أنا ابنك يا والدي..

165

رجاء خضير /

قف لنقلب معاً سنوات عمري القليلة, ولنُحصِي سنوات الفرح والراحة منها, وكم هي سنوات الأحزان!!
لا تجبني, فالزمن الأصم هو الذي سيجيبني, أم نترك الإجابة لسنوات آتية.. صمّاء هي أيضاً!!

قال الفتى (م)، ذو الخمسة عشر عاماً, الذي تحسُ بأن الألم يعصره فتخرج كلماته مخنوقة ممزوجة بدموع عمره الصغير: نشأتُ بين والديّ وكانت الخلافاتُ والمشكلات طابع حياتهما, كنت صغيراً لا أفقه ما يدور حولي, كل ما أتذكره أن صراخاً يندلع بينهما ويضرب والدي أمي فتخرج من البيت حاملة إياي مع قليل من حاجاتها إلى بيت أهلها، وهناك ألعب مع أطفالهم, بعد أيام يأتي والدي ليعيدنا إلى البيت, لتبدأ كرّة الخلافات بعد أيام قليلة.
في هذه الأجواء تسربت سنوات طفولتي, لم تختزن مخيلتي حينها سوى الخلافات والصراخ والضرب, دخلتُ المدرسة وكنت أتمنى لو أنني كباقي أصدقائي الذين يأتون بمعية والديهم أو أحدهما, وكذلك في وقت الانصراف, لكن هذا لم يحدث معي!
في أحد الأيام قلتُ لأمي (والحديث ما زال لــ م): أمي لماذا لا تأتين معي إلى المدرسة؟
أجابتني بعصبية: قل ذلك لوالدك.
ولم تكن إجابة والدي أفضل, لذا قررت ألّا أطلب ذلك منهما بعد الآن.
في إحدى أمسيات الشتاء القارسة البرد, استيقظتُ على صراخ أمي تتشاجر مع والدي الذي أشبعها ضرباً، ما أضطرها إلى أن تفتح باب البيت وتخرج هاربة إلى بيت أهلها، وفي هذه المرة لم تأخذني معها, ولا أعرف السبب، لذا حينما دخل والدي إلى غرفتي تناومتُ خوفاً منه, وعند الصباح شرح لي سوء تصرف أمي وبأنها خرجت ليلاً دون أن تصطحبني معها. وهنا دخل خالي الكبير وتحدث طويلاً مع والدي, ثم بعدها طلب مني مرافقته إلى حيث أمي، لكن والدي رفض رفضاً قاطعاً أن أذهب معهُ, بكيتُ وتوسلتُ إليه أن يسمح لي بالذهاب إلى أمي, لكنه ضربني وأغلق عليّ باب غرفتي، ثم زارنا أناس كثر من أهل أمي وأهل والدي أيضاً لإقناعهِ بالعدول عن طلاق أمي أو السماح لي بأن أذهب إليها، ولكن دون جدوى, فقد كان والدي مصراً على معاقبة أمي بحرمانها مني!
يواصل الفتى (م) حديثه: وفعلاً لم أرها إلا قليلاً وبوساطة خالي الكبير الذي كان يدبر لقاءاتنا سراً. وفي أحد لقاءاتنا هذه ضمتني أمي بقوة وابتل وجهها بالدموع, سألتها ما بكِ يا أمي؟ فلم تجب هي, بل أجابني خالي: أمك ستسافر بعيداً. وصمَت، ولم يوضح لي إلى أين ستذهب, ولماذا و….و….
وكأنه قرأ أسئلتي وحيرتي, عندها طلب من أمي أن تتركنا وحدنا قليلاً, فحدثني حينها بصراحة قائلاً: اسمع.. لقد كبرت وعليك أن تفهم ما يدور حولك، أمك ستتزوج وتسافر بعيداً, لأن والدك مصر على الاحتفاظ بك, وأضاف خالي: سمعتُ أن والدك سيتزوج أيضاً. حينذاك حزنتُ حزناً شديداً لأنني سأخسر والدّي كليهما معاً.
مضت الأيام سراعاً, وبدأت أحسُ بالضياع، فأنا لا أم لي تسأل عني ولا أب يخاف عليّ, بل كان يعطيني النقود ويخرجني من البيت ليقضي مع زوجته وقتاً أطول من دون عذول (الذي هو أنا)، هكذا شعرتُ, كنت أقضي أغلب أوقاتي بالتسكع هنا وهناك, صادقت صبياناً بعمري, كذلك تعرفت على شباب أكبر مني, ومن هذا وذاك تعلمت أشياءً سيئة لم تكن تخطر ببالي يوماً, وكنت حينما أعود إلى البيت, أجدُ والدي في غرفته مع زوجتهِ, فأدخل المطبخ لعلني أجدُ لقمة أسدُ بها جوعي، فلا أجدُ سوى رغيف خبز يابس فأنقعه بالماء وآكلهُ، هكذا باتت حياتي!
