آشور بانيبال المكتبة الأقدم في التاريخ

224

آية منصور /

لم تترك أرض الرافدين شيئاً في التأريخ إلا ودونته كأول الابتكارات. وكما برع سكان هذه الأرض في اختراع كل ما له علاقة ببدء الحضارات، تمكنوا كذلك من ترك بصمتهم في المجال الثقافي والأدبي، وذلك بترتيب أفكارهم ووضعها بشكل مكتبة، كانت وما زالت، هي الأقدم والأثمن في التأريخ، لما تحويه من ألواح وكتب معرفية وبحثية كثيرة.
3000 سنة تحت الأرض
ظلت مكتبة آشور بانيبال آلاف السنين تحت التراب لفترة امتدت نحو 3000 سنة لتعاود الظهور إلى الحياة مجدداً في القرن التاسع عشر. وسبقت المكتبة الآشورية مكتبة الإسكندرية الشهيرة بما يقارب الثلاثمئة عام لتصبح أول مكتبة مكتشفة من عصر فجر السلالات، حين اكتشف ألواح مكتبة آشور بانيبال، عن طريق الصدفة، الرحّالة والمستكشف البريطاني أوستن هنري لايارد، ثم تابع التنقيب والبحث من بعده مساعده الآشوري ابن الموصل “هرمز رسّام”، وقد وجدوا هذه الألواح تحت حطام غرف التخزين قرب قصر الملك آشوربانيبال، وقد احتوت على الكثير مما يخص حضارة العراق القديم لعصور مختلفة من الحضارات السومرية والأكدية والآشورية.
وما تم إيجاده من هذه الألواح نقل إلى المتحف البريطاني، ومنذ تلك المرحلة المبكرة بدأ العمل دون هوادة على فك الرموز التي كتبت بها تلك الألواح، حتى صنفها المتحف في خمس مجلدات محفوظة داخله بصنوف التاريخ الأدبي، ومكتبة الملك الخاصة، ومكتبة المعبد، والمراسلات الملكية والرسمية، والعقود والمواثيق.
آلاف الألواح
لم تكن مكتبة آشوربانيبال مجرد محاولة أولية لتثبيت قدم الحضارة والتأريخ، بل كانت مكتبة عظيمة وضخمة في وقتها، إذ حوت كل شيء تقريباً، فقد اختلف المؤرخون والباحثون على كمية الألواح التي احتوتها، إلا أن من المرجح أنها احتوت على ما يقارب الألف وخمسمئة مجموعة من الألواح الصلصالية، وكل مجموعة احتوت على العديد من الألواح، فأصبح مجموع ما تحتويه المكتبة يقرب من خمسة وعشرين ألف لوح مكتوبة بالخط المسماري الآشوري في مختلف نواحي المعرفة الإنسانية والعلوم المتنوعة، ومنها مجالات الفلك، والري، والطب والهندسة، وغيرها، إضافة لاحتوائها على لوحات تاريخية قيمة جداً غطّت نحو 1200 موضوع مختلف.
مكتبة القصر الخالدة
كما ويذكر أن المكتبة كانت موجودة في القصر الملكي التابع للملك آشور بانيبال، وقد وضع جميع الألواح داخلها، معنوناً إياها بجملة طويلة، ألا وهي “قصر آشور بانيبال، ملك العالم، ملك الآشوريين، الذي يؤمن بآشور وننليل، والذي أعطاه نابو تاشميتو آذاناً صاغية، والذي وهب نفاذ البصيرة… حكمة نابو، إشارات الكتابة، مهما كانت أعدادها المبتكرة، قد كتبتها على الألواح، ورتبت الألواح في سلاسل، وجمعتها، ولأجل تأملاتي وتلاواتي الملكية وضعتها في قصري”.
