هل تسهم الطاقة المتجددة في حل أزمة الكهرباء؟

638

إياد عطية الخالدي /

تقدر حاجة العراق من الكهرباء بنحو 30 ألف ميغا واط، فيما تبلغ أعلى مديات إنتاجه نحو 16 ألف ميغا واط، وقد فشل على مدى ثلاثة عقود في تأمين حاجته من الكهرباء على الرغم من المبالغ الضخمة التي رصدت لتحقيق هذا الهدف.
وإنها لمفارقة مؤلمة أن يكون البلد الذي اكتشف الكهرباء يعاني من نقصها، إذ تشير التنقيبات الى أن العراقيين استخدموا الكهرباء قبل ألفي عام.
فقد اكتشف علماء الآثار وعاءً من الطين مربوطاً بسلك نحاسي ما إن يضاف إليه عصير العنب وقضيبان من الحديد في الإسطوانة ثم القطران، فإنه يولد كهرباء بقدرة بسيطة وأن ماحدث في القرن التاسع عشر من ثورة في مجال الكهرباء لم يكن اختراعاً إنما هو تطوير لفكرة اكتشفها العراقيون!
وفيما تتوجه دول العالم، ولاسيما تلك التي تعاني من نقص الطاقة الأحفورية كالنفط والغاز والفحم، الى البحث عن بدائل جديدة تسهم في الحفاظ على الطاقة، فإن العراق تخلَّف عن التقدم العالمي في مجال الطاقة المتجددة وهو الذي كان من الدول الرائدة التي عنيت بطاقة المستقبل المتجددة.
قصب السبق
في منتصف السبيعنات من القرن الفائت أظهر مهندسو الطاقة العراقيون اهتماماً بالطاقة المتجددة، وبدأوا بنشر بحوثهم في هذا المجال، وفي مطلع الثمانينات من القرن عملت الدولة على إنشاء مركز بحوث الطاقة، هذا المركز الذي انتج بحوثاً قيِّمة تحوَّل قسم منها الى مشاريع عمل.
واستمرت البحوث والدراسات والتطبيقات التي عنيت بالطاقة النظيفة، كما تقول الست يسرى السعدون، عضو مركز بحوث الطاقة الذي تولى تنفيذ العديد من المشاريع، كما نجحنا، بحسب المهندسة يسرى السعدون، في إنشاء أول معمل لإنتاج الخلايا الشمسية بعد أن اقترح مجلس البحث العلمي عام 1988 قيام التصنيع العسكري بصناعة خلية شمسية تستخدم لإنتاج الكهرباء في المناطق النائية .
وقالت السعدون، التي كانت ضمن كوادر مركز الطاقة الشمسية: لقد خاض الباحثون العراقيون سباقاً كبيراً فيما بينهم في بحوث الطاقة، ولا سيما بعد أن نجحوا بتخفيض كلفة انتاج “البيت العراقي الشمسي”، الأمر الذي دفعهم الى إنشاء مشروع الفضيلية لإنتاج الطاقة، وإنتاج السخان الشمسي، إذ تمثل الشمس في العراق أكبر مصادر الطاقة المتجددة، لكن بحوث المركز استمرت في مختلف أنواع الطاقة وجرى إنشاء أكثر من مشروع لاستغلال طاقة الرياح في ذلك الوقت. وكان التقدم الذي حققه العراق يمثل حالة استثنائية في منطقة الشرق الأوسط.
وبيّنت المهندسة يسرى أن مشاريع “مركز بحوث الطاقة”، كان من بينها إنتاج السخّان الشمسي الذي جرت عملية تسويقه بأسعار تشجيعية للمواطنين، ولكن يعد إنشاء شقق أبي نوّاس أول تجربة عراقية لاستغلال الطاقة الشمسية حيث إنيطت مهمتها الى شركة يابانية وكانت تجربة فريدة في الشرق الأوسط.
مشروع أبي نوّاس
يستذكر د. محمد الطيب، مدير قسم الدراسات الاقتصادية في وزارة الكهرباء، ذلك المشروع الرائد في المنطقة كلها حينها، ليس بسبب استخدامه للطاقة الشمسية فحسب بل لجماليته المعمارية، إذ جرى ترشيحه الى جائزة (أغا خان)، وهي أهم جائزة معمارية في العالم للأعمال التي تزاوج الحداثة والتقنيات بالعمارة التراثية المحلية آنذاك.
