البوجادية تكتسح باريس!الجزار والبقال وبائع الانتيكا يحتلون البرلمان الفرنسي!

865

 عامر بدر حسون/

بعد الحروب والانقلابات الحادة في حياة المجتمعات، يجد المحتالون فرصة لتسويق بضاعتهم المغشوشة.
ولعل اكثر البضائع المنتشرة في العالم، في مثل هذه الظروف، هي البضاعة السياسية. وعقب الحرب العالمية الثانية تاسست الكثير من الاحزاب في العالم مستفيدة من جهل الجمهور ورغبته في الحصول على الاشياء باية طريقة ومهما كانت مخالفة للقانون. الحركة البوجادية (موضوعنا هنا) نجحت في كسب جماهيرية هائلة وحصلت على عدد كبير من المقاعد في البرلمان الفرنسي عندما كان شعارها الامتناع عن دفع الضرائب.. وهو العصب الاساسي للنظام في فرنسا.
واذ يبدو الامتناع عن دفع الضرائب شعارا وهدفا مضحكا ومستحيلا في ايامنا
هذه الا انه كان شعارا جماهيرا بسبب انتشار اللصوصية وانهيار القيم كنتاج للحروب عموما، وللحرب العالمية الثانية خصوصا.
هل تعرف شيئا عن بوجاد والبوجادية؟.. انه مذهب جديد قام في باريس.
وهو شيء غير الوجودية، فهو سياسي قد يقلب أوضاع العالم في يوم غير بعيد.
مذهب كالرأسمالية والاشتراكية والنازية والفاشية والشيوعية، لكنه أحدثها جميعا وأعجبها جميعا.
وقد كانت نتيجة الانتخابات الفرنسية الاخيرة مذهلة، اعتبرها المعسكر الغربي كارثة محققة واعتبرها المعسكر الشرقي نصرا مبينا!
اما الفرنسيون، فكانوا بعد انتهاء عملية الانتخابات، متعلقين باجهزة الراديو يستمعون الى النتائج أولا بأول.
وقال المذيع:
حزب بوجاد.. فاز حتى الان.. بعشرة مقاعد.
وأصغى العالم بأسره الى هذا الاسم الجديد الذي هز الشرق والغرب ..وقبل ان
يفيق من حيرته عاد المذيع يقول:
حزب بوجاد.. فاز حتى الان.. بعشرين مقعدا!
واستمر المذيع يقدم النتائج بين لحظة وأخرى، واسم بوجاد، يقفز مع كل نتيجة جديدة، حتى بلغ عدد مقاعده في البرلمان الجديد 52 مقعدا لاول مرة!
فمن هو بوجاد .. وماهو مذهبه الجديد ..البوجادية ؟ فكرته جديرة بان تستهوي العامة وتستهوي معهم التجار والزراع والصناع ..لانها تعفيهم من دفع الضرائب!
بدأت قصة بوجاد في صيف سنة 1953، حينما اقبلت جماعة من مأموري الضرائب على قرية (سان سيري) الفرنسية، التي لايزيد عدد سكانها على 2500 نسمة، لفحص دفاتر تجارها وهم نحو ثلاثين تاجرا اكثرهم من المتلكئين في اداء الضرائب فوجدوا جميع المتاجر مغلقة ووجدوا جمهورا مغضبا من الناس في ميدان القرية.
وخشي مأمور الضرائب العاقبة فتركوا القرية ليعودوا اليها ومعهم ثمانون من رجال البوليس يحملون الاسلحة والغازات المسيلة للدموع.
ولكنهم لم يستطيعوا ان يفعلوا شيئا فعادوا بخفي حنين. كان زعيم هذه الحركة رجلا قصير القامة، من جنوب فرنسا اسمه بيير بوجاد، يملك محلا لبيع الكتب في القرية، وهو عضو مجلسها البلدي ومنذ اللحظة التي اغلق فيها متجره في وجه مأموري الضرائب بدأ اسمه يلمع في سماء فرنسا وبدأ مذهبه: (لاتدفعوا الضرائب) يبهر العالم كله الى ان جاءت نتيجة الانتخابات الاخيرة فهز اسمه الدوائر السياسية في الشرق والغرب وأصبح، وهو في الخامسة والثلاثين من عمره، زعيم الحزب الرابع في البرلمان، حزب (اتحاد المدافعين عن حقوق التجار والصناع).. الذي يمثله الان 52 نائبا يأتمرون بأمر بوجادو، ويمثلون اصوات 2،5 مليون من الناخبين و12 بالمئة من مجموع الناخبين!
وللحزب جريدة اسمها (لونيون) أي (الاتحاد) توزع 600 الف نسخة يوميا رغم
ضعف مستواها التحريري.
ثم عرض مبدأ (امتنعوا عن دفع الضرائب) على زملائه في مجلس القرية، فأقروه! وبدأت الحركة البوجادية، وسرت من قرية (سان سيري) الى مدينة (روريرز) ثم الى غيرها من المدن حتى وصلت الى مرسيليا ذاتها..
وبدأ الاصطدام بين البوجاديين ورجال البوليس، وكانت النتيجة ان هبطت حصيلة الضرائب في خمس من مقاطعات فرنسا الجنوبية الوسطى بنسبة سبعين في المئة، وفي مقاطعات اخرى بنسبة خمسين في المئة! واعترض وزير المالية بان جنوب (اللوار) قد افلت من يد الحكومة.
وفي الربيع الماضي غزا البوجاديون باريس نفسها، وراح بوجاد بصوته المؤثر وظله الخفيف وابتسامته الطفلة ونكاته البارعة يغزو القلوب قائلا:اننا نحاول ان نبدأ اعظم حركة جماعية عرفها العالم.. اننا آخر أمل باق لهذه الامة!
ويكره بوجاد شيئين:
1-المشرعين الذين يضعون القوانين!
2-ويكره الفرنسيين المنحدرين من أصل يهودي ويسميهم الاجانب.
ومع هذه الكراهية للبرلمان والتشريع فقد أصبح هو نفسه عضوا في البرلمان، بل زعيما يأتمر بأمره 52 نائبا فيه!
والجديد ان بين نوابه في البرلمان اثنين من الجزارين واثنين من الخبازين واثنين من البقالين وساعاتيا ومطبعجيا وصيدليا وتاجر روبابيكا، وهم يطيعون أوامره طاعة عمياء..
هذا هو بوجاد الذي قالت الصحف ان فوزه في الانتخابات يشبه الى حد كبير جدا ظهور هتلر الذي كان في اوائل عهده مادة دسمة للتهكم الى ان بدأ العالم كله يشعر بخطره!