعهم القطاع الصناعي والاستثماري المتراجع، وقد تركت سنوات الفشل وسوء التخطيط والإدارة آثارها على واقع يبسط إخطبوط الفساد أذرعه على كل مفاصله، وحيث يظل الرهان على حماسة الشباب ومبادراتهم في تحسين حياتهم وعدم الاستسلام لهذا الواقع.
التعكز على الوظيفة
يعتقد الكاتب (جواد غلوم) أنه ينبغي على الشباب، ولاسيما خريجي الجامعات، عدم التعويل على الوظيفة الحكومية بل ينبغي أن يجتهدوا لخلق فرص عمل مناسبة لمهاراتهم وميولهم في القطاع الخاص، مبيناً أنه يسمع كثيراً عن تذمّر الجيل الشبابي الحالي، ولاسيما الطلبة الذين أنهوا تحصيلهم الجامعي وظلوا عاطلين عن العمل.
كما يعتقد غلوم أن من الخطأ أن نغرس في نفوس الطلبة ثقافة الحصول على وظيفة براتب محدّد، لأن هذا يعني خلق شخصية عاجزة متراخية وفاقدة الهمّة والحافز على الإبداع والابتكار.
ويلفت غلوم إلى النجاحات التي يحققها الشباب في الابتكار وخلق المشاريع وتجسيدها تجارياً لتحقيق أعلى الأرباح والثروات والمراكز الاقتصادية، مشيراً إلى أن أفكار الشباب استحالت إلى مشاريع عملاقة، وصار أصحابها من أثرياء العالم، ناهيك عن رفع مكانة شعوبهم ودولهم، ولاسيما في مجال تكنلوجيا المعلومات والاتصالات.
ضمانة العيش
من جانب آخر، يعتقد الباحث التربوي (صالح الصياح) أن ثقافة الوظيفة خلقتها الأنظمة الاستبدادية التي حكمت العراق، ولاسيما في العهد الملكي وما قبله، فقد عانى العاملون في القطاعين المهني والزراعي من الاضطهاد والتهميش، بينما عاش العاملون في الوظائف الحكومية في مستوى أفضل، مبيناً أن هذه الثقافة استمرت وخلقت شخصية مستكينة بلا طموح، وحتى الثروة التي تحققت بفعل النفط فإنها عملت على تنمية الإحساس بأن الوظيفة هي ضمانة العيش الرغيد، إذ يشاع في الأوساط الشعبية تسمية الموظف بـ (ابن الحكومة)، ولاسيما أن الحكومات اعتنت بالموظف ومنحته امتيازات لم يحصل عليها العاملون في القطاع الخاص.
ويرى الصياح أن المبادرات الفردية في إنشاء مشاريع خاصة مهمة وتمثل اللبنة الأساسية للتقدم وتحقيق تنمية واسعة، لكن هذه النشاطات لا تكفي مالم تتدخل الدولة بثقلها لدعم القطاع الخاص وخلق بيئة استثمارية تدعم إنشاء مشاريع كبرى وتخلق حوافز العمل التعاوني لدى الناس عبر تأسيس شركات كبرى في مختلف القطاعات، لهذا ينبغي على الحكومة تمكين الشباب وتشجيع المشاريع العلمية التي تسهم بنقل البلد إلى مراحل متقدمة ورعاية أصحابها، ووضع خطط وخرائط عمل تشجع الشباب على دخول ميادين العمل الخاص في المجالات التي تسهم بدعم الاقتصاد العراقي.
وطالب الصياح الحكومة بإنشاء مراكز للبحث العلمي والابتكارات ودعم أصحابها، إذ أن الاستثمار بالإنسان يعد أفضل أنواع الاستثمارات، مشيراً إلى أن القروض، بدون فوائد أو بفوائد بسيطة، من عوامل تحفيز الشباب على الخلق والابتكار.
وتساءل الصياح عن استحداث عشرات الكليات ذات التخصصات التي لا تجد لها فرص عمل، متسائلاً عن سبب اختفاء المعاهد المهنية التي تحتاجها سوق العمل، التي يمكن صقلها بالدراسة والتدريب في هذه المعاهد، وتساءل “ما معنى أن يتخرج آلاف الحقوقيين لينخرطوا لاحقاً في مهن التبريد والكهرباء وأعمال البناء والديكور ومهن أخرى؟ أين اختفت المعاهد التي تدفع بإيدٍ عاملة تحتاجها السوق العراقية والأجنبية؟ وما سر هذا الهوس بالشهادة الجامعية في مجالات تنحسر فرص التوظيف والعمل فيها؟”
وطالب الصياح الشباب والطلبة وعوائلهم بالانخراط في دراسة وتعلم تخصصات وأعمال تحتاجها السوق، وألا يضيعوا سنوات جهدهم من أجل شهادة قد تجلب لهم وظيفة حكومية.
