الإنتاج عالي الكفاءة.. لكنه غير محميٍّ من المنافسة

100

#خليك_بالبيت

فكرة الطائي /

كثيراً ما نمر من أمام الشركة العامة لصناعات النسيج والجلود في الكرادة، التي يعرفها العامّة بـ(الجلود) ولا نجد بداً من زيارة معرضها الدائم المفتوح للمواطنين، الذي يضم عيّنات من إنتاج تلك المصانع التابعة للشركة، فضلاً عن الأسعار الزهيدة للبضائع الجلدية والنسيجية المختلفة وبأحدث الموديلات.
وكلما مررت بهذا المعرض على مر السنوات أجده عامراً بالمتبضعين.
على الرغم من أن الأرصفة المحيطة والمحاذية للمعرض تعج بأنواع البضائع المستوردة، وثمة تفنن تسويقي في عرض تلك البضائع، إلا أن كل تلك المغريات للعرض لا تعيق المواطن عن التقدم باتجاه المعرض والدخول إليه والتبضّع منه. في آخر زيارة لي للمعرض قررت الدخول إلى داخل الشركة والتعرّف على التفاصيل.
جذب نظري في أولى خطواتي نحو داخل المبنى ذلك التداخل العمراني ما بين القديم والحديث، فقد وزعت المعامل الصغيرة بشكل هندسي متناسق يجعل أحدها يكمل عمل الآخر، في حين يتحرك العاملون بنشاط وهمّة عالية لإنجاز الأعمال المنوط بهم إنجازها. استقبلتنا السيدة (روناك عدنان بتاوي)، مديرة قسم الإعلام والعلاقات في الشركة، لتأخذنا في جولة استطلاعية في أقسام الشركة محدثة إيانا عن تاريخ هذه الشركة، إذ قالت: يعد مصنع الجلدية من المصانع الرائدة في صناعة المنتجات الجلدية المختلفة، ولنا خبرة في هذا المجال تربو على 80 عاماً، إذ أُسس المصنع في عام 1932، وهو من أكبر المصانع في الشرق الأوسط، وحائز على شهادة الجودة العالمية.
ولمزيد من المعرفة عن طبيعة هذا المصنع وتاريخه، حدثتنا السيدة روناك عن أقسام المصنع حتى تتوفر لدينا المعلومات التي ستكون مفاتيح للحديث مع المسؤولين في أقسام المصنع، فقالت: يضم المصنع ثلاثة معامل رئيسة هي: معمل بغداد في الكرادة وهو متخصص بصناعة الأحذية الجلدية، والمعمل الثاني متخصص بدباغة الجلود، أما المعمل الثالث فهو في محافظة النجف الأشرف، وتحديداً في الكوفة، ويضطلع بصناعة الأحذية الرياضية والمنتجات المطاطية، فضلاً عن إنتاج الدروع والخوَذ وقد أنشئ عام 2008 على وفق مواصفات عالمية.
معامل وورش صغيرة
هذا الحديث قادنا إلى غرفة المهندس (قاسم عبد المحسن جاسم)، المدير الفني للمصنع، الذي أخذنا في حديث تفصيلي عن أقسام هذا المصنع وإنتاجه المنوَّع، إذ قال: يتكون المصنع من ستة معامل كبيرة، وأربع ورش صغيرة، وكل وحدة من هذه الوحدات تتخصص بإنتاج محدد، مثل إنتاج البساطيل العسكرية، وبوت السلامة، والأحذية المدنية الرجالية والنسائية وأحذية الأطفال، كما يدخل ضمن هذه المعامل الإنتاج الخاص بـ(الحذاء المتطور) الحاصل على شهادة (الايزو).
وفي سؤال لنا عن كميات الإنتاج، أجاب المهندس قاسم بقوله: إن كمية الإنتاج للحذاء المدني تقارب (200) زوج في اليوم الواحد، أما الحذاء العسكري فإنه يقارب (1000) زوج يومياً، ويمكن أن تسوق يومياً إذا كان هناك تعاقد مع وزارتي الدفاع والداخلية.
* وما مواصفات منتجات المصنع؟
– يخضع منتجنا لمواصفات جهاز التقييس والسيطرة النوعية، وكذلك المواد الأولية الداخلة في صناعة هذه المنتجات قبل مرورها بمرحلة التصنيع، ولدينا مختبرات داخل المصنع تنجز هذه المهمة، فضلاً عن الفحص النوعي من الجهاز المركزي بقبول المادة قبل دخولها مرحلة الإنتاج.
* وكيف تسوِّقون منتجاتكم؟
– مسألة التسويق في الآونة الأخيرة أصبحت معاناة مستمرة، إذ أن إنتاجنا مستمر ولدينا كميات كبيرة مكدّسة في المخازن، ولاسيما الإنتاج الحديث، وتؤدي معوقات التسويق أحياناً إلى توقف العمل وعدم استمراره بشكله الطبيعي، وهناك أسباب عدة تقف عائقاً أمام التسويق، من أبرزها الاستيراد العشوائي للدولة، ولاسيما الأحذية التي دخلت إلى الأسواق المحلية بكثافة وبأسعار زهيدة، فضلاً عن عدم إخضاعها لمواصفات جهاز التقييس والسيطرة النوعية ولا ترتقي إلى مواصفات منتجنا المحلي.
الصناعة العراقية الرائدة
تركتنا السيدة روناك عند مدير المصنع لإنجاز أعمال خاصة بقسمها وتركت مهمة الرفقة في التجوال داخل المصنع إلى السيد (علي محسن)، الموظف الإعلامي، الذي قادنا إلى المصنع رقم (2) حيث التقينا السيد (صباح ياسين) مدير المعمل الذي توقف طويلاً عند مشكلة التسويق، إذ قال: تعاني الصناعة العراقية اليوم من قلة التشريعات القانونية التي تسهم في حماية المنتج الوطني، فقد كانت الصناعة العراقية في السابق هي الأولى في الوطن العربي، لكنها تدهورت في السنوات الماضية، على الرغم من أن العقول العراقية هي عقول مبدعة، ونمتلك خبرات متميزة في هذا المجال، حتى أنهم كانوا في السابق يصفون العقل العراقي بأنه (ألماني)، وأضاف: لابد من أن نرفع من شأن صناعتنا الوطنية ونقلل الاستيراد العشوائي للبضائع المشابهة للإنتاج المحلي، لأن الصناعة رافد مهم لميزانية الدولة وهي عنصر فاعل في تعظيم موارد الدولة المالية.
وأكد مدير إنتاج معمل (7) السيد (أحمد هاشم علوي) حديث زميله عن معوقات التسويق إذ تحدث عن فوارق الإنتاج بالقول: كنا ننتج سابقا 400 زوج يومياً في حين الإنتاج الحالي 400 زوج شهرياً! وذلك جراء إغراق السوق المحلية بالمستورد وعدم وجود حماية من قبل الدولة للمنتج المحلي أو حث دوائر الدولة ووزاراتها للاعتماد على المنتج الوطني، ولاسيما في التجهيزات العسكرية.
رأينا الكثير من إنتاجنا الوطني وسمعنا الكثير عن المعوقات من المسؤولين والعاملين في المصنع، ورأينا فيهم حب العمل والاندفاع للإنتاج الجيد الذي يضاهي الصناعات العالمية، إلا أنهم، حتى اليوم، ما زالوا يبحثون عن الدعم الإعلامي والحكومي وحماية المنتج الوطني من أجل أن تدور عجلة الإنتاج ويعلو صوت المكائن في المعامل العراقية.