ويظهر الطيب الكثير من الأسف والحزن على ما آل اليه المشروع بعد أن خربت منظموته الشمسية، فقد تشوهت واجهات الشقق واختفت الخلايا الشمسية من أسطحها التي اعتلتها المبردات وأجهزة التكييف وتشابكت حولها أسلاك المولدات.
كانت هذه الشقق تعتمد في كل ما تحتاجه من طاقة كهربائية وتبريد وتدفئة ومياه حارة على الطاقة الشمسية.. ويرتبط بها متنزه رائع بهندسته ونباتاته وأشجاره وربما اختفى هذا المتنزه .”
مصدر لاينضب
وفي الواقع فإن العراق يمثل مصدراً لاينضب للطاقة النظيفية وخاصة الشمسية والرياح، التي يمكن تحويلها الى مشروع مستقبلي لتصدير الطاقة النظيفة في العالم الذي بدأ بالفعل يتوجه الى ضخ استثمارات كبيرة في هذا المجال، فقد استثمرت دول أوروبية، في مقدمتها ألمانيا، الطاقة الشمسية في الصحراء المغربية وعملت على تصنيع محطات للطاقة المتجددة، كما عمدت كل من الإمارات والسعودية ومصر الى إنشاء مشاريع كبيرة للطاقة المتجددة.
وحتى في الشمال البارد تستغل ألمانيا بحر البلطيق من خلال إنشاء توربينات كبيرة ترتفع الى مئة وخمسة عشر متراً، وتبني ألمانيا المزيد لإنتاج الطاقة في البحر.
وتستخدم الطاقة المعتمدة على الرياح والطاقة الشمسية على نطاق واسع في البلدان المتقدمة وبعض البلدان النامية، وهناك بلدان وضعت خططاً لزيادة إنتاجها من الطاقة المتجددة بنسبة 20% من استهلاكها عام 2020 وبينها بريطانيا.
سفير العراق في مؤتمر الطاقة
الاهتمام بالطاقة المتجددة لم يكن وليد الصدفة، فقد اهتم (مجلس الطاقة العالمي)، وهو المجلس الأعرق عالمياً، بالطاقة المتجددة، ومن المؤمل أن يشارك العراق في فعاليات الدورة الرابعة والعشرين من مؤتمر الطاقة العالمي 2019 التي ستعقد في أبو ظبي، كما تستضيف أبو ظبي المقر الرئيس للأمانة العامة للوكالة الدولية للطاقة المتجددة “أيرينا”، وهذه هي المرة الأولى التي تقوم فيها وكالة دولية باختيار مدينة في منطقة الشرق الأوسط كمقر لها.
وتهدف المنظمة، التي مثل العراق في مؤتمرها الفائت سفير العراق في دولة الإمارات العربية، من دون معرفة علاقة السفير بعلوم الطاقة المتجددة لكنه أمر يرغمنا أن نفسر عدم الجدية في استفادة البلاد من مؤتمرات هذه الوكالة، التي تهدف الى تعزيز الانتقال نحو استخدام الطاقة المتجددة على نطاق عالمي ومساعدة الدول النامية والمتقدمة على تحسين الأطر التنظيمية وبناء قدراتها في هذا المجال.
قاعدة علمية
ومنذ تسعينات القرن الماضي توقفت جهود العراق في مجال الطاقة النظيفة وحُلَّ مركز بحوث الطاقة، لكن أزمة الكهرباء المريرة أعادت الجهود للتفكير جدياً في استثمار الطاقة النظيفة، لاسيما وأن العراق يتميز بوجود قاعدة علمية وتجارب سابقة في هذا المجال، لكن المعضلة الأساسية تتلخص بتوحيد الجهود وتنظيمها وتوفير المال اللازم لاستثماره.
وقد قدم مهندسون عراقيون نماذجَ ناجحة لاستثمار الطاقة الشمسية في منازلهم تؤكد قدرة العراقيين على تطوير قطاع الطاقة النظيفة فيما لو توفر لهم الدعم.
