أنا..توقف… تلك لم تك حياتي

139

أحمد هاتف /

للحياة هباتها أيضاً.. لها أجنحه تحملك من ضجرك ووحدتك وليلك وسكونك.. تمنحك ضحكاً وتعيدك ولداً تتجول في عفويتك.. الحياة هي أنت والآخر.. ذاك الذي يمنح روحك لونها ورفيفها وهناءاتها…
سأعترف بأن عمري ” الف شجرة وعش حمام بني سهوا على حافة غصن ” .. وبأن زكاما أصابني بعد ” ثلاثين عمرا وعدوى ” وبأني أرتكبت الحياة خطأ ، وجئتها ساخرا على حصان خشبي مكسور ، وأن طفولتي ظلت هناك في ” طابة ممزقة على حافة ملعب شيدت عليه بيوت الشوك ” … أنا اعتذر من ” حياتكم ” تلك التي ترسمها ” مسارات وجداول ، وساعات للنوم ، وساعات للعمل ، وساعات للحب ، وساعات للعناية بالكلاب ” .. أعتذر حقا لأني كنت بحاجة الى الأعتناء بـــ ” كلاب ايامي المسعورة ، تلك التي أدمنت التدخين ، والسخرية ، والكسل ، والكفر بأثداء النساء الكبيرة ” … ايامي التي تمَل من مجرد ذكر أسم او كتاب او شاعر او مغني .. لم أك احب فيروز ” غير انها كانت تأتي كل صباح الينا وكنت في الطريق الى معهد الفنون الجميلة ، أما ثملا أو نائما ، وربما نصف هذا ونصف ذاك ” .. أحببت نساء لا أتذكر اسمائهن ، وسموات لم تعد قريبة ، وشجيرات ماتت من فرط تعدي الأسمنت على العشب …
ولدت في بابل ، قرب نهر ظل حزينا ، رغم جميع الأعياد التي مرت على روجاته ، ورغم كل الطبول التي بحت جلودها في الزوارق التي لعبت على هدوئه ، .. ولدت في يوم ما ، وجدته مكتوبا في مذكرات ابي ، الذي كتب بخطه الأنيق جملة واحدة ” اليوم ولد أحمد ” …. لا أتذكر شيئا ، ولست معنيا بالذاكرة ، ماأعرفه ان بستانا كبيرا كان يخيفني ، وان اصوات ” ثعالب ” كانت تبعث فيَ الأسئلة ، وان قميصا أحببته تمزق في عراك ، وأن مدرسة بالية أكثر نظافة من تسريحة مديرها المعقدة كنت أكرهها ، ولطالما هربت منها ، لأعوم في ” شط الحلة ” ..
احب الكتب فقط لأنها تأكل الساعات ، أحب الاغاني لأنها تجعل السكر أخف وطأه ، أحب النساء لأنهن يصنعن الأنتظار ، أحب السينما لأنها تأخذني الى مايهمله المخرج ولايفكر به كاتب السيناريو ، لا أحب اللوحات الرمادية لأنها تعق اللون ، ولا أحب اللون لأنه يأكل جمال الأسود والأبيض ، ولا أحب الاسود والابيض لانه يجعل الحياة نصفين ، وهي لم تك يوما كذلك ، قرأت كثيرا ، فلم اجد شاعرا صادقا كــــ ” محمد الماغوط ” لذا تشبثت به ، حتى قابلته صدفة على رصيف دمشقي ، وكذلك فعل بي ” أنسي الحاج ” .. وفايق حسن ، ذاك الشجي المغني الذي اعاد مجد اللون من يد الله ليذرفه في اللوحة .. اختلفت مع أستاذ تاريخ الفن لأنه أعتقد كالبلهاء الآخرين أن ” بيكاسو الفقير ” أهم من ” براك العظيم ” … وان ” جواد سليم وشاكر حسن ال سعيد ” أكثر وهجا من ” كاظم حيدر ” …
أحب بغداد .. تلك التي رأيتها ذات صيف تغني على الرصيف ، وتنثر كلابها الاليفة وكراسيها في الحدائق ، وتترك سيارات الفورد والدودج ذات الاجنحه تحت اشجار اليوكالبتوس العالية ، أحب تلك الظلال البنية التي تخفق تحت بناياتها الرمادية ، ولكنتها التي تجلت في أغنيات ” يحيى حمدي ” الذي اهمله النقاد فقط لأنهم لم يدركوا وهجه ، أحب بغداد ” صالح الكويتي ” و ” لميعه توفيق ، ورضا علي ، وسليمه مراد ، وأحلام وهبي ، ويوسف عمر ” …
