الألم خطوة نحو النجاح

233

#خليك_بالبيت

أنسام الشالجي /

هل الألم ملازم للإنسان؟ وقطعا سيكون الجواب بالإيجاب. ففي الحياة آلام كثيرة، نفسية ومرضية وعملية، لكن الغالبية لا تعرف أنّ هذه آلالام تتحوّل إلى طاقة إيجابية منتجة إن لم نستسلم لها، بل وأحيانا نقول لا بدّ من الألم للوصول إلى ما نهدف اليه.
الولادة
قرأت (قواعد العشق الاربعون) للمتصوف المعروف شمس الدين التبريزي في كتاب عن حياته وبقيت القاعدة الحادية عشرة في بالي وهي “تعرف القابلة أن الولادة غير ممكنة والوليد لا يجد طريقه بدون آلام الأم، وأنت كي تخرج (أنت) جديداً تماماً منك لا بد أن تكون مستعداً للآلام والمصاعب”، وفعلا عشت هذه القاعدة لمرتين، في الأولى وأنا أنجب ابني البكر، إذ أصرت الطبيبة أن مخاضا بدون آلام شديدة يعني أن وقت الولادة لم يحن بعد والثانية وأنا أحاول أن أصنع (انا) أخرى مني، أن اتغيّر نحو الأفضل وكانت كل خطوة اتجاوزها بنجاح مؤلمة سواء بالتفكير أو بالدرس والقلق، لكنني في المرتين وبفضل من الله سبحانه نجحت.
لا تعتقدوا بأنّي أحاول الكتابة عن نفسي، إنّ ما أشرت اليه كان فاتحة ورشة عمل اونلاين منتصف شهر آذار الماضي، علما أنّنا مستمرون في تنظيم دورات وورش عمل اونلاين تنفيذا للإرشادات الصحية في التباعد الاجتماعي، عن الالم الذي يعاني، كما قلنا، الغالبية من الناس وكيفية تجاوزها او بكلمات أدق استثمارها للتغيير نحو الأحسن.
الحالات
لم نركز في ورشة العمل على آلام الأمراض الجسدية التي تتعافى بالعلاج وبالالتزام بالارشادات الطبية، إنما على الألم الذي نواجهه في العمل أو مع الاصدقاء لسبب او لآخر.. وأساس الورشة كان اتصال من (احمد…، ٣٠ سنة) مهندس معماري في شركة مقاولات، وصف نفسه بالمتميز ولكن راتبه الأقل بين مهندسي الشركة لأنّ مهندساً معمارياً آخر يسرق أفكاره ويسرع بإنجاز الخرائط المطلوبة، وهو لا يستطيع مواجهته بسبب الألم الذي يسيطر عليه والذي قلّل ثقته بنفسه. طرحت المشكلة للمناقشة وتفاجأت أنّ هناك بين مجموعة المتدربين على الطاقة الإيجابية من يعاني هكذا آلام واقترحوا الورشة التي نتحدث عنها. فضلا عن أحمد، شاركت (منى…. ٤٠ سنة) خياطة ناجحة، تدير معملا صغيرا وتعمل لديها ١٠ خياطات، دخلت في مناقصة لخياطة صدريات طبية وكان عطاؤها الافضل وقبل أن توقع العقد فاجأت الجهة المتعاقدة بانسحابها لتصبح المناقصة من نصيب خياط، مواصفات معمله أقل منها والسعر الذي طلبه أعلى مما اقترحته، لكنّه (رجل) وبدأ يتقول عليها ولم تتمكن من الصمود، مما اضطرها إلى الانسحاب..وشاركت ثلاث حالات أخرى (شابتان وشاب)، سبب آلامهم إحساسهم بعدم القدرة على النجاح في أي عمل او علاقة، لذلك كان خيارهم عدم المحاولة .
في البدء اتفقنا بأن معرفة السبب هي نصف العلاج، فليس كل من يتألم يتمكّن من معرفة السبب وكذلك فإنّ مشاركة الآخرين في الحديث عما يعانيه خطوة إلى العلاج، ويتذكّر القرّاء التمارين التي أجريناها على مشاركتنا لبعضنا البعض في الحديث عما تواجهه في جلسات علاج جماعية وكيف كان النجاح النتيجة النهائية.
طاقة الألم
