التاريخ بين الروايــة الرسميــة والرواية الشعبية !!

39

باسم عبد الحميد حمودي /

للتاريخ مساران معروفان: المسار الرسمي الذي تتوارثه الدول والمحافل الرسمية في كيفية نشوء الدول وتحركاتها، ضمن منظومة الدول المجاورة والصراعات المحلية والإقليمية والدولية، التي تصنع للمتابعين تاريخ الدولة مع الآخرين وتوابع تلك العلاقة ونتائجها.
وهذا التاريخ الرسمي بأنواعه المتعددة: السياسي والجغرافي والاقتصادي..الخ له مساراته الواضحة التي قد نختلف عليها أو نناقشها، والمسار الثاني، وهو المعول عليه، التاريخ الشعبي للدولة الذي يضم تفاصيل ووقائع يتداولها الناس.

التاريخ الشعبي
والتاريخ الشعبي قد لا يتطابق مع الصورة الرسمية التقليدية للتاريخ, بل إنه يجمع وقائع قد يختلف عليها الناس أو يتفقون، لكنها تفاصيل موجودة تتعلق بالهوية الحضارية الإنسانية للفرد والجماعة وتحركات الأفراد وسط جماعاتهم, وتأسيس المدن وموتها, وتحرك الجماعات واستقرارها داخل الدولة, ونمو البناء الاقتصادي وتغيراته (الملاحة النهرية مثلا وتحولاتها في العراق, طرق الصيد المتعددة واقتصاديات الأنهار والأهوار كمثال).
يضم التاريخ الشعبي روايات الناس عن الأحداث الجارية، التي جرت، مثل (دكة) رشيد عالي في الأربعينيات، و(دكة أبو طبر) في السبعينيات، والتفاصيل الشعبية المؤلمة للحرب مع إيران ودخول الكويت، وغيرها من أحداث تنقلها الذاكرة الشعبية العراقية بأشكال متعددة لا علاقة للتاريخ الرسمي بها.
وتحفل كتب المذكرات والسيَر، للساسة والعلماء والباحثين، الكثير من التفاصيل الحية التي قد تختلف، او لا تتطابق مع الرواية الرسمية, من ذلك مذكرات الدكتورة سانحة أمين زكي، ومذكرات الفنان ياس علي الناصر بطل الفلم العراقي (فتنة وحسن)، ومذكرات وريثة العروش الأميرة بديعة، ومذكرات الشيخ محمد مهدي كبة، وأوراق كامل الجادرجي، ومذكرات الدكتور هاشم مكي الهاشمي، التي تحدث فيها عن حياته المهنية وعن دوره الطبي في الكشف عن جسد الراحل الملك فيصل الثاني بعد قتله، ونساء الأسرة المالكة وعناية أستاذه وصفي محمد علي بجثة نوري السعيد بعد قتله قبل خطفه من قبل المتظاهرين, إضافة الى مذكرات الفنانين والساسة والكتّاب الآخرين، ما يضفي نكهة شخصية على الأحداث ويخرجها من رتابتها ويجعلها حية ناطقة بأحداثها.
لقد جاءت مذكرات الفنان بدري حسون فريد عن الحياة المسرحية في العراق، خلال التجارب التي عايشها، صورة حية للبناء الفني وتجارب الأسر الفنية العراقية, لكن هذه التجربة العريضة قد لا تتعايش مع مدونات الفنان يوسف العاني، وعلى الدارسين الأكاديميين متابعة تلك الفروقات وتحليلها.
إضافة إلى ذلك، فإن متابعة مذكرات القاضي محمود خالص(1899-1981)، التي جاءت على شكل يوميات تمتد بين سنتي (1920-1980)، تشكل صورة واضحة للمزج بين صورتين للتاريخ العراقي على لسان هذا القاضي: الرسمي المتعلق بعمله القانوني, والشعبي المتعلق بعلاقاته بالآخرين من ساسة ورجال دين ومثقفين.
إن دراسة هذه المذكرات, أو الاطلاع عليها -في الأقل- تشكل إضافة لردم الهوة بين التاريخين الرسمي والشعبي في العراق، أو لإعطاء الفرصة للتأمل والنقاش ومعرفة الخفايا التي لا يذكرها التاريخ الرسمي, وتلك مزية مهمة لمعرفة متكاملة لتاريخ العراق الوطني.