البحث عن بعض حل!

188

#خليك_بالبيت

رجاء خضير/

أتعبتني المسافات غير المرئية والسنوات غير المجدية ويحيّرني الزمن حينما تتشابك خيوط قسوته وتصبح كحجر صنوان، فما بال قلبي الضعيف الذي اتّخذ القرار الخطأ في لحظة ما وتكسّرت الاغصان، هل يقدر الماء أن يجري ثانية في عروقها وكيف يبتلُ ظمأ ما فاتني وما هو آتٍ ! رحمة بي أيّها الزمان، الرحمة.
قالت لي قريبة لهما: توفيا والدهما بحادث سير وتولّى جدّهما الكهل رعايتهما واضطرت الشقيقة (لنسمها منى) أن تترك دراستها وتتفرّغ لرعاية شقيقها وجدّها الذي كانت تراه القوة والمنقذ من المشاكل والصعوبات التي تواجهما، لا سيما بعد أن أمّن لهما ما يساعدهما على تكاليف الحياة فضلا عن الراتب التقاعدي لوالدهما.
كبر الشقيق (لنسمه احمد) والتحق بكلية راقية، ولكن القدر لم يكمل لهما الفرحة إذ توفي الجد، وبعد أن تغلبت منى على حزنها، عادت إلى الاهتمام بأحمد والبيت الكبير الذي سجّله الجدّ باسمهما.
سارت الحياة بهما ومضت السنوات سريعة وتخرّج احمد وبدأ يفكّر بمستقبل شقيقته التي تناست آمالها وطموحاتها وشبابها.. ووافق على الشاب، قريب والدهما الذي تقدّم طالبا الزواج منها.
وبعد أن وافق الزوج (لنسمه سلمان) على شرطها وهو العيش في بيت الجد ومع شقيقها، تمّ الزواج.
عاشا بسعادة في الأشهر الأولى، وبعد سنة، بدأت تظهر نوايا سلمان الذي بات يحاول إقناعها ببيع البيت ليفتح بحصتها شركة تجارية ويطوّر أعماله وشراء بيت صغير لهما وحاولت منى كثيراً أن تشرح له فضل العيش ببيت مستقل ومرّة يقنعها بالاستقلال ببيت منفرد لهما، وهي تحاول إفهامه “لن أترك شقيقي، وهذا كان شرطي للموافقة على الزواج وأنت قبلت به”.
تعقّدت المشاكل بينهما، تدخّل شقيقها أحمد لفضّ النزاعات ولكن دون جدوى مما اضطرها أن تطلب الطلاق بعدما دفعت له مبلغاً من المال وأُسدل الستار على زواجها الفاشل بسبب طمع الزوج وتفرّغت لأحمد الذي كان قد تعيّن في دائرة مرموقة وتزوّج بشابة أحبّها، وعاش الجميع بسعادة، لا سيما بعد أن أنجبت زوجة أحمد ثلاث بنات ثم أعقبهن ولدٌ جميلٌ، هي اعتنت بالأطفال لأنّ الأم موظفة ومشغولة طوال الوقت….
في أحد الأيام تأخّرت منى في نومها، أسرع أحمد ليوقظها وتفاجأ بأنّها تتوجّع من ألمٍ ما، بلوعةٍ نادى عليها وأفهمته بحروفٍ متقطعة بأنّها مريضة.
اتصل بصديقه الدكتور الذي جاء مسرعاً، وبعد الفحص الأولي طلب منهم أن ينقلوها إلى المستشفى لإكمال بقية الفحوصات….
وفي المستشفى تأكّد للجميع بأنّها مصابة بفايروس قد يسبّب لها شللاً مؤقتاً، قد يمنعها عن الحركة لبضعة أشهر، عادت إلى البيت ومن أول لحظة رأت الامتعاض وعدم الراحة على وجه زوجة أحمد، فعرفت أنّها أصبحت ثقيلة من الآن فصاعداً، لذا وبعد أيام طلبت منه أن تعود إلى المستشفى لتتلقّى العلاج والرعاية دون إزعاج أي شخص في البيت، ثم أنّ جدهما قد ترك لهما الخير الكثير، تصرف منه على علاجها، رفض شقيقها الفكرة مؤكّداً لها بأنّه سيتولّى رعايتها ولا أحد غيرهُ، وازدادت المشاكل بين شقيقها وزوجته التي زالت برقع الحياء عن وجهها وبدأت تتكلّم بصراحة عن عدم ارتياحها لوجود هذه المريضة في البيت، وتناست كلّ ما قامت به من أجل راحتها هي ولاستمرارها في وظيفتها، وتربية الاطفال والاهتمام باحتياجات البيت الذي كانت تجده دائما على أفضل ما يرام.
