وحدات سكنية صغيرة بدلاً من الحدائق الزاهية.. تفتيت المنازل الكبيرة يغيّر وجه بغداد ويشوّه أحياءها الراقية

325

إياد عطية الخالدي – تصوير:صباح الامارة /

بدءاً ونحن نشير الى الاحياء الراقية، نقول ان في كل مدينة في العالم احياء راقية والتي تحولت في مدن مثل القاهرة وبيروت وباريس واسطنبول وغيرها الى مواقع سياحية لجمال حدائقها وهندسة بيوتها القديمة خاصة، هذه المقدمة كي لا يحاول احدهم ان يتهمنا بالطبقية او الانحياز الى فئة دون اخرى، انما ننحاز الى بغدادنا ومدننا محاولين المحافظة عليها ومطالبين في الوقت نفسه بتوفير لخدمات العامة لكافة المناطق.
لم يعتقد (كريم الياسري) أن الأقدار ستقوده يوماً ليكون أحد سكان الوزيرية، ولطالما تجول الياسري في شوارع هذا الحي الراقي، حيث البيوت الفارهة والحدائق الزاهية بنباتات تنبعث منها الروائح الزكية كالكاردينيا والشبّوي، وتتدلى من أسوارها أغصان الأشجار المحمّلة بالثمار، لكن الحي الهادئ الجميل، الذي كان العشاق يمضون فيه أجمل ساعاتهم.
لم يعد هو ذاك الحي الذي عرفه الياسري قبل عشرين عاماً، فقد قُطِّع العديد من بيوته الكبيرة التي تصل مساحة البيت الواحد منها إلى ١٢٠٠م إلى بيوتات صغيرة لاتتجاوز مساحة الكثير منها الخمسين متراً. استطاع الياسري الحصول على قطعة صغيرة من بيت كبير جرى بيعه حسب المساحة التي يطلبها المشتري،وشيد عليها بيته.
وعلى الرغم من صغر مساحته، فإن الياسري يبدي ارتياحه وعائلته بالسكن في الوزيرية التي مازالت تحتفظ بالكثير مما يميزها عن باقي أحياء العاصمة التي نالتها عملية تقطيع البيوت الكبيرة إلى بيوتات أصغر مبكراً. وعلى الرغم من أنه استبدله بسعر بيت بمساحة كبيرة في حيّه السابق، الذي يعاني من نقص الخدمات ويفتقر إلى الكثير منها، التي تتمتع بها الأحياء الراقية في بغداد.
شهدت الأحياء الراقية، في بغداد خصوصاً، تغييراً طال ملامحها الطبيعية والاجتماعية بسبب هدم البيوت الكبيرة وتقسيمها إلى بيوت أصغر مساحة، وهو أمر يهدد بنشوء أحياء ذات أزقة صغيرة، ولاسيما أن عملية التغيير مستمرة، إذ أن عشرات البيوت الكبيرة يجري هدمها وتحويلها إلى قطع أراض تباع إلى أقسام بمساحات صغيرة وحسب طلب المشتري وإمكانيته المادية. وعلى الرغم من أن هذه العملية تجري بخلاف القانون، لكن السلطات المختصة لا تتدخل، وفي هذه الحالة لديها ذريعتها.. وهي أزمة السكن! التي لا تعني تغيير وجه المدينة، وإلا فإن ما يجري مخالف حتى لشروط السكن الصحية.
أمر واقع
يقول المسؤولون في أمانة بغداد إن تقسيم الوحدات السكنية أصبح أمراً واقعاً بسبب تراكم المشاكل المتعلقة بالسكن، وعدم قيام الدولة لفترات طويلة ببناء مجمعات سكنية أو توزيع قطع أراض على المواطنين.
كل ذلك دفع الأهالي إلى تقسيم هذه المساحات بعدما زاد عدد أفراد الأسرة الواحدة، رغم أن القانون العراقي لا يسمح بتقسيم الوحدة السكنية إلى أقل من 200 متر.
وبينما تغري الأسعار الخيالية، التي تصل إلى أربعة آلاف دولار للمتر الواحد في مناطق بغداد الراقية أو التجارية، العديد من سكانها الأصليين ببيعها واستثمار أموالها، فإن آخرين يرفضون تلك المغريات ولا يتخلون عن
بيوتهم الكبيرة التي بات بقاؤها يمثل جزءاً من الحفاظ على ملامح الأحياء وهويتها.
