الآشيبو و الآسو.. نماذج لأطباء العراق القديم

341

أحمد جودة كاظم /

بدأت ملامح الممارسات الطبية منذ العصور التاريخية القديمة، خاصة في مطلع الألف الثاني قبل الميلاد. إذ ميزَّ العراقيون القدامى بين نوعين من الطب: يمكن أن نعد الأول بـ طب الكهنة أو السحرة وأطلق عليه أسم “الأشيبوتو” / AŠIPUTU فالآشيبو AŠIPU هو المعوذ الذي ينتمي الى طبقة معينة من الكهنة وهو المسؤول عن طرد الأرواح الشريرة التي تتمكن من بعض البشر نتيجة ارتكابهم المعاصي، إذ اعتقد العراقيون القدامى وعلى مختلف عصورهم بأن الأمراض والأوبئة التي تصيب أولئك البشر هي نوع من أنواع العقاب الدنيوي من الآلهة. وكانت مهنة الأشيبو تقتصر على نوع معين من الكهنة وهي من المهن المتوارثة إذ يقوم الأشيبو (العارف الكبير) بتعليم أحد أبنائه أسرار هذه المهنة. كما ورد في أحد النصوص المسمارية “علم ابنه فن الأشيبو وعلموه حقاً قراءة الكبد”. وكانت منزلة الأشيبو عند العراقيين القدامى تقترب من منزلة الإله أحياناً نظراً للدور الموكل اليه بمعرفة الإرادة الإلهية، ويفترض أن يرتدي الآشيبو ثوباً أحمر أثناء معالجته المريض إذ يعد هذا اللون من الألوان الطاردة للأرواح الشريرة حسب المعتقدات القديمة عن هذا اللون .
تعاويذ
تربط هذه التميمة برقبة المريض لحمايته من الأمراض والأرواح الشريرة التي تسبب له الألم كما ورد ذكر ذلك في أحد النصوص المسمارية القديمة “إذا انتقل الصرع الى يد الجنّي ضع خمسة عقاقير على شريط من الجلد لفرخ صغير وعلقها حول عنقه فإنه سيتحسن”، أما عن طريقة العلاج التي كان يستخدمها الأشيبو فهي كتابة بعض الكلمات أو الأدعية أو التعاويذ على تميمة كما أن التميمة تحتوي في بعض الأحيان على صورة للجن أو للآلهة المختصة بشفاء هذا المريض بعد تشخيص الحالة.
الأسوتو
أما “الأسوتو” – ASUTȗ فهو النوع الثاني من الطب، ولم تقتصر ممارسته على الكهنة والشخص الذي يمارس هذا النوع يطلق عليه أسم “آسو” – ASȗ ، وعلى الرغم من الاعتقاد السائد بقوة الآلهة وأهميتها في شفاء المرض ودور الآشيبو في ذلك إلا أنه أصبح للآسو وجود ملحوظ في شفاء المرضى وبرز دوره بمرور الزمن نتيجة لما قام بتحضيره من وصفات علاجية ساهمت في شفاء الكثير من الناس، ومع هذا فلم يتجاهل الآسو الحالة النفسية للمريض واستعان بدور الأشيبو جنباً الى ما يقدمه من وصفات علاجية.
وبين هذين النوعين من أنواع الطب ظهر البارو ( BARÛ ) وهو الكاهن المسؤول عن قراءة الطالع والتنبؤ بما سيؤول اليه المريض وما سيحدث له في المستقبل .
موروثات دينية وحضارية تناقلناها وما زلنا نعمل بها لحد الآن، والكثير منا يؤمن بها بالرغم من بلوغنا عصر النهضة التكنلوجيّة، إلا أن تلك الموروثات ترسخت في داخل أعماق الكثير منا، فعلى سبيل الذكر لا الحصر نحن نطلق على الطفل الرضيع كثير البكاء (بي لجّة) ونذهب به الى رجل ديني أو الى رجل مبروك تتم قراءة القرآن على رأسه وليصنع له حجاباً يكتب فيه بعض الأدعية والآيات القرآنية لحمايته من الشياطين، والكثير منا يلجأون الى العرافة لمعرفة الطالع والتنبؤ بما سيحدث لنا في المستقبل وإيجاد الحلول للمشكلات التي تواجهنا. جاء في الحديث النبوي الشريف: “كذبَ المنجمون ولو صدقوا”، صدق رسول الله.