التحريض الطائفي وصناعة الموت

265

أ.د.قاسم حسين صالح/

الوحيدون الذين يمتلكون الإجابة العلمية هم السيكولوجيون المعنيون بعلم النفس السياسي وتحليل الشخصية..ولنبدأ بهذه الحقيقة السيكولوجية العراقية!:

 (حين تكون السلطة بيد طائفة احتفظت بها أكثر من ألف عام، لها مذهب يختلف أو يتعارض مع مذهب طائفة أخرى، فإن الطائفة الثانية تتهم الأولى بصفات:»الاستبداد، والاضطهاد، والجلاّد»، وتضفي على نفسها صفات: «المظلومية، والمحرومية، والضحية». ولأن «الضحية» تكون مشحونة بالشعور بالحيف، فإنه يحرّضها للانتقام من «الجلاّد»..فيتطور الحال الى انتقام متبادل)..وهذا ما حصل في العراق بعد التغيير.

ولأن التحريض الطائفي هو دافع  ناجم عن (التعصب)، فإن علينا أخذ فكرة علمية عنه نختصرها بأن التعصب يعني اتجاهاً سلبياً غير مبرر أو عدائياً نحو فرد أو جماعة، مصحوباً بنظرة متدنية وحكماً غير موضوعي، قائم على أساس العرق أو الدين أو الطائفة أوالجنس…وأنه  ينشأ أصلاً من فكرة تأخذ شكل((الصور النمطية Stereotypes)) التي تعني: تعميمات غير دقيقة يحملها الفرد بخصوص جماعة معينة لا تستثني أحداً منها، تكون إما إيجابية يضفيها على نفسه وطائفته، أو سلبية يضفيها على الطائفة الأخرى.  والصور النمطية  (Stereotypes ) – مستعارة  من عالم الطباعة  وتعني القالب الذي يصعب تغييره بعد صنعه – تكون مؤذيه لثلاثة أسباب:

الأول: إنها تسلب قدرتنا في التعامل مع كل عضو في الجماعة على أنه فرد بحد ذاته. فحين نحمل صورة نمطية عن جماعة، فإننا نميل إلى أن نتعامل مع كل عضو فيها كما لو كان شخصاً يحمل كل صفات الجماعة، بغضّ النظر عما إذا كان هذا الشخص يحمل تلك الصفات أم لا.

الثاني: إنها تقود إلى توقعات ضيقة بخصوص السلوك. فصورنا النمطية تقودنا إلى أن نتوقع بأن أفراد جماعة معينة سيتصرفون جميعهم من دون استثناء بطريقة معينة.

والثالث: إنها توجّه فكرنا نحو عزو خاطئ. فالمتعصب يعزو الصفات الإيجابية إلى شخصه والى جماعته التي ينتمي إليها، ويعزو الصفات السلبية إلى الجماعة الأخرى التي يختلف عنها في القومية أو الطائفة أو الدين.
والمؤذي في ذلك، أنه في حالة حصول خلاف أو نـزاع بين جماعته والجماعة الأخرى فإنه يحمّل الجماعة الأخرى مسؤولية ما حدث من أذى أو أضرار، ويبرّئ جماعته منها، حتى لو كانت جماعته شريكاً بنصيب أكبر فيه، وما حدث بين (2006 و2008) في العراق يؤكد ذلك.

  تنبيه..لندري بما لا ندري!

الذي لا ندري به أن الصور النمطية تعمل فينا وتقرر سلوكنا بنشاط تلقائي ( أوتوماتيكي ). تأمل ذلك في العراقيين عندما يتعّرف أحدهم على شخص يقول له إنه من : قبيلة شمّر مثلا، أو زوبعي، ياسري، تكريتي، بصري، عاني، كوفي، أو مصلاوي …،فإنه يتصرف معه بطريقة معينة ، حتى ليصبح الأمر في تصنيفهم للناس على أساس : ( المدينة، أو العشيرة، أو الجنس، أو العرق …) يشبه عملية قيادتهم للسيارة..أعني عملية تلقائية أو تعوّدية، تعمل على مستوى يكون خارج درايتنا به.

والذي لا ندري  به أيضا ، أن الصور النمطية تعمل ترابطات أو اقترانات وهمية بين أحداث أو موضوعات غير موجودة في الواقع ، تدفعنا الى أن نعمل استدلالات نبني عليها أحكاماً غير دقيقة . خذ، مثلا، الترابطات أو الاقترانات الوهمية الآتية عند العراقيين  🙁 المصلاوي والبخل، البصراوي وخفة الدم، الكوفي والغدر، الشروكي -العمارتلي بشكل أخص- وقلة الذوق، الدليمي والفطارة ..).

الجماهير..هي المشكلة.

 في كتابه (سيكولوجيا الجماهير) ينبهنا (غوستاف لوبون )بقوله :»إن الجماهير لا تعقل، فهي ترفض الأفكار أو تقبلها كلاّ واحداً، من دون أن تتحمل مناقشتها، ومايقوله لها الزعماء يغزو عقولها سريعاً فتتجه إلى أن تحوله حركة وعملاً، ومايوحي به إليها ترفعه إلى مصاف المثال ثم تندفع به إلى التضحية بالنفس». ويضيف بأن «الجماهير حتى لو كانت علمانية، تبقى لديها ردود فعل دينية، تفضي بها إلى عبادة الزعيم، والخوف من بأسه، والإذعان الأعمى لمشيئته».

