التشكيلية العراقية أريج المنصوري: اللوحةُ أنثىً لونيّة

435

آمنة عبد النبي /

مُنذْ طفولتها وهيَ تؤمن بأنّ المرأة كاهنة، وما الهارمونيّة داخل اللوحة إلاّ جناحٍ أنثى حبيسة، الجرأة بمفهومها ثورة معرفيّة، والانسحاق هو الإيمان المطلق بأن من الصعبِ على الإنسان في الشرق أن يكون امرأة.
“أتجرأ أكثر من الآخرين”، عبارتها هذه أصبحت المانشيت المُثير الذي تصدّر الصحافة الرسمية لمدينة هلسنبوري، واحدة من أكبر مُدن السويد، بعد أن توجتها الإدارة الثقافيّة الرسميّة للمدينة بلقبِ kulturtant، أي النموذج الثقافي. هذا اللقب الذي يُمنح لتخصيص الهويّة الثقافية بعد حملة تصويت كبيرة لجميع الهويات هناك، إذ يجري اختيار النموذج الأجرأ بثقافتهِ ومهاراتهِ الفرديّة.
أريج المنصوري، الفنانّة التشكيلية العراقيّة المغتربة التي استطاعت أن تؤسس وتقود الفريق الفني forrmbat الذي ضم أبرز فنانات السويد التشكيليّات.
واجهت التطرف مرتين، إحداهما في شرقنا الأوسطي وتابواتهِ، وأخرى في السويد حينما قوبلت بهجمة عنصريّة من أحزاب اليمين على مواقع التواصل السويديّة، بعد أن فازت باللقب، وفي الهجمتين وقفت مثل نخلة فراتيّة، تقرأ أمام الجميع النشيد الوطنيّ العراقي باللغة السويديّة، والنشيد الوطني لبلادها بالتبني السويد باللغة العربية.
“الشبكة العراقية” التقتها في ركنٍ هادئ يُشبه هارمونيّة لوحاتها، فخرجنا بتلك الفضفضة العابقة برائحة الطلاء الزيتي.
* المرأة في عالمنا العربي، عنوان جدلي كبير، هل تؤمنين أنّ ثقافة اللوحة الجريئة قادرة على إسناد المرأة معنوياً في معركتها داخل أوطان قُدّر لها أن تنمو وسط الحروب التي تأكل أبناءها بمهارة؟
– البيت المفعم برائحةِ الطلاء الزيتي الذي نشأت فيه، هو من علمني أنّ المرأة كاهنة الحياة، وعمود البناء المجتمعي الثرّ، ومن تحت يديها انطلقت الأجيال النافعة ذكوراً وإناثاً، لذلك صار من الصعبِ تهميشها أو تحجيم دورها، الرجل بوصلتها الآمنة، لم تكن خصمَه الندَّ يوماً، إنما هي العضد، سابقاً كان هناك انتهاك كبير لمكانتها المعنويّة، ليس من الرجل، بل كان كلاهما ضحية متبنيات اجتماعية متوارثة، لكن النظرة اليوم إلى المرأة أكثر اعتدالاً ومعاصرة، لاسيمّا في عوالم الفن وفضاءاته الحساسة في ما يتعلق بدخول المرأة إليها، في حين كل تلك الأنشطة الفنيّة المغلفة بالتابوات صارت تساند المرأة وتسندها، لقد تحولت اللوحة الى أنثى لونيّة، وحتى في المسرح والمجال الموسيقي والحيّز السينمائي لها دور فاعل ومحوري، لكن مع كلّ هذا الانفتاح والانعتاق هنالك زوايا قبلية وعشائرية في عالمنا الثالث ما زالت تدمغ المرأة بحبرٍ سري.
* نجد في لوحاتكِ ممازجة لونيّة لافتة للنظر، أهي قصّ لذاكرة مُتعبة وفتح نافذة بالروح لهواءٍ متجدد، أم أنها محاولة للخروج عن هارمونية الوطن الأم؟