أسباب النجاح
يقول الحقوقي (علاء رزاق) إن خريجي الجامعات يعتقدون أن التعيين في الوظيفة الحكومية حق مكتسب لهم، وهذا ليس صحيحاً، إن مسؤولية الدولة تجاه جميع المواطنين خلق فرص عمل لهم، وفي حال لم يحصلوا على تلك الفرصة فإن مسؤولية الدولة تجاههم هي توفير أسباب العيش والرعاية الصحية، وبالطبع فإن الدولة تتحمل المسؤولية في خلق أفضل المناخات للعمل في القطاعات الخاصة دون تمييز بين مواطنيها.
ويقر رزاق بوجود ثقافة التردد والاتكالية على الوظيفة، لكنه يرفض أن يتحمل الناس المسؤولية في تجذير هذه الثقافة، فالشباب يرون أن الموظف يتمتع بحياة مستقرة، ويحصل على امتيازات في السكن والقروض لا يحصل عليها العامل في القطاع الخاص، السياسات الحكومية كرّست هذه الثقافة للأسف من خلال إهمالها للقطاع الخاص وتحويل الإيرادات النفطية إلى أموال تهبها الحكومة لشريحة تعنى بها الدولة تسمى الموظفين.
ويلفت علاء النظر إلى قصة شاعت في وسائل التواصل الاجتماعي لطيار دانماركي استغنت عنه شركته بسبب تفشي فيروس كورنا، لكنه رفض أن يجلس في البيت معتمداً على مساعدة الحكومة، وانتقل ليعمل في النظافة كسائق لآلية رفع القمامة، وبالطبع هنا، في العراق، يفضل الكثيرون العيش على المنحة بدلاً عن العمل في وظيفة جمع القمامة، لأنهم يعتبرونها مهينة، وتساءل علاء “ماذا يفعل الموظفون إذا ما استغنت الحكومة عن خدماتهم؟”
لاشك أن الثقافة الاجتماعية العراقية قسمت المهن إلى مهن جيدة وأخرى مهينة، مع أن العمل كله مهم ومفيد، وهذه الثقافة جعلت كل خريج يبحث عن مكتب يمضي فيه ساعات عمله من دون إنتاج، وهي التي جعلت المسؤول العراقي ينظر إلى التوظيف في الدولة على أنه ورقة يلوح بها في جمع أنصاره للفوز بالانتخابات.
يقول (علي الساعدي)، رئيس اتحاد الصناعيين العراقي، إن الحكومة ينبغي أن تساهم بشكل فاعل في إعادة الحياة إلى القطاع الصناعي الخاص، لكي يجذب الأيدي العاملة، ويمكن لهذا القطاع استيعاب الملايين، لكنه بحاجة إلى جملة من القوانين والتسهيلات المصرفية، والقضاء على الفساد والابتزاز، وهي أمور تساعد على بناء نهضة صناعية تتوفر كل أسبابها في العراق.
ويشير الساعدي إلى أن المصارف العراقية، بما فيها المصرف الصناعي، تضع شروطاً تعجيزية أمام الصناعيين، بدلاً من تقديم عروض مفيدة بأرباح معقولة، إن هذه المصارف تطلب ضمانات عقارية من أصحاب المشاريع أكبر من قيمة القروض وهو أمر لا يساعد على دفع القطاع الخاص المتهالك للنهوض والمنافسة.
وأشار الساعدي إلى أهمية تكييف قوانين الدولة لشمول العاملين في القطاع الخاص بضمانات الحماية والضمان والتقاعد ومساواتهم مع الموظفين في تعاملات الدولة المختلفة، مشدداً على أهمية أن تكون المرتّبات في القطاع الخاص تكفي لمتطلبات المواطن المعيشية.
ولفت إلى أن الإصلاحات الاقتصادية للحكومة تستند على خلق فرص هائلة للخريجين في القطاع الخاص، وهنا يتعين على الحكومة مراجعة قوانينها وإطلاق توجيهات تسهل على الأفراد والشركات الحصول على قروض من المصارف بشكل ميسر، والتصدي لكل ما يعيق عمل المستثمرين، ودعم المشاريع والاستثمارات الصناعية الكبيرة التي
تخلق فرص عمل كبيرة للشباب.