يؤكد ذلك الدكتور محمد أبو الطيب رئيس قسم الدراسات الاقتصادية في وزارة الكهرباء الذي أشرف على جميع الأنشطة الخاصة بطاقة الرياح وطاقة الهيدروجين (توقف العمل به عام 2009)، وأثمر ذلك عن مجموعة من الأنشطة منها مشاريع تنفيذية. ويضيف: قمت مع زملائي بإنجاز أول مشروع سقي وإرواء في صحراء محافظة كربلاء المقدسة بقدرة ضخ 150 متراً مكعباً باليوم، ونصب أول توربين رياح في بغداد بقدرة 20 كيلوواط ضمن حدود جامعة النهرين في الجادرية على شاطئ نهر دجلة، وإنتاج خريطة الرياح الصفرية للعراق، وكذلك الإشراف على عدد من الدراسات والبحوث وأطاريح طلاب الماجستير والدكتوراه في مجال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
وأشار الى أن العراق أدخل في الثمانينات تقنيات الطاقة الشمسية الحرارية والكهربائية لأول مرة، فقد أنجز بناية المركز في الجادرية والتي تعد مفخرة معمارية جميلة بشكلها المميز، والتي تم تصميمها استناداً الى معطيات الإشعاع الشمسي والأنواء الجوية العراقية، وتم الاعتماد على الطاقة الشمسية في تشغيل منظومة التدفئة والتبريد فيها، وبقدرة 120 طن تدفئة وتبريد، وكانت أول وأكبر بناية على مستوى العالم تستخدم الطاقة الشمسية للتبريد حتى منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
وأشار أبو الطيب الى أن وزارة الصناعة أنشأت في بداية الثمانينات أول مصنع لإنتاج الخلايا الشمسية بشكل متكامل من الإنماء البلوري للسليكون وانتهاءً بتصنيع الألواح الشمسية وبقدرة إنتاج سنوية 4 ميكاواط.
محاولات وجهود
وأوضح الدكتور محمد أبو الطيب أن هناك مجموعة من المراكز البحثية المتخصصة في مجال الطاقة المتجددة بمصادرها المختلفة، كالشمسية والرياح والنفايات البلدية، والحكومية منها تتوزع بين 3 وزارات، هي وزارة الصناعة الحاضنة التاريخية لهذه النشاطات، ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي ووزارة العلوم والتكنولوجيا، التي تم للأسف حلها ودمجها مع وزارة التعليم العالي. للأسف تعاني كل هذه المراكز من ضعف الإمكانات وقلة التخصيصات المناسبة لأنشطتها، كما أنها تفتقر للمعدات والمختبرات الأساسية، وإن كان بعضها يمتلك أجهزة متقدمة مثل مركز بحوث الطاقة المتجددة والبيئة في هيئة البحث والتطوير في وزارة الصناعة.
وفي وزارة الكهرباء حالياً قسم متخصص بإقامة وتنفيذ مشاريع الطاقة المتجددة في دائرة التخطيط والدراسات، وله أنشطة مهمة في هذا المجال، منها الإعلان عن مناقصة إنشاء مشاريع طاقة شمسية إنتاجية بقدرة 755 ميكاواط في 6 مواقع في وسط العراق وجنوبه، والإعلان عن مناقصة تجهيز منظومة شمسية منزلية (يمكن الاطلاع على تفاصيلها في موقع الوزارة)، والعمل على إعداد قانون الطاقة المتجددة في العراق، والعمل على إعداد مدونة ومتطلبات الربط مع الشبكة الوطنية الكهربائية.
ونوّه أبو الطيب الى أن أهم المشاكل التي تعاني منها هذه الأنشطة هي قلة التخصصيات المتاحة لها بشكل عام، وأن ما أضعف المراكز في وزارة الصناعة والعلوم والتكنولوجيا الفوارق في الرواتب والامتيازات بين العاملين فيها وأقرانهم في التعليم العالي، ما أدى الى انتقال الكثير من حمَلة الشهادات في هذه المراكز الى التعليم العالي.
وأكد أن هناك مجموعة من المشاريع في مجال الطاقة المتجددة من بينها محطة السقي والإرواء في محافظة النجف الأشرف 2008-2009 وكانت الأولى من نوعها، وكانت تجربة ريادية بمعنى الكلمة لصالح هيئة الإرشاد الزراعي في وزارة الزراعة، وقد أدى نجاحها الى سعي المزارعين لبناء منظومات مشابهة، فانتشر في المنطقة الكثير من هذه المنظومات، “لم تكن خبرتنا كبيرة في وقتها، لكن الله وفقنا واستطعنا إنجازها بمبالغ بسيطة وبجهود قياسية، اذ تم إنجازها في شهر آب، وفي ظروف عمل صعبة للغاية”.