احب ” كراج العلاوي ، وساحة دمشق وواجهة معهد الفنون الجميلة ، وجسر الأئمه وجسر الأحرار ، وجسر الجمهورية ، … أحب رائحة الاقواس في بيوت البتاويين القديمة ، وفرجة الصدر في ثياب البغداديات ، … وأحب كثيرا تلك الكلمات البذيئة التي يتداولها البغادة في المقاهي والازقة ….
عشت في الدوحة كانت مدينة للضحك والسهر والشعر ، اتذكر عبد الله الحامدي وعبد الكريم حشيش وامام مصطفى وفاطمة الكواري ، واحمد البحراني ، والعجوز الجميل بابكر عيسى ، وماتزال قصائد المرزوقي تشغلني ، اتذكر مسرح قطر ، والكورنيش ومقهى النجمة … مررت بدبي لأنزف سنة لم ادركها من عمري ، فقط لانها لم تحفل بالشعر كثيرا ، حتى جاءت دمشق لتعيدني للشعر والكتابة ، والحب ، والصخب والنعاس والليل ، والأصدقاء .. دمشق التي اعادتني لبغدادي المسروقة ، اقواسها والرمادي والعطور والاشجار ، ورائحة العتق الابنوسي التي احب .. دمشق قتلان وعبد الهادي ومحمود القيسي ، وسرب محبات وايام في اللاذقية التي لاتنسى .. بوجوهها وعبقها وبحرها ، وسحرها …
دمشق التي أقلتني ذات ليلة الى بيروت ، تلك البرجوازية الحلوة التي تزهو بعطرها حين تمر الى جانبك ، تلك التي لم افهم نظرتها يوم عبرتها ، الى القاهرة .. والصخب الذي لم احبه ، القاهرة المقاهي ، والحدائق والشوارع المكتظة بالغبار والهواجس ، القاهرة الليل والسكون والخوف ، والثورة .. وحدها القاهرة اعادتني الى بيروت ، لأجيب سؤالا معلقا في ذهني … لماذا لم أدركها كثيرا ، وهئنذا اعود ، كما يعود الضال الى أمه .. بيروت عماد بدران ، وغادة نعيم ، وسناء البنا ، وفيوليت ابو الجلد وريف حوماني ، وعلي سرور ونهيد درجاني ، ومريم خريباني ، وهيام حيدر ، وايلدا مزرعاني ، وكامل صالح ، ونوال الحوار والكواكب حمزة.. والمذهل بول شاؤول ، وريما شهاب ، ورنيم ضاهر ، ومي مسعود ، وزياد صعب ، ونعيم تلحوق ، وهدى عيد ، وليلى عيد ، وهند نعيم .. وناهده حمادة
بيروت المعنى المحفور في جدران الحمرا الخلفية ، وقهوة شوقي بزيع ، وشعر عناية جابر المجعد كالموج ،وفخامة عصام العبد الله وجلال حسن عبد الله المذهل وجنون هبة عبد الخالق المقدس بيروت التي تأخذك الى الليل برفقة كمنجات وتعيدك الى الوهن ضاحكا ، بيروت فوزي يمين ، ونبيذ النص الطافح في عيون انسي الحاج ، بيروت العجقة الحلوة المقرونه بضحكات شباب ضلوا الطريق الى الحزن … بيروت بلال شرارة وهو يتلو جلالتها بصوته المهدج الفسيح.. بيروت جواد الاسدي وعلي ناصر كنانه وصلاح حسن ، تلك المدينة التي وضعت عيون قصائدها في قمصاني.. قصائد من خمرة عصام وجمال سرور وعناية بيضون.. و زهو إسكندر حبش وضحكات بلون انعام الفقيه ورباب عساف… أعادتني الى دمشق ، مرة أخرى في حرب حزينه ، حيث لم تعد باب توما تضحك كما تركناها ، كانت عيون الاشجار شاحبة ، والأحمر الطافح في كفوف البارات لم يعد نقيا ، وأنكسرت نغمة ما في الشعلان ، حتى ان شجرة كنت احبها في الصالحية لم تعد منتصبة …
تلك حكاية اطول من حياتي … حياتي النصفها دمشق ، ونصفها نغمة أختلطت بغنج بيروتي وميوعة بغدادية ، وسكون حلي عتيق …
تبا .. كيف بوسعنا أن نرى حياتنا ، نحن الذين لم نمعن النظر …