أرنديرا الطيبة التعويض بالجسد

434

مقداد عبد الرضا /

واحدة من قصور معرفتنا بخارطة العالم هي قلّة الهمّة لدينا في تصفح هذه الخرائط, هناك من استطاع ان يرسم حدود بلاده بالاخلاص والمقدرة الفائقة, فبدون ذلك (لايمكن العبور الى الجهة الثانية من الطريق), متعددة هي طرق الابداع, وواحد من هذه الطرق هو طريق السينما, التي يقول عنها اندريه بازان “تحل محل ابصارنا عن طريق يتطابق مع رغباتنا.”

لكن كيف يمكن ان يتحول هذا التطابق الى استفزاز او صدمة؟ لامناص في حالة كهذه من اللجوء الى مصل المعرفة، اذ هو الذي يعصف بكل تدوين باهت سجلته الملاحظة في لوح الذاكرة. اسوق هذه المقدمة البسيطة بعد مشاهدة ممتعة لشريط (ارنديرا) الذي كتب قصته قبل سنوات غابريل كارسيا ماركيز واخرجه البرتغالي روي غيرا. في كتاب (سينما الحقيقة) يذكر المؤلف ان هذا الفلم يكتسب اهميته من مؤلف الرواية وواضع السيناريو له, لكني هنا اختلف مع الكاتب, صحيح ليس هناك فلم ارتقى الى مستوى رواية الا ماندر, وان الأفلام الكبيرة هي التي تكتب مباشرة الى السينما, لكن هنا استطاع المخرج ان يتصدى للكاتب ويعيد قراءة الرواية بطريقة تختلف تماما عن الصورة السردية التي انجزها ماركيز. لقد كان ساحراً ثانياً في امتاعنا بصرياً, لانملك إلا أن نصفق لهذه البساطة الصعبة في حركة الكاميرا وروح الممثلين بتجسيدهم محنة الناس الاسوياء امام قسوة الأراذل , , البساطة, البيت تلتهمه النار, لانشاهد البيت يحترق لكننا نرى النتيجة, ستارة يلامسها لهيب شمعة, يغلق المخرج العدسة ثم يفتحها على هشيم, لقد أتت النار على البيت بكامله، احترق, بساطة كبيرة وحس عال, عميق المعنى,, في احايين كثيرة تقودنا الحاجة الى الابداع, الاستعاضة ببديل يهز معرفتنا, هذه هي صفة هذا الفيلم, فتكاليف انجازه بسيطة تماماً, لكن في المقابل يقف خلفه مخرج برأس شاعر, لم تكن السينما البرتغالية معروفة من قبل العالم, لكن الإصرار جعلها محط ترحاب, وهاهو المخرج (روي كيرا) يدخل بقوة في الكثير من المهرجانات عبر هذا الفيلم,, يفتتح الفيلم بمشهد نرى فيه قبرين وسط صحراء, تنسحب الكاميرا الى الخلف, بقطع سريع الى قفا امراة (ايرين باباس) تستحم حيث تسهر على راحتها حفيدتها الصغيرة,, يقول ماركيز: في احدى الليالي كنت في جزيرة مهجورة في الكاريبي, والتقيت بطلفة في الحادية عشرة من عمرها ومعها امراة, ربما كانت جدتها, لقد كانت تجبرها على ممارسة الدعارة, كانتا تتبعان الاعياد الدينية لكل قرية وتذهبان اليها اثناء احتفالاتها، ينصبون الخيمة ومعهم الموسيقيون والكثير من الشراب, ظلت هذه الصورة عالقة في ذهني, الفتاة بقيت تطاردني, لقد هزتني من الاعماق,, انها مخلوقة رقيقة مجبرة على احتراف الدعارة، قصر مؤثث بشكل كبير, تسيطر عليه امراة عجوز, الحفيدة لاتملك سوى ان تلبي, اوامر تأتي, ممنوع الرفض حتى اثناء الرقاد, طلبات العجوز كثيرة امام هذه العصفورة الصغيرة, اضناها التعب ذات مساء, , انكفأت على وجهها ونامت, انكفأت