يقول (طارق عادل)، أحد سكان منطقة نجيب باشا الأصليين، إن جدّه الذي كان مدرساً حصل على قطعة أرض في هذا الحي الجميل الذي سكنه الموظفون أيام العهد الملكي وبداية الجمهورية، إذ جرى توزيع أراضيه بمساحة ٨٠٠ و١٢٠٠متر، وكانت هذه المساحة تتيح بناء البيت وسط قطعة الأرض، في حين كانت العائلات تحرص على وجود حديقتين: أمامية وخلفية، فقد كان الاهتمام بالحديقة ووجود من يرعاها ويديمها أمراً طبيعياً بالنسبة لكل سكان هذا الحي والأحياء الأخرى. وفي الغالب فإن البغداديين كانوا يزرعون نخلتين أو ثلاث نخلات، كما يهتمون بوجود أشجار الزيتون والحمضيات في حدائقهم، فضلاً عن أشجار الزينة، ولاسيما الآس والشبوي والورد السلطاني وشجرة المينا ذات الورود الزاهية.
وأضاف أن عملية تفتيت البيوت الكبيرة بدأت بشكل متسارع بعد عام ٢٠٠٣، حين أغرت الأسعار العالية الكثيرين على بيع دورهم، وأغلبهم هاجر بحثاً عن حياة أخرى في أوروبا والدول المجاورة. ومنذ ذلك الحين تغيرت منطقتنا، واستقبلت سكاناً جدد، فضّلوا السكن في مساحة صغيرة عن السكن في مناطقهم، أو المناطق الزراعية التي يجري تجريفها وتحويلها إلى مناطق سكنية.
وأكد طارق أنه لايمكنه التفكير بالتخلي عن منطقته وبيته، مثل الكثير من سكان هذه المنطقة الذين صمدوا أمام المغريات ولم يفرطوا ببيوتهم وحدائقهم، وهؤلاء هم الذين حافظوا على بقاء الحي جميلاً وراقياً بشكل ما، ولولاهم لتحول الحي إلى منطقة لا تختلف عن العشوائيات حيث تتلاصق البيوت بعضها بالبعض الآخر وتتلاقى أبوابها وتضيق على أهلها، فلا يبقى من سبيل أمام الأطفال سوى الشوارع. ويشير طارق إلى أن مستوى الخدمات انخفض بسبب ازدياد عدد السكان الذين سكنوا الحي.
أما من الناحية الاجتماعية، فيعتقد طارق أن مستوى السكان الجدد جيد، وأغلبهم يبحثون عن حياة اجتماعية أفضل، قسم منهم اندمج بسهولة معنا، وحتى تداخلت العوائل من خلال الزواج، ويستدرك: لكن بصراحة هناك أشخاص لديهم المال، لكنهم لا يتصرفون بشكل جيد، ولم يتخلصوا من الكثير من العادات السيئة، حتى أطفالهم حولوا الشوارع إلى ملاعب شعبية.
النخيل والزيتون
يستذكر (موسى السوداني)، وهو بستاني عمل في مختلف الأحياء التي كانت تسكنها الطبقة المتوسطة منذ ثمانينيات القرن الفائت، إيقاع الحياة في ذلك الوقت، حين كان الهدوء يعم هذه المناطق التي تميزت ببيوتها الجميلة وحدائقها الزاهية.
يقول السوداني إن عشرات البستانيين كانوا يجوبون الأحياء السكنية للعناية بحدائقها، وإنه تعلم هذه المهنة من خلال عمله في المشاتل، التي على الرغم من كثرتها، كانت لا تلبي طلبات البغداديين، ولاسيما في المناطق التي تحدث عنها، حيث الاهتمام الاستثنائي بالحدائق.
يتذكر السوداني: كان في منطقة الكريعات لوحدها أكثر من مئة مشتل كبير لمختلف النباتات، كما كانت مشاتل الأعظمية تتميز باهتمامها بزراعة نباتات الزينة، ونحن كبستانيين وفلاحي حدائق كنا نلبي الطلب المتزايد على خدماتنا، فقد كنت أقسم أيام الأسبوع بين الشوارع، وأقسم اليوم بين الجيران كي أتمكن من الاعتناء بجميع الحدائق، وهكذا كان يفعل أقراني من العراقيين والمصريين.
يضيف السوداني: كان أغلب السكان يهتمون بزراعة النخيل في حدائقهم، وأثناء جنيِه يوزع الجيران التمر بينهم، أو على المتعففين الذين كنت أشاهدهم يتجولون في المنطقة يجمعون الحمضيات التي تسقط من الأشجار المتدلية على أسوار البيوت.
وكان موسى، المنهمك في رعاية حديقة صغيرة استغل صاحبها الرصيف وزرعها، يؤكد أنه عمل في هذا البيت منذ مطلع التسعينيات، وكان يضم حديقتين كبيرتين، لكن صاحبه تخلى عنهما وباع الحدائق مقابل سعر كبير.
