أكبر مزيف انتخابات في التأريخ ينتهي به المصير الى السجن

206

لا يستحي الانكليز أن يذكروا أن كثيرا من الرذائل وجدت مهدها الأول في جزيرتهم.. لكن بعضهم يطأطئ راسه ويبتسم اذا ذكرته بان تزييف الانتخابات وشراء الأصوات، بل وشراء النواب أنفسهم، كلها من مبتدعات “مهد الديمقراطية”!
كان (روبرت والبول) الذي أصبح اسمه رمزا توصم به كل انتخابات مزيفة، فيقال (انتخابات والبولية) أول رئيس انجليزي ارسى دعائمها ووطدها في بريطانيا!
وقد كان والبول كما وصفه المؤرخ الانكليزي سترلنج: “سياسيا عمليا يضيق بالنظريات. وكانت له نظرة ثاقبة وعقل مرتب دقيق”. وعاش في عصر وصفه المؤلف بإسهاب قائلا:
“عصر كانت فيه انجلترا قلقة ضائعة لا تدري لها وجهة أو طريقا. وقد انتهت مقاليد السياسة فيها الى هواة أفاقين نفعيين نسوا كل مقاييس الأخلاق والكرامة ووضعوا الصالح الخاص في رأس القائمة حتى أصبحت الحكومة ساحة نهب لصائدي الثروات والألقاب، ولم يكن هناك سياسي واحد يقبل أن يقوم بخدمة عامة أو تضحية بسيطة إلا اذا قبض الثمن، أو في الأقل العربون، مقدما. بل لقد بلغ بهم الأمر أن كانوا يطلبون أثمانا بغير مقابل”!
ولقد كان والبول فلاحا جاء من نورفولك الى لندن، وكان هو وأهله تجار ماشية وغلال، فقابلته هذه الارستقراطية المنحلة بازدراء وسخرية جعلته يقسم بينه وبين نفسه أن يلعب بهم وأن يبتزهم في كل شيء.
وقد عرف والبول بنظره النافذ أن البرلمان “هو العقبة أو طريق النجاح السياسي”. ولكن “هؤلاء السادة لن يدعوا لك طريقا اذا لم يتقاضوا الثمن أولا.. ثمن أصواتهم ومقاعدهم. انهم كما يقول ارثر وينسلو، يتنقلون من حزب الى آخر بلا خجل أو حياء متجاهلين مبادئهم وضمائرهم لا لشيء الا ليرغموا الحكومة على اجابة مطلب أو تحقيق مصلحة”!
وقد برّ والبول بالقسم الذي اقسمه لنفسه. بل لقد فاق كل سجل سياسي عرف من قبل، حتى لقّب بجدارة بـ (الراشي الأكبر) وحينما جرؤ نائب من نواب المعارضة ذات يوم ووقف يتهمه في ساحة البرلمان باستغلال النفوذ تحداه والبول أن يبرز دليلا واحدا. فصاح النائب مغتاظا:
(كيف أستطيع وقد رشوت كل الأدلة)؟!
ولم يحرك والبول ساكنا ولكن حينما انتهى النائب التفت والبول الى المجلس قائلا:
(أيها السادة.. أن ثروتي ليست كبيرة، ولكن الحسد هو الذي يجعلها كذلك!)
وكان المجتمع في نظر والبول طبقتين اثنتين:“طفيليات عليا تعيش على الحكومة.. وطفيليات سفلى تعيش على الطفيليات العليا”!
أما الطفيليات العليا فكانت تشترى بالمناصب أو المعاشات أو الوظائف الفخرية التي لا تتطلب عملا، وهذه كانت أقصى المرام! وقد وصل والبول الى رقم قياسي في توزيع الغنائم الثلاث حتى بلغ أعضاء البرلمان الذين يحتلون وظائف أو يتقاضون معاشات أو يتولون مناصب فخرية 271 نائبا.. كانوا جميعا (قطع شطرنج تتحرك طوع بنانه!)
