أسطورة الخليقة البابلية.. صراع الآلهة في بلاد الرافدين

543

محمد جواد/

ورث البابليون منذ مطلع الألف الثاني قبل الميلاد المنجزات والأساطير السومرية والأكدية وطوروها وأضافوا لها وجعلوها على أفضل وجه. ومن تلك الأساطير أسطورة الخليقة بعنوانها البابلي (حينما في العلى) وباللغة البابلية ( إينما إيلش) وكانت مدونة بالشعر البابلي على سبعة ألواح من الطين ومجموع أبياتها زهاء ألف بيت شعري. عثر على معظمها في مكتبة الملك آشور بانيبال في نينوى.

أصل الوجود والآلهة

وتستند الأسطورة الى أصول سومرية أقدم عهداً وموضوعها الرئيس يدور حول تمجيد الإله مردوخ، الإله الرئيس للبابليين منذ حكم الملك حمورابي. أما الآشوريون فقد جعلوا آشور الههم الرئيسي بدلا من مردوخ بطلا لهذه الأسطورة .

وتتحدث الأسطورة عن أصل الوجود والآلهة وخلق الإنسان. كان الإله (أبسو) هو مياه العمق الصافية والإلهة ( تيامة) المياه المالحة منذ بداية الوجود. ثم تعاقبت السنون فجاء الى الوجود الآلهة الأبناء، وأراد الأب ( أبسو) أن يقضي على أبنائه لضجيجهم وصخبهم لكي يعم الهدوء فيستطيع النوم لكن أحد الأبناء وهو (أيّا) إله الحكمة استطاع أن يقتل ( أبسو) وينتزع منه تاج الإلوهية وسكن في مياه العمق (الأبسو) مع زوجته ( دام – كنّا). وفي حجرة الأقدار والمصائر، ولد ابنهما (مردوخ) ورُبي على الرضاعة من أثداء الإلهات. وصارت له أربع عيون وأربع آذان وحين تتحرك شفتاه ينبعث منهما اللهب.

لكن تيامة أرادت الانتقام من الإله ( أيا) قاتل زوجها ( أبسو) فحرضت الآلهة العتيقة يتزعمهم الإله ( كنكو) الذي تزوجته ( تيامة) فتملك الخوف والرعب جيل الآلهة الحديثة واضطربوا ولم يعرفوا كيف يواجهون خطر( تيامة).

قوى مردوخ السحرية

وقد جرت مساعٍ للصلح لكنها لم تفلح فظل الوضع متأزماً. وتذكر بعض الآلهة الحديثة أحد الأحفاد وهو الإله ( مردوخ) فاستدعوه وعهدوا إليه منازلة (تيامة) فقبل لكنه اشترط ان تكون له السلطة العليا المطلقة على جميع الآلهة، فاجتمع مجلس شورى الآلهة وقرروا تتويجه ملكاً عليهم وعلى جميع الكون. وللتأكد التام من قوى مردوخ السحرية وضعت الآلهة في الوسط رداء او عباءة، فلما نطق مردوخ اختفى الرداء، ولما نطق ثانية عاد الرداء الى الوجود. وهذا يذكرنا بقول القرآن الكريم إن الله إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون والمقصود بذلك أن القدرة الإلهية في خلق أي شيء متجسدة في لفظ الشيء أو نطقه.

وتبدأ المعركة بين الآلهة وأتباعها وحيواناتها وأسلحتها الرهيبة. وفي الأفلام الأميركية نرى نسخة من هذه المعركة كما في أفلام (سيد الخواتم – الهوبت –) وفلم أنجلينا جولي بدور الملكة الساحرة ذات جناحي الطير.

اللوح السابع

وفي نهاية المعركة يقتل مردوخ ( تيامة) ويشطر جثتها شطرين ويجعل من جسمها الأعلى السماء ومن نصفها الأسفل خلق الأرض وخصّص لكل إله رئيسي مكاناً لحكمه وسيطرته وأراد أن يوجد مخلوقاً لخدمة الآلهة سُمي بالإنسان. وتقرر التضحية بأحد الآلهة فجاء مردوخ بزوج تيامة ( كنكو) وذبحه وخلق من دمه الإنسان (لأن الإنسان من طين ودم الآلهة لكي تدب في الطين الحياة).

وقد قسم مردوخ الآلهة المئة الى مجموعتين: مجموعة للسماء وأخرى للأرض. وتكريماً لبطولة مردوخ فقد عمل آلهة الأنوناكي طوال عام واحد في تشييد بيت يليق بمقامه فبنوا معبده العظيم ( إي- ساكيلا) مع برجه المدرّج في مدينة بابل. وفي النهاية اجتمع الآلهة المنتصرون في حفل ووليمة وعزفت فيها الموسيقى وقدمت لهم الجعّة وتغنى الآلهة بتمجيد مردوخ وتنازلوا عن أسمائهم وصفاتهم وقواهم فصار لمردوخ خمسون اسماً ( وهذا يذكرنا بأن لله جلّ وعلا تسعة وتسعين اسماً هي أسماء الله الحسنى وأن لله الاسم الأعظم الذي يستطيع به خلق كل شيء).

وتنتهي القصيدة باللوح السابع الذي يمّجد مردوخ في عيد رأس السنة البابلية. وترسم أسطورة الخليقة البابلية الصراع بين جيل الآلهة القديمة ضد جيل الآلهة الجديدة بقيادة مردوخ، كما يوجد تشابه واضح ما بين الأسطورة البابلية ورواية التوراة عن الخلق والتكوين (سفر التكوين والأصحاح الثالث). وكان مجتمع الآلهة صورة مشابهة للمجتمع البشري وصفاته المختلفة. بل وصل الأمر ببعض المحللين النفسانيين الى التطرق الى (عقدة أوديب) الفرويدية بسبب قتل الآلهة الأبناء لآبائهم وكما فعل ويفعل بعض الملوك بقتل آبائهم الملوك على مر التاريخ .

وليس ما حصل في بعض دول الخليج العربي ببعيد عنا وعن بلاد الرافدين!!!