– اللون ترجمة هارمونيّة لثقافة الفنان وهوية الريشة، أنا الفنانّة القادمة من بلاد الشمس، أميل بطبيعة الحال الى الألوان الشرقيّة البراقة التي نشأت معها فرشاتي، لاسيما وأن إحساسي اللوني نما داخل لوحات والدي الفنان التشكيلي غالب المنصوري، وحتى بعد رحلة المنفى التي تفرض أحياناً ربما تغييرات على الذائقة، لكن بصراحة وجدت هنا في السويد الفنان والمتلقي ميالاً ومنجذباً لتلك الألوان الحارة، مع أني في السنوات الأخيرة حاولت تطوير الهارمونية داخل اللوحة فصرت أستخدم اللون الحار داخل جسم الفكرة، أما محيطها فيكون لونه بارداً، ولعل ذلك ناجم عن تأثيرات المناخ السويدي المُثلج من جهة، ولطرح فكرة مجتمعية جامعة لمزاج شرقي/أوروبي من جهة أخرى. لقد كان التلقي مُدهشاً، ووصفت الأعمال بأنها مميّزة ومحتفظة بهويتها.
* جدل الهويّة الثقافية داخل المنافي وما تنتجه من تصادمات مجتمعيّة، ألا تجدين صعوبة في الحفاظ على الخصوصيّة في بلادٍ تتمازج فيها مئات الهويات يومياً؟
– بصراحة أجد العباءة العراقية هي الزي الثقافي الذي أستشعر معه هوية البلاد وطبيعتها المفعمة بالاختلافات الذوقيّة، لعل الفكرة المتعارف عليها داخل ذلك الزي هي غياب المحتوى أو ممارسته وممانعته بحجبِ الثقل الثقافي، لذلك كنت أجد في نفسي دائماً النموذج القادر والمصرّ على كسر تلك التابوات الشرقيّة والغربية كذلك، أنا القادمة من العراق والمحمَّلة بعبق القداسة النجفيّة أشعر أنها تبرزني من بين مئات الهويات داخل السويد، كذلك استخدمت العلم السويدي هوية فنيّة في اللوحة للدلالة المعنوية على الاندماج، لا سيما بعد أن صار موضوع العنصرية متأزماً وكبيراً.
* الهويّة الشرقيّة في اللوحة، هل يمكن اعتبارها ثيمة مكررّة تصرّين على تكريسها في أعمالكِ الفنية؟
– لا أعتقد ذلك، والدليل أني في عامِ 2013 أسستُ الفريق الفنيّ”FORMBART” الذي ضمّ أبرز التشكيليّات السويديات: انجيلا انجباك، انيكل ثورسين، كاترينا بريجمان، إنغور جرين، وايسا، إذ أقمنا معارض جماعية كثيرة، ولكل عضو من أعضاء المجموعة أسلوبه الخاص والمختلف، وآخر معرض أقمناه هو “الهوية” وكانت الثيمة الأساسيّة للأعمال تركز على الهوية الثقافية في إطارها العام ومدى إمكانية الاندماج. المعرض الأخير الموسوم بـ “قصة شهرزاد” أقمته في هلسنبوري، بالتعاون مع مهند الدروبي وحذيفة صالح، وهما فنانان عراقيان درسا الفن في بغداد، ويقيمان حالياً في فنلندا، وخذي مثلاً في معرض “مصائر” يظهر الأشخاص في اللوحات كأنهم مجسمات مع ملامح حادة، ككتل بشرية أو فرادى، كامرأة لديها طفل بين ذراعيها، أو أم بجانب ابنتها، وزفاف لزوجين، أو رجل في المقهى مع كوب من الشاي في يده. فكل هؤلاء الأشخاص يمثلون مشاهد الحياة اليومية التي ميزتها الألوان الحارة التي تتميز بها شمس العراق.