الحجّية وكيال نجمان ساطعان في عالم التراث

303

باسم عبد الحميد حمودي /

اعتدنا في صفحتي التراث أن نتناول مايمت بصلة إلى هذا الرافد المعرفي من أنتيكات على مستوى الأمكنة التراثية وتاريخ الألبسة القديمة ومبررات وجودها، فضلاً عن الغناء والموسيقى والرقصات القديمة. ولم نغفل أو نتجاهل الأطعمة التي كانت تزين موائدنا وغيرها من مرتكزات تراثنا الغني بجميع مفرداته.
من باب الإنصاف وردِّ الجميل لغوّاصين محترفين في هذا العالم، وهما عاشق بغداد عزيز الحجية وعاشق دمشق منير كيال، الذي غادرنا في السادس من شباط هذا العام، أن نجعلهما فارسي صفحتي تراث لهذا العدد وهما بالتأكيد يستحقان أكثر من ذلك.
ولنبدأ من عاشق بغداد، فإذا ما ذكر عزيز الحجية، في محفل، جاء ذكر موسوعة (بغداديات) التي سجلت تفاصيل الحياة الشعبية في بغداد بدقائقها خلال مئة عام. وبذلك كان هذا الفولكلوري الكبير مرجعاً أساسياً عبر موسوعته هذه, في فهم تفاصيل تلك الحياة المتشعبة الجوانب : محلات وعادات وتقاليد وصناعات شعبية وأعياد وأدوات وأغان وأمثال وعمارة وأزياء، خلال الأجزاء السبعة التي صدرت لهذا الموسوعي الغريب الحياة والاهتمامات.
مناقب عزيز
الحجّية ليس فقط صاحب (بغداديات) التي بقيت عند بناته الست, ففي مكتبته ثلاثة أجزاء بخطه لم تنشر بعد, بل هو رياضي سبّاح ومصارع, رافق بطل العالم في السباحة الطويلة في بحر المانش بين فرنسا وإنكلترا وسباق بيروت-صيدا عام 1956البطل العراقي علاء الدين النواب، الذي سبح لمدة23 ساعة و56 دقيقة وسط البحر ليفوز بالمركز الأول للهواة, وقد أصدر الحجّية كتاباً في هذه الرحلة عام 1959 بعنوان (أنوار كاشفة على سباحة المسافات الطويلة).
ابن حمام المالح
ولد “أبو حياة”، الإستاذ عزيز جاسم الحجّية، في محلة حمام المالح البغدادية العريقة عام 1913، وانتقل إلى رحمة الله في مايس من عام 2002. ومن هذه البيئة الشعبية استطاع الحجّية أن يلمَّ بتفاصيل مايحيط به من عادات وتقاليد, وأن يدون كل تفاصيل (دورة الحياة)!
ودورة الحياة مصطلح فولكلوري علمي يعني حياة الإنسان منذ ولادته حتى وفاته، مروراً بالخطبة والزواج والمصاهرة وبناء البيت وإلى غير ذلك من تقاليد وعادات الحياة الشعبية.
استهوت عزيز الحجّية هذه الأجواء وكتب عنها الأجزاء العشرة من موسوعته (بغداديات)، وكان أميناً في نقل كل التفاصيل عن بغداد وتقاليدها الشعبية، سواء في الأعياد وأنواع الأزياء والصناعات الشعبية، ودخولاً إلى عالم الموصلات الشعبية ومنها الكاري(الترامواي) وعربة اللاندون وأنواع عربات النقل الأخرى, إضافة إلى الاهتمام بالأغاني بأنواعها والحكايات الشعبية وألعاب الصبيان والفتيان ووصولاً إلى عمارة البيت البغدادي بأنواعها.
أمثال الملّا عبود
هذا عنوان تمثيلية ألّفها الحجّية ونشرها عام 1985 بمقدمة كتبها صديقه الدكتور مصطفى جواد الذي أشاد بأهمية استخدام المثل الشعبي في النص المسرحي، كما ألّف عزيز كتاباً مهماً صدر عام 1986 تحت عنوان (الأمثال والكنايات في شعر الملا عبود الكرخي)، وبذلك كان الحجّية نجماً من نجوم الفولكلور العراقي ومرجعاً من مراجع الحياة الشعبية البغدادية.