وإضافة أخرى ذكية من عالم الاجتماع السياسي (جيرارد) بقوله «إن  التعصّب يكون معدياً في المجتمعات المحبَطة، وأن الفرد الذي يفتقد الفرصة الإيجابية قد يجد في الجماعات المتعصِّبة بديلاً من الممكن أن توفر له وظيفةُ ما، ومكانةً ما، ودوراً ما»، تشكل جميعها معملاً لصناعة الموت ..وهذا ما حصل.
تبادل نفسي للأدوار

 كانت السلطة في العراق بيد السّنة العرب لأكثر من ألف عام فيما كان الشيعة في دور «المعارضة» للزمن نفسه. ويعني هذا بالمفهوم  السيكولوجي لدى الشيعة: أن السّنة كانوا يمثلون دور السادي وأنهم

مظلومون من ألف عام. والذي حصل بعد التغيير 2003 تبادل للأدوار، فصار الشيعة في السلطة والسُنة في المعارضة، والتبادل السيكولوجي للأدوار نجم عنه أن الطائفة التي كانت تعدّ نفسها «ضحية» بالغت في الانتقام ممن تعدّه «جلادّها» حين امتلكت السلطة، وأن الطائفة التي كانت تعدّ  «جلادّا» دافعت عن نفسها أن تكون «ضحية» وبالغت في الانتقام ممن تعدّه صار «جلادها» . وأصيب كلا الطرفين بحالة تعدت الخوف من الآخر إلى «بارانويا» في أقصى درجاتها بأن وصل كلاهما إلى الاعتقاد أن الآخر قد رفع شعار : «لأتغدى بصاحبي قبل أن يتعشى بي!»

سيكولوجيا حديثة

الدراسات الكلاسيكية  توصلت الى أن فكر التعصب (التطرف) يتغذى على معتقدات مفبركة وأحداث تاريخية مزورة، يشيع بين جمهور محدود الوعي  يسهل توجيهه واقتياده حتى إلى الهلاك، فيما يرى السيكولوجيون المعاصرون أن التعصب يعد هوساً مرضياً بالهوية، سببه أن المتعصب لهويته يعتقد، او جعلوه يعتقد، بوجود تهديد يستهدف القضاء على هويته وشحنه نفسياً بآلية  التخويف من الآخر وتصويره مصدراً لتهديد دائم يستهدف إنهاءه. قد يكون التهديد حقيقياً، أو مبالغاً به، أو مفتعلاً، او وهماً من نوع البرانويا..او هوساً دينياً.

وننبّه الى مسألة غاية في الأهمية، هي أن جوهر مشكلة «العداء» بين السنّة والشيعة يكمن – برأينا – في (الثقافة الشعبية) لجماهير كلا الطائفتين. فمع أن أكثر المثقفين من الطائفتين يستسخفون الخلاف بين السُنة والشيعة، إلا أن جماهيرهما الشعبية التي تشكل الغالبية العظمى، متشبعة بثقافة الخلاف.. وهي التي تؤثر في القادة السياسيين، فيستغل قسم منهم ويتعاطف قسم آخرمعها لكسب ودّها من أجل البقاء في السلطة، وينتصر قسم ثالث لها لحمايتها من تجاوزات جماهير الطائفة الأخرى.

مراجعة متأخرة

 بدءاً من عام ( 2009) حصلت عملية مراجعة وتصحيح للأفكار غير العقلانية والتعميمات الخاطئة التي تحملها الطائفتان نحو بعضهما، فليس كل أتباع الطائفة هم طائفيون بالضرورة بل فيهم كثر يدينون تطرف من صاروا قادة يمثلون طائفتهم، وحصلت بعد استعادة التوازن الانفعالي مراجعة عقلية  بما يعدّ مرحلة أولى في سيكولوجيا «شفاء» الطائفتين من أمراضهما النفسية. غير أن هذا لا يعني أن الاحتراب بينهما دفناه ولن يتكرر، أو أن كل طائفة قد أمنت تماما جانب طائفة أخرى ما دامت هنالك طائفية سياسية، وأن «تعافيهما» يحتاج الى زمن طويل وجهد ثقافي وتربوي ضخم تمر فيه الأفكار والتعميمات الخاطئة من مرحلة «التصحيح» الى مرحلة «الإقتناع» وصولاً الى مرحلة «السلوك» الذي يتعامل فيه الفرد مع الآخر على أساس أنه «انسان» بغض النظر عن طائفته أو أي اعتبار آخر.

تحذير

 من متابعتنا لسلوك العراقيين بعد (2003) خرجنا باستنتاج خلاصته :»أن  تعميمات خاطئة وأوهاماً مرضيّة ومعتقدات كثير منها سخيفة، تحكّمت في الكثير من تصرفات جماهير الطائفتين  وهم عنها غافلون! وأننا لن نكون في مأمن من الكارثة حتى لو وصفنا أنفسنا وتحدثنا عبر القنوات الفضائية بأننا نعشق الديمقراطية قولاً وفعلاً، فيما نحن في بيوتنا ومع أهلينا متعصبون حدّ النخاع !»

 4 آب 2017

 مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

(خاص بمجلة الشبكة تلبية لطلب رئيس تحريرها)