احتفالات ساخنة في أجواء باردة!

280

ما إن أعلن رئيس الوزراء حيدر العبادي انتصار العراق على أخطر تنظيم وحشي عرفه التاريخ الحديث، حتى غصّت شوارع بغداد وساحاتها الكبرى بالمحتفلين.

مشاعر عفوية، دموع وأفراح وأغانٍ وألعاب نارية وموسيقى، فبرد بغداد لم يحل دون اندفاع المحتفلين حيث زين أصحاب المركبات سياراتهم التي طافت شوارع بغداد، فيما كانت الأغاني الوطنية تصدح لتمد المحتفلين بالحماسة..

فرحة 2007 تعود

محمد عباس/ 27 عاماً، وهو طالب ماجستير، كان يرتدي العلم على كتفه فيما يتراقص على أنغام إحدى الأغاني الوطنية المترددة على إحدى إذاعات راديو السيارة، وبصوت عال يهتف –وأصدقاؤه- على أنغامها وسط الشارع

-لقد أعادنا هذا اليوم إلى لحظة تتويج المنتخب العراقي بكأس آسيا، لعل المناسبة هنا مختلفة وأكثر عمقاً وقد لا تجوز المقارنة، لكن ما تراه من حشود تجهل مذاهبها وأديانها وانتماءاتها، تتيقن من حب هؤلاء الناس لكل ما يجمعنا معاً، أنت لا تعلم هنا من هو السنّي أو الشيعي أو الكردي، لكنك ترى السعادة على وجوه الجميع، ومن رحم الحرب والدمار، تأتي الفرحة.

الشهداء يحتفلون معنا

وأنا أتجول وسط المحتفلين، وقلبي ينبض معهم ويرقص لرقصهم، ويردد الأغاني والأهازيج التي على لسانهم، شاهدت سيدة ترتدي السواد، وتحمل صورة فيما تزغرد، حاولت الاقتراب منها لأعرف شيئاً عن هذه الصورة لتجيبني:

-أنه أصغر اخوتي، الشهيد علي، الذي استشهد في تكريت قبل انتهاء العمليات بأسبوعين، وجلبته اليوم معي لنحتفل، لقد كان ينتظر هذه اللحظة المقدسة، أجزم أنه يراها الآن وسعيد لأجلنا.

أردت البكاء حقاً، لكني تمالكت نفسي واستمررت بالتجوال في شوارع المدينة، لم تكن مظلمة، وكأن الشمس وحدها قررت العودة للاحتفال معنا، إذ أن أضواء السيارات والألعاب النارية كانت قد خلقت جواً رائعاً، ينقلك لعالم موازٍ، عالم من السعادات.

سيارات مزينة بأعلام، أطفال يطلون برؤوسهم من نوافذ السيارات، ويطلقون زغاريد عالية، وأغاني وطنية، إنها بغداد السعيدة.

في اليوم التالي تزينت جدران المنازل والدوائر بالعلم العراقي، وبالرغم من كونها عطلة رسمية إلا أن الجميع أكمل احتفالاته واستمر بالخروج إلى الشارع، اذ تجمع العديد من شباب مدينة بغداد في شارع أبي نواس من أجل الخروج “بزفّة عرس وطني” لتجوب شوارع بغداد، حيث انطلقت عشرات السيارات من قرب تمثال شهريار، لتعلن دعمها لكل من أسهم بهذا النصر.

من كل منزل شهيد

موسى، 22عاماً، وهو أحد المشاركين في كرنفال زفّة العرس الوطني، يحدثني بحماس عن الفرحة التي تعتريه بالقول:
-ما كان سيحدث هذا، ما كنا سنشعر بكل هذا الأمن، وهذا الفرح، لولا الجنود، كانوا حراسنا مثل ملائكة مبعوثين من السماء لصد الأذى عنا، ضحوا بأرواحهم، وشبابهم، ثم تركونا بسلام.

صديقه الواقف قربه أجاب مسرعاً

-وابن عمي أحدهم، لقد خسرنا الكثير، في كل بيت ترى شهيداً، كانت الحرب الأكثر شراسة على الإطلاق، اختطفت الكثير من أحباب القلب، اختطفت مدننا، وبواسطة أرواحهم عادت مدننا، إننا نحتفل تعويضاً للخسارات التي ولت دون رجعة.

الاحتفالات الموزعة على الأرصفة

في الجهة المقابلة من المدينة الجميلة، وعلى بعد بضعة كيلومترات، تجد الاحتفالات متواصلة، قرب ساحة التحرير وعند نصب الحرية، حيث، ودون موعد أو دعوة سابقة، اجتمع الكثيرون –بعفوية مطلقة- وما يجمعهم فقط، حب الأرض والأعلام التي رفعتها أيديهم، الكثير الكثير من العوائل، الأطفال والنساء، لا خوف ولا ترقب لشيء مؤذ، الجميع ينادي بالنصر

نذور النصر

تقف إحدى الفتيات الجميلات، وتصف فرحها بالفريد والجديد حيث تقول سالي 18 سنة:

-لم أشعر بسعادة كهذه من قبل، والدتي بكت حينما سمعت البيان، كانت قد نذرت توزيع الحلوى على الجيران عند تحريرنا من داعش، وها هي اليوم توزع الحلوى حتى على الغرباء والمارة.

استمرت الاحتفالات التي أعقبت البيان التأريخي حتى ساعات الفجر الأولى وحتى اليوم الثاني، والثالث، وستستمر لطالما تمكنا، وبشجاعة جنودنا وقوتهم، من التخلص من لعنة داعش، ستعود الأسر النازحة، وسيعود البناء، وسيعود اللحن عراقياً، كما تتداول هذه العبارة صفحات مواقع التواصل الاجتماعي.