ويوضح موسى أن عملية تفتيت المنازل الكبيرة، وتحولها إلى شقق ووحدات سكنية صغيرة، جعل الطلب على فلاحي الحدائق ينخفض، وقد تخلى العديد من العاملين عن هذه المهنة، وراحوا يتعلمون مهناً أخرى، أو يسعون إلى الوظيفة الحكومية، وبدلاً من الروائح الزكية التي كانت تنبعث من المشاتل،
ولاسيما مشاتل الأعظمية، صار العابرون والسكان يشمون الروائح الكريهة منها بفعل تحولها إلى دكاكين لبيع الحيوانات الأليفة التي ازدهرت على أنقاض مهنة الجمال والورد بسبب شغف الناس بتربيتها ولاسيما الكلاب والقطط.
الهروب من مناطق الأوحال
تقول (كميلة العكيلي) إن زوجها أقنعها بشراء قطعة أرض بمساحة ٤٠ متراً في الوزيرية رغم أن سعر القطعة يكفي لشراء منزل كبير في منطقة الحسينية، لكن تراجع الخدمات في تلك المنطقة هو الدافع لها ولأغلب الناس بالعيش في مسكن صغير بالكاد يكفي لسكن شخصين أو ثلاثة أشخاص، لكنه أفضل من السكن في مناطق تغرق شوارعها بعد كل زخة مطر، وتغطي الأوحال أسواقها، ويضطر أطفالها إلى السير حفاة الأقدام إلى مدارسهم، ناهيك عن كون المناطق التي توصف بالراقية، أو أحياء الطبقة المتوسطة، قريبة من الدوائر الحكومية والمشافي، وأنها يمكن أن تستبدل بيتها الصغير ببيت أكبر في مناطق بغداد المنخفضة الأسعار متى ما ارتفع مستوى الخدمات فيها.
في الواقع، فإن عملية تفتيت المنازل وتجريف الأراضي الزراعية وتحويلها إلى مساكن عشوائية أو الى مولات ومشاريع تجارية أسهمت في تصحير بغداد، فهذه المدينة التي يبلغ عديد سكانها 8 ملايين نسمة والتي تتميز بمناخها شبه المداري القاري، إذ تتجاوز درجة حرارتها الخمسين درجة مئوية صيفاً، خسرت بسبب ما حدث غطاءها النباتي الذي بات يؤثر سلباً في بيئتها ومناخها، فكلما تقلصت كثافته يؤدي إلى زيادة الشعاع الشمسي ويزداد معدل التبخر وانخفاض معدلات الأوكسجين مقابل ارتفاع نسبة ثاني أوكسيد الكاربون، وازدياد مخاطر التلوث، وهو أمر قد يجعل بغداد مدينة غير صالحة للعيش. إنها لمفارقة كبيرة أن تكون أغلى العقارات في العالم في واحدة من المدن المصنفة كأفقر المدن في الخدمات التي ترفع من مستوى المعيشة فيها، إذ تتفوق أسعار العقارات في بغداد على نظيراتها في دول مثل تركيا واليونان ومدن بريطانية وفرنسية، وتحتل المرتبة الأولى عربياً إلى جانب دبي وأبو ظبي.
واقع صحراوي
يقول رئيس لجنة الزراعة والمياه (سلام الشمري)، في بيان له نشر على صفحته في الفيسبوك، إن عمليات التجريف التي تعرضت لها أغلب المدن، ولاسيما بغداد، جعلتها تعيش واقعاً صحراوياً، بحسب تعبيره.
يضيف: لقد حاولنا في لجنة الزراعة وقف عمليات التجريف والتفتيت واتصلنا بمختلف الجهات الحكومية، غير أن تلك المطالبات جوبهت بالإهمال.
يعتقد الشمري أن الحل لمعالجة هذا الواقع الأمثل هو “زيادة نسبة المساحات المزروعة بالأشجار والنباتات ذات القابلية على التأقلم مع الأجواء الحارة الجافة، ما يقلل من نسبة الغبار داخل المدن.”
ويضيف أن “ما يجري اليوم من تفتيت لقطع الأراضي والمنازل الكبيرة هو أمر مخالف للقانون، لذا فإن الأمانة لا تمنح إجازت البناء لمثل هذه المنازل.” مضيفاً أن “هناك غرامات مالية وعقوبات يفرضها القانون على المخالفين، لكنها على الأغلب غير مطبقة.”
ويلفت إلى أن هذه الأساليب من البناء تزيد الأحمال على البنى التحتية أكثر من قدراتها المحددة، ما يتسبب بإلحاق الضرر الفادح بها، وبالتالي عجزها عن تقديم الخدمة المطلوبة، إضافة إلى ما تلحقه من عملية تشويه لمعالم العاصمة.