جمع آشور بانيبال في قصر جده سنحاريب ما جمعه من الألواح، إضافة لما ورثها عن جده، ثم قرر بناء قصر جديد له، فكوّن داخله مكتبة ثانية بألواح جديدة كلياً، لذا لم يعثر على جميع الألواح في مكان واحد، بل كان أغلبها متناثراً، ما يعني أن القصور قد تعرضت للتخريب أثناء هجوم على نينوى عام 612 ق. م.
جلجامش كان في المكتبة
من أهم وأبرز ما وجد في داخلها كانت ملحمة قصة الخلق (إينوما إليش) المدوَّنة بالأحرف المسمارية على سبعة ألواح تتطرّق إلى سبعة أجيالٍ حول خلق الكون والبشر، وتم اكتشافها عام ١٨٤٩م.
ومن أهم ما كان حاضراً داخل مكتبة آشوربانيبال، أيضاً، ألواح ملحمة جلجامش الإثنا عشر والتي تم اكتشافها عام ١٨٥٣م، وتم حفظها في المتحف البريطاني. وتعد ملحمة جلجامش أقدم قصة كتبها الإنسان، بعد أن كان متوقعاً، او متصوراً، أن الأدب الإغريقي هو الأقدم، وكتبت بخط مسماري باللغة الأكادية.
ثورة الحضارات والأديان
كما ساعدت هذه المكتبة -بعد اكتشاف قصصها- العالم على معرفة أن قصة الطوفان وغيرها كانت موجودة قبل مئات السنين من كتابة التوراة، وأن مصدر التوراة في تلك الجوانب هم أهل العراق القدامى الذين أخذ عنهم العبرانيون هذه القصص خلال الأسر البابلي.
الملك المولع بالعلم والأدب
وتعقيباً على ذلك، يؤكد الأستاذ في كلية الآثار/ جامعة سامراء، عباس إبراهيم: “أن أول مثال على اهتمام العراقيين بكتابات أسلافهم وحرصهم على جمعها كان من مدينة آشور القديمة إذ جمع الملك الآشوري توكلتي ــ ننورتا الأول (1244 ـ 1208 ق.م) نصوصاً بابلية ليكوّن منها مكتبة ضخمة لم يتم اكتشافها حتى اليوم”.
“وقد أسست مكتبة آشور بانيبال في نينوى بعد أن جمعت واستنسخت نصوصها من شتى أرجاء بلاد الرافدين لتحفظ في مكان واحد هو -مكتبة آشور بانيبال- لغرض دراستها والعودة إليها عند الحاجة، وتدل كثرة الألواح فيها على أن هذا الملك استخدم طائفة كبيرة من العلماء والكتّاب لتنظيمها وكتابتها”.
خلية المكتبة الآشورية من بابل
ويرى السيد عباس:”أن مدينة نينوى غدت في السنوات الأخيرة من وجودها السياسي مركزاً لمدرسة من المترجمين واللغويين يصح أن تسمى الأكاديمية الآشورية، وأن من خلال حكم آشور بانيبال اعتنى الطلاب وشرعوا بتحرير الكثير من النصوص”.
“واتبع الملك الكتابات المكتوبة على الطين والخشب والألواح، واستنسخ النماذج السومرية والأكدية، وقال: (أنا كتبت ودققت وجمعت هذه الألواح من خلال الموظفين والطلاب وقد جمعت وكتبت النسخ الأصلية القديمة)”.
“وكان، كما يوضح لنا أهم كُتّاب آشور بانيبال Zeru – Lesir هو الذي أسهم بكتابة العديد من الألواح الطينية وتوثيقها بنفسه، ويؤكد كذلك أن البابليين هم الذين ثقفوا الملك وهذبوه وبنوا في صدره حب العلم”.
ويضيف الأستاذ موضحاً:”حينما تثقف على يدهم، أمر بنسخ جميع الألواح المخطوطة أو أن ينقلوها حيثما عثروا عليها، كما أنه أمر بنقل المخطوطات السومرية إلى الآشورية، فمن مكتبته وصلتنا قصة البطل السومري كلكامش وقصة تكوين العالم والنص البابلي لقصة الطوفان.