الشمعة التي تحملها بيدها لامست الستارة المعلقة, احترق القصر, , لكن العجوز لاتزال تجلس وسط اكوام الحرائق والنفايات, عليك ان تدفعي كل خسائر البيت من جسدك, يزنها البقال، يحدد لها ثمناً رخيصاً, تصرخ العجوز, انها مع بكارتها تساوي الكثير, يدخلان في مساومة يحسمها البقال لصالحه, , يطرح الفتاة, تصرخ, تصرخ, تظل تصرخ, ثم تهدأ حيث لامقاومة ولا انفعال, لقد قضي الامر, هاهي مفتوحة العينين لكل قادم آخر, تستسلم ببرود قاتل, وكأن الامر ليس مع جسدها, يزداد عدد الزبائن, يتحول الى طابور,, من الصباح وحتى وقت متاخر, هذه الليلة تمكن صبي بعمر الفتاة ان يتسلل الى خيمتها, الى قلبها, الى عمق رقتها وانسانيتها, انه الحب. وسط هذا الجدب, تستسلم له تماما, ولاول مرة تتحدث هذه الفتاة, هذا الصبي الملهوف اوجد لها آدميتها, في الصباح الباكر ياتي رجال الدين وياخذون الفتاة لتعيش في دير, تبقى العجوز وحيدة في خيمتها وسط وهج الصحراء,, تتوسل, تتوسط في استعادة الفتاة وتفلح, وتستلقي الفتاة مرة اخرى فوق السرير وتخمد جذوتها, يحاول الفتى ان يقنعها بالهرب معه, يحاولان, لكن المحاولة تبوء بالفشل, عقله يتفتق عن اجراء رائع, لقد وضع بعض السم في طبق الحلوى المعد للعجوز, تاتي عليه باكمله, وفي مشهد من أعذب المشاهد وأرقاها اختزالاً استطاع المخرج ان يختزل اليوم باكمله في دقيقة واحدة وبلقطة واحدة, العجوز تاكل الحلوى, , تشعر بالغثيان, تقوم من كرسيها, تتحرك باتجاه السلم, تتحرك معها الكاميرا, , تصعد بصعوبة وهي تدمدم وتستلقي فوق السرير, تخفت الإنارة, تنام, تتوهج الإنارة مرة اخرى ليأتي يوم جديد, العجوز لم تمت, تصحو, تنزل الى الاسفل, تنزل معها الكاميرا, هاهو الصباح مرة اخرى, انه مشهد آسر نفذه المخرج بطريقة ذكية معتمدا على الانارة وحركة الكاميرا, لم تمت العجوز, لكن شعرها بدا يتساقط, يجن الصبي, يفجر ديانمايت وتشتعل الخيمة, والعجوز لاتزال على قيد الحياة,, الشرور لاتغادر بسهولة,, ينقض عليها ويطعنها بسكين, يتدفق الدم بغزارة, دم لونه ازرق, الفتاة تنظر في كفها, خطوط الكف تتوسع وتكبر وتتحول الى صحراء مترامية الاطراف, تجري الفتاة وتنزع عن العجوز كل قطع الذهب, , تجري بكل قوتها وسط الصحراء, صحراء يجاورها بحر, انها تسير في الاتجاه المعاكس, الى الصحراء,, تتحول اثار اقدامها على الرمل الى اللون الازرق, الصبي ينادي على الفتاة, الفتاة لاتسمع, الفتاة تتلاشى وكانما الصحراء قد ابتلعتها, الى اين؟ الى الانعتاق, الحرية, الى فضاء اخر, عالم اخر تجد فيه راحة الجسد, ان اهم مايميز الفيلم هو شاعرية الكاميرا وحركتها المنسابة وبراعة المصور والانارة التي كانت تنافس حتى اداء الممثلين, اعتمد المخرج على حركة (الشاريو) كثيرا وقد تفوق ويصعب ان تجده في افلام اخرى, برعت ايرين باباس بدور الجدة المتسلطة, وكذلك الحفيدة كلايدبا اوهانا, هذا الفيلم هو درس بليغ على البراعة التي حرك فيها المخرج خيوط لعبته ونأى بعيدا عن سرد ماركيز للرواية.