أمامها ينحني الزمن

190

رجاء خضير /

الجزء الثاني…

إشارة صغيرة إلى الحلقة الأولى:
قصت (هـ) حكايتها مع الزمن، وسردت لنا كيف أن الأحداث تكررت معها منذ صباها حتى استشهاد فلذة كبدها.. ليتركهم يسبحون في تيارات الحياة..
أكملت حديثها:
جاءت الشرطة إلى البيت وسألتنا جميعاً، هل نتهم أحداً باغتياله….و…..و
ثم سؤالهم عن رقم السيارة التي نفذت القتل، أجابها الجميع (بلا أرقام وفرّت بسرعة البرق)، والى الآن لم نعرف منْ القاتل وما السبب؟ اعتبروه شهيداً، كبقية من اغتيل في ذلك الوقت، لتبدأ الحياة دورتها الضبابية بعدما لاحت لي إشراقة الشمس.. ولكن حجبتها الغيوم.

بعد مضي فترة تزوجت ابنتي الكبيرة وهي في السادس الإعدادي، رفضت في بادئ الأمر وبعدها اقتنعت، فالخطيب هو ابن عمتها، شاب وسيم ميسور الحال، ثم إنه وعدها بإكمال دراستها فيما بعد والسفر الى الخارج بصحبته وأهله، فهم يرغبون بالعيش في الخارج.

خلال عام واحد من زواجها أصبحت أماً لطفل جميل، كانت زياراتي لها قليلة لانشغالي بشقيقها (أ) الذي تخرج تواً في الكلية العسكرية وذهابهِ إلى إحدى المحافظات، كنت أخشى عليه كثيراً فهو إنسان وديع ذو اخلاق عالية، يحبني بشكل جنوني، ودائماً يردد (أمي أريد أن أرد بعضاً من تضحياتك لنا).

مضت السنون مسرعة ليكبر أولادي، وفي أمسية رمضانية، وبعد الإفطار، هاتفني حفيدي الكبير لينقل لي خبراً هز كياني، وأولادي يسألونني ماذا حدث يا أمي؟ (اختكم احترقت)، هذا ما قاله ابنها وأغلق الهاتف، أسرعنا إلى بيتها لنجد سيارات الإطفاء وجمعاً غفيراً من الناس، عرفنا منهم أن ابنتي متضررة جداً ونقلوها الى المستشفى.

بعدها سافرت ابنتي للعلاج بصحبة زوجها وأهله وأبقت طفليها معي، بعد مضي عام أو اكثر عادت سليمة، لكن الحريق ترك بصمات خفيفة على وجهها الطفولي.
في هذه الأثناء انشغلت بأبني الكبير(أ) الذي التحق بأحد المواقع العسكرية البعيدة، عارضت الأمر من فرط حبي وتعلقي به، إلا أنه كان يقول (كلنا فداء للوطن يا أمي).
في إحدى إجازاته عرض علي موضوع زواجه من فتاة أحبها منذ فترة، فرحت بهذا الأمر وأخبرتُ شقيقته وشقيقه وأيضاً أهل والده….
بعد فترة تقدمنا لخطبة الفتاة، وقد رحب أهلها بنا بعدما تأكدوا من حسن أخلاقه وحبه لابنتهم، وفي غضون أشهر قليلة جرى الزواج.
أكملت (هـ) حديثها، بعد برهة من الراحة، لتقول: أيضاً تزوج ابني الأصغر، وفرحت بذلك كثيراً، وكنت مع نفسي أقول (لقد أنصفني القدر.. ليقابل حزني وعذابي فيما مضى وأنا أرى سعادة ولديّ وفرحهم بالحياة)، حمدتُ الله على نعمهِ هذه.
في يوم جاءتني زوجة ابني الكبير وأخبرتني بأنها حامل بطفل ثانٍ… فرحتُ وقبلتها، أخبرنا ولدي (زوجها) الذي طار فرحاً ليأتي بزيارة قصيرة في اليوم التالي. أشهر وأصبح والداً لطفل ثانٍ جميل عمّت الفرحة أرجاء البيت. بعد مضي فترة جلس ولداي بقربي وتحدثا معي بأنهما اشتريا أرضاً مناصفة بينهما ليكون لكل واحد منهما بيت مستقل به، باركت لهما هذه الخطوة، لكن كادت دمعتي تسقط لولا ضحكة ابني الكبير إذ قال: أمي لن نتركك أبداً، لا تحزني.
أجبتهُ: بالعكس يا ولدي، كل فرد له حرية العيش كيفما يشاء مع عائلته، لكن تذكروا أن هذا البيت هو بيت والدكما، سيبقى مفتوحاً لكما وأيضاً لأختيكما.

اجتهدا وثابرا وأكملا البناء، وحينها فاتحتني زوجة ابني الكبير بأنها تطلب السماح مني أن تستقل وتعيش في بيتها الجديد، ولاسيما أنه قريب من محل عملها، وافقت بعد أن عرفتُ أن ابني يرغب في ذلك أيضاً.
بعد فترة قصيرة من سكنهم في البيت الجديد، جاءت زوجة ابني لتخبرني بأنه لم يعد بالرغم من أن إجازته قد بدأت قبل يومين، وأكدت أن اتصالاتها به باءت بالفشل، قلقنا كثيراً، وبدأ شقيقه مكالماته مع كل أصدقائه ومحل عمله، بل واتصل برؤسائهِ الذين أكدوا أنه قد كلف بمهمة وسيعود قريباً.

لا أعرف كيف غفوتُ تلك الليلة لأستيقظ فزِعة من حلم رأيتُ فيه وردة ذابلة ساقطة في حديقتنا، قدتُ سيارتي بسرعة مذهلة واصطحبت زوجته وولديه، ثم عدنا الى بيتي، لأجد ابني يسألني: أين كنت يا أمي في هذا الوقت المبكر؟
التف أحفادي حولي، كذلك ابنتي وولدي، وهنا اتصلت شقيقتهُ من الغربة تسأل عن شقيقها: هل من خبر؟ اجبتها: ليس هناك أي خبر عنه.
وطلبتُ منها أن تعمل على العودة إلينا بسرعة والجميع يتساءلون مع أنفسهم عما بي….
سألني ابنه الصغير عنه، قلتُ له إن والدك قد رحل في سفر طويل وسنلتقي به يوماً ما!
طرق الباب بشكل عنيف من قبل رجال طلبوا من شقيقه أن يخرج ليحدثوه خارجاً… خرجت معه وقلت: لا تخفوا شيئاً عني فأنا من نثرتُ الحلوى على نعشهِ ليلاً في حلمي! فقد استشهد من أجل وطنه!! حينها غبتُ عن الوعي عندما رأيت شقيقه ومنْ أتى من الرجال يبكون….
وهكذا تجددت جراحي، لكنها كانت في كل مرة تأخذ شكلاً آخر ينهش في صحتي وتفكيري.. لن تنتهي عذاباتي إلا بلقاء الأحبة ونواة القلب، وسيكون هذا اليوم قريباً إن شاء الله.