وتساءلت منى مع نفسها “إذن أين الإنسانية والضمير النائم وأين حبّها لزوجها؟”
وكرّرت منى طلبها أن ينقلها أحمد إلى المستشفى، لكنّه بدوره أصرّ على رفض هذه الفكرة، كثرت المشاكل بين أحمد وزوجته التي بدأت تطالب بفصل البيت، القسم الكبير لها ولأولادها وآخر صغير لمنى العاجزة ورفض أحمد هذه الفكرة، لتقترح عليه مغادرة البيت وتأجير آخر مستقل لهما وللأطفال ولن تمانع أن يهتم بشقيقته وأن يبيت عندها حين تتطلّب ظروف مرضها وهنا صرخ أحمد وانهال عليها بالضرب والشتم ليتدخل الجيران بحلّ المشكلة وما إن سمعوا بمطلب الزوجة وقفوا بصف أحمد وذكّروها بمواقف منى الطيبة ولكنّها أصرت إمّا تنفيذ مطالبها أو الانتحار!
توسلت منى بالجيران أن يساعدوها بالذهاب إلى المستشفى أو دار المسنين لأنّها لا تريد أن تكون سبباً في المشاكل بين شقيقها وزوجته، وذهبت لقضاء باقي اليوم عند جارة طيبة لفسح المجال للتفاهم بين الزوجين والتوصل إلى حل يرضي الجميع.
بعد ساعات، سمع الجيران صوت صراخ وعويل واستغاثة وسارعوا إلى البيت ليروا أحمد يحاول جاهدا إطفاء النار التي تحرق الزوجة والتي تمّ نقلها إلى المستشفى، بعد أيام وبسبب الحروق من الدرجة الرابعة، توفيت وسط صدمة الجميع من تصرّفها وشهدوا جميعاً لصالح أحمد بالتحقيقات، الزوج الطيّب الذي حاول إقناعها بشتى الوسائل أن تتخلّى عن الأوهام التي تعيشها وعن فكرة الانتحار الذي كان يعتقدُ أنّها وسيلة للضغط عليه ليستجب لمطالبها التي لا ترضي رباً ولا عبداً… وهكذا سُجل الحادث انتحارا.
عادت منى إلى البيت لتتفاجأ بالبنات والولد وبوجود جدتهم (لأمهم) يؤكدون بأنهم لن يعيشوا مع عمّتهم التي كانت سبباً في انتحار أمهم في بيت واحد وقرّروا الذهاب للعيش مع جدتهم، لتبدأ قصة أخرى، وسط دموع العمّة والأب، تدخّل الجيران والأقرباء والأصدقاء لأفهامهم بأنّ أمهم كانت مخطئة في قراراتها وكذلك في انتحارها، لكن صوت جدتهم كان أقوى من الخيرين ومن توسلات والدهم وعمتهم، وكان الاقتراح أن يدعهم أحمد للذهاب مع جدتهم لبضعة أيام، ريثما يرتاحون من صدمة وفاة أمهم، فوافق.
كانت اتصالات الأب لا تنقطع عنهم، ولكنّهم رفضوا التحدث معه بتحريض من الجدة التي اقترحت عليه وبعد فترة قصيرة جداً، أن يتزوج من ابنتها الأخرى لرعاية الأطفال ولكن بشرط أن تخرج شقيقته من البيت نهائياً، تمتم مع نفسه، إذن عدنا لنقطة البداية وإلى سراب ظننتهُ ماء وتساءل مع نفسه “اذا وافقت على هكذا حل من أجل أطفالي، فلمِا كلُ ما حدث لزوجتي وهذا ما كانت تريده؟ وشقيقتي لمن أتركها وهي التي ضحت بكل سنواتها من أجلي ومن أجل تربية أولادي ؟”
وهو في حيرته وحزنه، نقلت قريبته التي روت لي القصة المؤلمة تساؤلاته، لأي كفة يميل، لشقيقته العاجزة المشلولة التي ليس لها من الدنيا سواه، أم لأطفاله الأربعة وضمان مستقبلهم بزواجه من خالتهم؟ وأضافت أنّه بانتظار من يعينه على إيجاد حلّ بعد أن عجز عن ذلك.