الخطوة المهمة الأخرى أن المشاركين في الورشة اقتنعوا أن للألم طاقة إيجابية أيضا لو تمكّنا من التعامل معه بجرأة ونتوقف عند طاقته السلبية التي تدفعنا إلى الفشل المتكرر والانعزال او الخسارة وبدأنا العلاج.
كان خطأ احمد بأنّه يثرثر كثيراً عما يفكّر به من تصاميم أمام الآخرين ويتأخر في وضعها على ورق بذريعة أنّه يبحث عن الكمال بينما كان زميله يستمع اليه جيدا ويمزج ما يقوله مع أفكاره وينتهي من التصاميم المطلوبة قبل الوقت المقرر ويكسب ثقة المدير كل مرّة لأنّه يقلل وقت التنفيذ ويعطي فرصة ربح للشركة. إنّ النجاح الذي يستحقه زميله جعل من احمد يتألم ويشعر بالفشل مما دفعه إلى التفكير السلبي. اقترحنا على احمد أن يصارح زميله بالعمل معا على إنجاز التصاميم لا سيما أنّه يستفيد من أفكاره وإن رفض، كان المطلوب منه أن يتوقف عن الحديث عن أفكاره وأن يقتنع بأنّه السبب في الالم الذي يشعره بالفشل وأن يحاول إقناع مديره بإحالة أحد مشاريع الشركة اليه فقط كفرصة أخيرة له وأن يتعهد بالانتهاء منه قبل انتهاء الفترة المطلوبة.
تدرب احمد في الورشة على كيفية مفاتحة زميله أو مديره، بعد استثمار ألمه كطاقة إيجابية نحو النجاح.. وبعد ثلاثة أشهر من انتهاء الورشة، أخبرنا أن زميله وافق على اقتراحه بالعمل معا على التصاميم وأن نجاحهما دفع المدير على إحالة مشروع صغير اليه فقط ونجح في تنفيذه وأصبح يدرب من يمنعه الإحساس بالإلم عن المحاولة على كيفية النجاح الذي أصبح أسلوب حياته.
استعادة الثقة
أما منى التي خشيت على سمعتها وسمعة معملها الصغير، فكانت الخطوة الاولى أن تقتنع بأن انسحابها لم يكن السبب في ما تشعر به من ألم، إنما إحساسها بأن انسحابها أثبت تقولات منافسها على سمعتها وبدأ شغلها بالانحسار وتركتها سبع خياطات من بين عشر كن يعملن لديها.
وكانت وسيلة الاقتناع أن تسأل الخياطات المستقيلات وفعلا كان جوابهن بأنهن خشين على سمعتهن لأنّها لو كانت ذات سمعة جيدة لم يكن الخيار انسحابها، وصدمها جوابهن وتسبّب بازدياد شعورها بالألم لأنّها مظلومة. كانت الخطوة التالية أن تتدرب على كيفية العودة إلى سوق العمل والمنافسة، كان اقتراح الورشة أن تبحث عن مناقصة صغيرة وأن تتأكّد من مشاركة منافسها بها وأن تواجهه. ولم نسمع منها الا قبل أسبوع من كتابة هذه المادة لا سيما أن ظروف كورونا أثر كثيرا على الوضع الاقتصادي عامة وقالت إنها لم تجد مناقصة لمواجهة منافسها، فتشجعت وذهبت إلى معمله الذي أصبح أكبر من معملها الذي كان وطلبت منه أن تعمل والخياطات اللواتي بقين معها وأن تدمج معملها المتوقف مع معمله وبعد مناقشات عن الاجور والارباح والقبول بشروطه، وافق واعتذر منها أمام الخياطات. قالت إنها لم تربح ماديا لحد الان، لكنّها تجاوزت ألمها وعادت إلى سوق العمل واسترجعت ثقة الآخرين بها وبعملها وسمعتها وهي على ثقة أن تسترجع سوق الازياء المحلية نشاطها مع تحسن الوضع الاقتصادي..
أما الشباب الثلاثة وهم كانوا في بداية العشرينيات من العمر، فقد استفادوا من التدريب بتعلّم كيفية مواجهة النفس وتجاوز الألم نحو النجاح من تجربتي احمد ومنى.