وشدد على أن هناك رغبة حقيقة في تطوير قطاع الطاقة المتجددة في العراق، وهناك جهود حثيثة في هذا المجال، والمشكلة الأساسية تكمن في جانبين: أولهما قلة التخصيصات المالية المعدّة لدعم هذه الانشطة، وثانيهما غياب جهة مركزية ترعى هذه الأنشطة، وهناك الآن جهات كثيرة تعمل في هذه الأنشطة، ولكن لا توجد جهة عليا مثل هيئة وطنية للطاقة المتجددة او أية جهة عليا تعمل على التنسيق والتكامل بين هذه الجهات.
وقال إن المهندسين العراقيين لديهم الإمكانات لصنع منظومات الطاقة الشمسية المنزلية التي تخدم كثيراً المساكن البعيدة عن الشبكة الكهربائية، تتكون هذه المنظومات من سخّان شمسي لضمان الحصول على الماء الحار شتاءً، ومنظومة ألواح شمسية مع بطاريات مناسبة يمكن أن تزود البيت او المحل التجاري او المركز الصحي بالطاقة الكهربائية لتشغيل الأجهزة الأساسية كالتلفزيون ومبردة الهواء والإنارة. وحالياً تم الاتفاق مع مصرف الرافدين من خلال وزارة الكهرباء ووزارة الصناعة على تقديم قروض بشروط ميسرة لمن يرغب من المواطنين بشراء هذه المنظومات.
انتاج
من جهته.. أكد رئيس هيئة الاستثمار الوطنية سامي الأعرجي أن المشاريع الاستثمارية للطاقة المتجددة في العراق وصل انتاجها إلى 1000 ميغا واط.
وقال الأعرجي إن “عدداً من الشركات للقطاع الخاص والأجنبي رفدت الشبكة الوطنية خلال الصيف الماضي بـ1500 ميغا واط”، معرباً عن أمله بـ “تزويد محافظة بغداد بقدرة إضافية مقدارها 2500 ميغا واط”.
فيما قال رئيس هيئة استثمار البصرة، المهندس علاء عبد الحسين سلمان، إن اتحاد شركات أليانس ترغب بالاستثمار في انتاج الطاقة المتجددة في البصرة، وهي اتحاد من 66 شركة أوروبية , ويهدف المشروع إلى استثمار 1.5 مليار دولار في تطوير طواحين هواء لتوليد الكهرباء في المحافظة.
علماً أن هذه المشاريع لاتعدو سوى خطوات على طريق إنتاج الطاقة التي يمتلك العراق كل المقومات التي تجعله في طليعة الدول المنتجة لها، وتجعله دائماً في صدارة الدول المصدرة لجميع انواع الطاقة ولاسيما الطاقة النظيفة.
إلا أن التقدم العلمي في هذا المجال تباطأ بعد عام 2003 بحسب باحثين في المركز، وتبيع بعض المحال التجارية في بغداد وأربيل أنظمة للطاقة الشمسية يتم نصبها على أسطح البيوت لتحويل أشعة الشمس إلى طاقة كهربائية حيث تخزن الألواح الشمسية الطاقة في بطارياتها خلال النهار ليتم استخدامها في الليل،
وهذا يجعل استخدام الأنظمة الشمسية ممكناً حتى عندما يكون الطقس مغبراً أوغائماً، ولكن في بلد مثل العراق يتمتع بنحو 300 يوم مشمس في السنة، لا تعد الغيوم أو الأمطار مشكلة أساسية.
جعفر الأنباري
أراد جعفر الأنباري، وهو أستاذ جامعي ومهندس، إنتاج طاقة خاصة به في منزله، فبنى نظاماً كهروضوئياً يعمل على مدار الساعة، تبلغ كلفته 10.000 دولار على مدى 9 سنوات.
ويقول إن إنتاج المرء لطاقة خاصة به هو أكثر كفاءة من الاعتماد على المولدات.