أحلام كوراساوا

48

مقداد عبد الرضا /

منذ زمن طويل وأنا أدور في فلك السينما ومشاهدتها والمتعة والاستقرار النفسي والوجودي الذي تسببه، هذه المشاهدات لها الفضل في بقائي محباً لها, من جملتها رأيت أفلاماً جمّة يتعلق موضوعها بالأحلام, أحلام نوم وأحلام طفولة وأحلام يقظة, هذه الأحلام حوّلها أشخاصها إلى حكايات مسلية ورائعة في الوقت نفسه، وما المخرج فيديريكو فلليني إلا نموذج ساحر لهذا النوع من القص, تعالوا لنشاهد واحداً من أجمل أفلامه, أتذكر أو أماركورد, كل ذاكرته هي أحلامه في هذا الفيلم الرائع, أسأل أحياناً: ألسنا نحن بشراً ونحلم كبقية أبناء الأرض؟ إذاً لماذا ليست لنا القدرة على تسجيل تلك الأحلام حتى وإن كان ذلك عن طريق خطوط بسيطة قد تنفع الذين لا يحلمون، أو عذراً، الحالمين طويلاً؟
الطفل يشاكس الطفل، يريد أن يعرف ماذا يعني كل هذا السحر وهذا الجمال الذي يغلف السماء، كل هذا الفضاء الخلاب الذي يمنح هذا الهدوء والسعادة؟ الشمس تحمي المطر وتراقبه، الأطفال عادة لهم أسئلة محيِّرة وكبيرة أحياناً تتطلب أجوبة. يسأل الولد أمه التي حدثَته عن زواج الثعالب، متى يحدث هذا الزواج؟ تجيبه الأم في الوقت الذي تبدأ السماء فيه بالمطر، أو الضحك، كما يحلو لنا أن نسميه. الأولاد لهم فضول عجيب يحاول أن يخرج ليشاهد هذا الزواج طالما أن المطر ينهمر في الخارج و يأخذ قوس القزح بخياله ويدفع به إلى رفض الأم وممانعتها وأن هذه المشاهدة ستسبب له عقاباً شديداً، لكن الولد لم يعد يأبه بإطاعة الأوامر أمام هذا السحر الخلاب ويهرع ليشاهد هذا الزواج تحت هذه القبة المستديمة. لكنْ للعصيان عقاب، تحمل الأم خنجراً وتطلب من ابنها الذي عاد إلى البيت أن يقتل نفسه لأنه عصى الأوامر.
وعندما يصل الابن إلى فردوس الخوخ يتلقى العقاب الآخر، وهو قطف أزهار الخوخ، وتلك مهمة صعبة على طفل أن يواجه كل هذا الفضاء الشاسع، لذلك نجد أن فوضاه أوسع من تنظيمه. يبدأ بتقطيع الأوراق بقسوة، ما يدل على الفوضى التي تعم روح الإنسان وعدم انتظامه مع ما يدور حوله من جمال أخّاذ. إن الإنسان ليست له القدرة على اكتشاف الطبيعة، وحينما يتحداها تجده يقبع تحت رحمتها راجياً الخلاص، عاصفة الثلج تضرب التحدي وتطيح به فماذا يظل؟ يظل الرجاء والرحمة والخنوع، هذا الرجل يغطيه الثلج فلا يملك سوى الطاعة طالما يقال إن هناك ضوءاً عند نهاية النفق، في هذا النفق الذي لا يبدو أن له نهاية طالما أن الإنسان موزَّع بين طموحاته الشخصية وخياله في محاولة للحصول على إنسانيته بأية طريقة.
تبدأ الحروب، الجنود القابعون في هذا النفق وهذا الجو القاتم لا يسمح لهم برؤية هذا الضابط القادم إليهم، كلبٌ يعوي وقد عُلقت في رقبته أصابع ديناميت، يسير الضابط بخطوات خاسر حرب، وحينما يحاول الوصول إلى نهاية النفق يجد هناك ضابطاً آخر يؤدي له التحية ويخبره بأنه قد شاهده يموت أثناء المعركة! يرفض الضابط هذا الحديث ويتهم الضابط الآخر بالهلوسة والكوابيس. يمتثل الضابط للأمر ويؤدي التحية العسكرية، ويبدو المشهد مثيراً للسخرية جداً حينما تصدر الأوامر بالاستعداد والتحية كي يلقي الضابط خطاباً كبيراً فيهم.
هذا النهوض للكتيبة هو أكبر صيحة احتجاج على الحرب والموت والدمار، إنه احتجاج كوراساوا على الخلل الذي يجتاح روح الإنسان ويجعل موازينه قلقة. طموح الحرب، طموح الخسائر والموت حتى في الربح، يلقي الضابط الخطاب ويخبرهم أنهم جميعاً أموات وأنه هو المسؤول عن هذا الموت. يؤدي الجميع التحية وبصعوبة وسخرية، يستديرون للعودة إلى داخل ذلك النفق المعتم, العودة إلى الطبيعة مرة أخرى ولون الشمس الأصفر الباهت الذي يعود بنا إلى بناء فان كوخ الجميل.
الغِربان تحلِّق في الجو, فان كوخ طاغٍ بحبور كبير وكأن المخرج يقارن بين نفق الحرب وهذا الجمال الأخّاذ, لنتذكر أن كوراساوا مغرم بلوحات فان كوخ، ومن هناك جاءت التحية وجاء السلام. إن الإنسان بطبيعته يعد واحداً من أجمل النماذج على سطح الأرض اذا لم تُزج روحه في أتون المنفعة الشخصية والتسابق المفزع. نعود مرة أخرى إلى غضب الطبيعة القاسي وجبل فوجي والحِمم التي تصدرها البراكين, هذه الانفجارات هي التحذير الكبير الذي يؤكد رجحان كفة الطبيعة على روح الإنسان والتحذير الكامل له, الناس في فزع ورعب يهربون من هذا الغضب ويحاولون أبداً التوسل، وأثناء هذا الهروب نجد أن هناك امرأة أعدت خطاباً شديداً ضد من خطط لكل هذا الرعب وتلك البرامج النووية التي يتسابق بها الكبار للحط من قدرة الصغار، الأجساد التي تتلوى ألماً كأنها قد تحولت إلى مومياوات لا تقوى على الإتيان بأية حركة.
الطبيعة الجميلة في الحلم الأول هنا قد تحولت إلى لون الموت، لون الرماد، المومياوات تتحرك كأنها آتية من زمن سحيق تثير الغرابة والخوف، يلتهم بعض منها بعضاً آخر بشهية مروعة كأن المخرج أراد أن يقول لنا إنه عصر الزومبي، علينا بالحيطة والحذر، الحيطة والحذر ممن وأمام من؟ إنه الغول الكبير الذي بات قريباً من موتنا جميعاً, على الرغم من كل هذا التناقض الذي وضعنا فيه المخرج ومحاولته تأكيد رجحان كفة الخوف والريبة والموت المقبل لا محالة, إلا أنه في الجانب الآخر يستعين بمعرفته الكبيرة والإنسانية ليؤكد لنا أنه من المستحيل محو روح الإنسان من على سطح الأرض.