ولكن ألم يكن والبول معذورا كما يقول بعض المؤرخين..؟
أن هناك وثيقة يحتفظ بها المتحف البريطاني الى الآن ويؤيد بها هؤلاء دعواهم.. وهي خطاب ارسله لورد ساندرلاند الى والبول جاء فيه:
(أنت تعلم ياسيدي ولائي وكيف ابذل كل جهدي ليختار الناخبون أعضاء البرلمان الذين سيؤيدون الحكومة.. ولقد سويت الأمور مع اللورد كارليسل ولكنه يطلب طلبا صغيرا، يطلب منصب حارس ركاب الملك الذي يدر 2000 جنيه في العام أو منصبا مماثلا له. ولما كان اللورد هاربو قد يخلق بعض المتاعب فإنني اقترح منحه معاشا قيمته 1500 جنيه في العام. كما اقترح منح شارل هوارد المنصب الذي يريده وأن كان يطالب أيضا بمنصب لشقيقته. وقد سمع اللورد بيتر بروه أن برسيفال قد مات وهو يسأل: هل في الامكان أن يعين في منصبه؟).
وقد اشتهرت في ذلك العصر دوقة مارلبروه، جدّة ونستون تشرشل، بانها أبرع سمسارة انتخابات في ذلك العصر. حتى لقد كان في استطاعتها “أن ترسل عشاقها أو أصدقاءها الى مجلس العموم بأغلبية ساحقة”! وهي ترى في هذا حقا مكتسبا لان جدها مارلبروه “روى أرض انجلترا بدماء الجنود”!
والطفيليات السفلى في نظر والبول هي الشعب! وهو (كتل جاهلة منحطة لاتنتخب الا إذا تقاضت نصيبها من الخبز والخمر وتنتخب من يدفع النصيب الأكبر” ولهذا كان كل همه “انتخاب مجلس عموم مسالما يتقاضى أعضاؤه الثمن ولكن يعملون بمقتضاه).
ولقد وصلت العبقرية الوالبولية الى كفايتها حينما لوّح والبول لأنصاره بفتح “بورصات الأصوات” وكانت هذه مكاتب علنية تحتل غرفة في بناء البلدية ويفد اليها “حضرات الناخبين” لبيع أصواتهم!
ولم يكن المال يغدق عبثا، اذ كان على البائع أن يمضي عقدا كهذا العقد الذي لايزال محفوظا في المتحف البريطاني:
“تسلمت في 4 مارس من المستر توماس جيب عشرة جنيهات وعشرة شلنات بشرط أن انتخب المستر وليام جور في الانتخابات القادمة، واتعهد برد المبلغ كما تسلمته اذا لم أف بالشرط”!
ومع هذا العقد وثيقة تأريخية ذات مغزى، هي خطاب جاء الى اللورد بروس من ناظر زراعته وحوله هذا الى والبول ليقدر المتاعب.. وهو يقول:
(أن أهالي مالبروه مرتزقة وقد اجمعوا على أن يصوتوا لمن يدفع الثمن الأكبر.. وهم لا شرف لهم ولا ذمة.. فقد تربوا في وسط النساء، وحينما زرتهم وجدتهم جميعا في ثورة لاننا حددنا سعر الصوت بستة جنيهات وهم لا يريدونه بأقل من ستة جنيهات وعشرة شلنات!).
ولكن الوثيقة التي تستحق أن نتأملها بعناية هي الشكوى التي ارسلها الى الملك لورد جريسون والتي جاء فيها:
(أن عمدة قرية سانت الباي، بالاتفاق مع أعداء الدستور، قد احضر جماعة ليسوا من ناخبي الدائرة وسلّحهم سرا في بيته بالعصي والفؤوس والسكاكين وهاجم بهم انصاري المسالمين فأوقع فيهم الرعب وشتتهم، فكانت النتيجة فوز مرشح الحكومة بأغلبية ساحقة، هذا فضلا عن تزييفه للأصوات واعدامه لتذاكر انتخاب المؤيدين لي ورفضه تسجيل أصواتهم).
ولم تذهب جرائم والبول هباء، فقد ارتد اليه السهم وانتهى الى السجن ثم الى النسيان، وهو مصير نسأل الله أن يسوق اليه كل “والبول”!
مسامرات الجيب 1949