في أحد الأيام زارتنا مديرة المدرسة وأبلغت والدي أنني سأفصل إذا لم أعد إلى مقاعد الدراسة، ضحك والدي وقال لها: أية مدرسة تقصدين, وما نفع التعليم؟ خرجت من البيت وهي تتمتم بكلمات: هكذا يزرع الآباء الحصرم ليضرسهُ الأبناء!
أضاف (م): خرجتُ يومها, إذ كان عليّ أن أقضي كل أوقاتي باللهو وإضاعة ما بقي فيّ من براءة وطفولة, هكذا يريدني والدي، المهم أن ترتاح زوجته من عدم وجودي في البيت. وفي إحدى الأمسيات زارنا خالي في البيت فوجدني في هيئة غريبة؛ ملابسي قذرة، وشعري أشعث والضعف بادٍ عليّ، فتعجب من ذلك ونادى على والدي أن يخرج ليحدثهُ، خرج والدي متثاقلاً وحدّث خالي طويلاً, وخلاصة ما قاله والدي لخالي هو: ابني قد كبر ويختار ما يرغبهُ في الحياة، ثم أنا متزوج وعندي مسؤوليات تجاه زوجتي والجنين الذي في بطنها، واختتم قوله قبل أن يدخل غرفته: ليذهب الى الجحيم!! منعه خالي من دخول الغرفة وصرخ فيه: أذن لماذا لم تعطه لأمه كي تربيه! واشتد الخلاف بينهما حتى انتهى بطرد خالي من البيت فلم يعد بعد ذلك أبداً.
كم من مرة اشتقتُ لأمي, لرؤيتها, لحضنها الدافئ، ولكن اين هي الآن؟ تماماً هي مثل والدي, تحتضن زوجها الثاني, ونسيت ابنها، نسيتني!
أصبح والدي أكثر بعداً عني بعد إنجاب زوجته الثانية توأمين ذكرين, وازددتُ هروباً من البيت, قد أغيب عن البيت أياماً، ولا أحد يسألُ عني! وبدأتُ العمل مع شباب طائشين وجدتُ فيهم الحنان الذي أفتقده, ولم أعرف وقتها أن حنانهم وبذخهم عليّ له ثمن باهظ، هو فقداني إنسانيتي وضميري، إذ كنت أنفذ لهم ما يطلبون مني, فأوزع بضاعة, وأدخل في مساومات مع أفراد لا أعرفهم لأن منْ أعمل معهم يأمرونني…
في أحد الصباحات اشتقتُ لوالدي وذهبتُ إلى البيت, زوجته فتحت الباب وأغلقتهُ بوجهي مباشرة, فعرفتُ أنني غير مرغوب بي, بل عليّ أن أنسى والدي تماماً كما نسيني هو. أصبحت الأماكن المهجورة ملاذاً لي ليلاً, أقضي نهاري في المقاهي وغرف العمل مع أصدقائي. صمت (م) برهة من الزمن ثم قال: مرة رن هاتفي وحينما أتاني صوتها عرفته وبكيتُ وصرختُ: أمي.. لماذا تركتني يا أمي؟
أتعرفين أنني أعيش في الشوارع والأماكن المهجورة و…و… وبكت أيضاً وقالت: اسمع يا بُني، والدك استند إلى القانون وأخذك مني, ولم تفلح وساطات الأهل والأقارب في جعله يقبل أن أضمك لحضانتي, وأرعاك كما ينبغي, كيف حالك يا ولدي!
لم أستطع إجابتها، لكنني سمعتها تقول لي: احصل على جواز سفر, وسأبعث لك كل ما تحتاجه من مال بيد رجل أمين سيزور العراق لفترة قصيرة وسيصطحبك إلى هنا لتعيش معي بسلام وهدوء، سأعيدك إلى المدرسة و….
ثم أحسستُ أن يداً أخذت الهاتف مني، إنهم الشرطة الذين طوقوا المكان بأكمله وقبضوا على منْ فيه، وأنا واحد منهم, سمعت أمي صراخي وصراخ الآخرين وتهديدات الشرطة لنا ووصفهم إيانا بأننا حثالات المجتمع!!
رمى الشرطي الهاتف أرضاً وكنت أسمع أمي تصرخ وتتوسل أن يفكوا قيودي، وصرختُ: أنتِ ووالدي من أوصلتماني إلى هذه النهاية، لماذا تخليتِ عني بسهولة يا أمي وأنا طفل, وتزوجتِ وسافرتِ بسرعة!!
وأنت يا أبي لقد أنجزت انتقامك من أمي بتدميري والقضاء على مستقبلي, ونسيتَ أنني أيضاً ابنك يا والدي!