ووفقا لأمانة بغداد، فإن هناك نحو ٣٥٠ تجمعاً سكنياً عشوائياً، تلتصق بأحياء بغداد، الأساسية، وتتقاسم معها الخدمات السيئة، فضلاً عن العشوائيات في حزامها، وهي من التحديات التي تواجه الحكومة، والتي يتوجب عليها تعويض سكانها بوحدات سكنية أو قطع أراضٍ.
فشل إداري
يعتقد الاقتصادي(خالد العضّاض) أن أزمة السكن هي السبب الأول في الكثير من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والخدمية التي تعاني منها بغداد والمدن العراقية الأخرى، ومن المؤسف أن الحكومات فشلت في معالجة الأزمة وتداعياتها بفعل الفساد وفشل أنظمتها الإدارية، لقد رأينا كيف ضُربت كل القوانين التي تنظم الحياة والتخطيط العمراني والبيئي لبغداد عرض الحائط على يد المسؤولين عن حمايتها.
وقال إن المواطنين زحفوا إلى الأحياء التي توصف بالراقية، وارتضوا السكن في وحدات صغيرة بمساحات لا تتجاوز الخمسين متراً هروباً من الأحياء المهمشة التي تفتقر إلى الخدمات. وبالطبع فإن هذا الزحف رفع أسعار العقارات إلى أرقام خيالية أغرت أصحابها الذين لم يتردد الكثير منهم في بيعها،
وبالتالي تغير الكثير من معالمها وزاد الضغط على بنيتها التحتية من طرق وشبكات صرف صحي، وحتى مدارس ومستشفيات، إلى حد الاختناق، ناهيك عن نشوء المناطق العشوائية بمحاذاتها، في عمليات استحواذ للمساحات التي تحيط بتلك المناطق، وبالتالي مشاركة الأحياء الخدمات التي تتمتع بها، وهو فشل حكومي ناتج عن عدم توفير الخدمة إلى أحياء بغداد كافة والمناطق المحيطة بها.
قرارات
سبق لمجلس الوزراء أن أصدر قراراً يقضي بمنع تحويل الأراضي الزراعية إلى سكنية إلا وفق ثلاثة شروط، هي أن يكون البناء غير مخالف للتصميم الأساسي، وأن تكون مبنية بشكل مجمع سكني، وأن يكون البناء من المواد الثابتة. كما صدرت تعليمات حكومية للدوائر البلدية تمنع تفتيت المساحات الكبيرة إلى مساحات صغيرة أو تحويلها إلى ما باتت تعرف بالقيصريات، وهي بيوت كبيرة بمساحة تتجاوز الألف متر مربع للبيت الواحد الذي يجري تقسيمه إلى وحدات سكنية بمساحات صغيرة. غير أن هنالك تهاوناً في تطبيق القوانين، إذ يدفع أصحاب المنازل المشيدة مبالغ عالية عن كل وحدة سكنية مقابل السكوت عن أداء الواجب وتنفيذ القانون.
ويمكن القول إن بغداد نالت الحصة الأكبر في أوسع عملية لتجريف الأراضي الزراعية وتحويل المناطق الخضراءوالمشاتل إلى مشاريع كونكريتية، وإلى تفتيت وتشويه مناطقها السكنية الراقية وتغيير معالمهما وتهديم مبانيها التراثية، ما ألحق بالعاصمة ووجهها ندوباً كبيرة لايمكن معالجتها بسهولة نتيجة لهول الخراب وإخفاق مؤسسات الدولة على النهوض بواجباتها.
وفي مساعٍ منها للحد من التجاوزات وخرق القوانين، أصدرت مستشارية الأمن الوطني قرارها المرقم 160 لسنة 2017 المتضمن منع دخول المواد الإنشائية إلى الأراضي الزراعية، والتوصية بتشكيل قوة عسكرية تتم الاستعانة بها في إزالة التجاوزات ومنع تجريف البساتين، ودعم عمل مديرية الحراسات والأمن التابعة لأمانة بغداد، ومفاتحة مجلس القضاء الأعلى بإيقاف إقرار التعليمات الخاصة بنسب الأسهم والتريث بتنفيذه من قبل التسجيل العقاري.
ومع أن هذا التحرك جاء متاخراً بعد أن تحولت بغداد إلى مدينة (كونكريتية)، وجرى تفتيت أراضيها بوحدات صغيرة غيرت معالم العاصمة وأرهقت الأحياء وأسهمت في قصور الخدمات المقدمة لها، إلا أن عمليات تقطيع أوصال الأحياء مستمرة، جنباً إلى جنب مع ارتفاع عديد العشوائيات واستمرار عمليات تجريف المناطق الخضراء والاستحواذ على الأراضي المملوكة للدولة وتحويلها إلى مناطق سكنية كأمر واقع من الصعب معالجته في ظل الفوضى الكبيرة التي يعيشها البلد.