يقول الحجّية، في مقدمة كتابه عن الأمثال في شعر الملا عبود، إنه عُني بجمع الأمثال العامية البغدادية حسب الحروف الهجائية منذ عام 1943 وشرح معظمها وذكر ما توفر له من حكاياتها وقدّم المخطوطة إلى أستاذه وآمره اللواء الركن عبد المطلب الأمين الذي كان قد سبقه في جمع ألوان التراث الشعبي.
كان اللواء الأمين أيامها معلماً في كلية الأركان في معسكر الرشيد، وقد غرقت المخطوطة مع غرق المعسكر عام 1954، لكن عمل الحجّية لم يثنه عن ذلك وعاد جامعاً للألوان من القصص والعادات والتقاليد البغدادية حتى وفاته. كان عاشقاً لبغداد إلى حد الجنون!
منير كيال: موثق شعبيات دمشق وعاشقها
في السادس من الشهر الماضي غادر الأستاذ منير كيال دنيانا إلى عالم الخلود بعد رحلة حياة معطاء حفلت بالكثير من المنجزات الثقافية الفولكلورية في أحوال دمشق وأهلها على مر العصور.
موثّقو المدن العربية
ومثلما عرفت دمشق منير كيال موثقاً لفولكلورها وتاريخها، عرفت المدن العربية الأخرى رجالاً وباحثين نذروا أنفسهم لجلاء تجارب التراث الشعبي في مدنهم، من أمثال عاشق بغداد عزيز الحجية، الذي كان مستهل موضوعنا هذا، وكذلك عبد اللطيف الدليشي في البصرة وجعفر الخليلي ومكي زبيبة فى النجف وعبد الباري النجم وعمر الطالب وسعيد الديوجي في الموصل، وانستساس ماري الكرملي ومصطفى جواد وعباس بغدادي ومحمود العبطة في بغداد، ونايف النوايسة وهاني العمد وعبد الله رشيد في الأردن، وكثير من الباحثين في مصر والجزائر وتونس، وسواهم ممن لايتسع لهم موضوع تعريفي كهذا.
كيال العاشق
كان كيال عاشقاً لدمشق وما حوت، ويتجلى ذلك في جميع تآليفه التي أصدرها وما حوت مكتبته مما لم يصدر الكثير.
ولد منير كيال عام 1931 في حي الشاغور الدمشقي واستكمل دراسته الجامعية عام 1962, وفي عام 1984 أصدر كتابه المهم (ياشام) في سبعة عشر فصلاً وثق فيه للحياة الشامية الشعبية في مختلف مظاهرها.
سكان دمشق, ومنهم منير يطلقون اسم (الشام) على دمشق وحدها, وكذلك فعل الراحل الكبير, مثلما يطلق المصريون تسمية (مصر) على مدينة القاهرة، ويفعل التونسيون ذلك بالنسبة إلى عاصمة دولتهم. لكن كيال توقف عند دمشق في إبداعاتها الفولكلورية ليكتب لنا عبر السنوات الماضية ثلاثين كتاباً عن دمشق وأهلها بحيث لم يترك كثيراً من التفاصيل الفولكلورية لسواه من الباحثين مثل فاضل السباعي المتخصص في تراث حلب وفي أطايب الطعام السوري.
من كتب كيال الغنية بالتفاصيل: فنون وصناعات دمشقية، الحمّامات في دمشق، معجم درر الكلام في أمثال أهل الشام، محمل الحج الشامي، المرأة في المثل الشعبي الشامي، سهرات النسوان في الشام أيام زمان،العادات والتقاليد في الشام.
وكتب أخرى لا تترك شاردة في عمارة دمشق ولا واردة في فنونها والرقص الشعبي فيها سواء من القدود إلى الدبكة إلى أغنيات الروزنا والمهاهاة.
اهتم كيال بالقصص والحكايات الشعبية الدمشقية فأصدر كتابه(حكايات دمشقية) تغطية لهذا الجانب, وله في العادات والتقاليد ودورة الحياة كتابه المهم (دمشق الشام ذاكرة الزمان).
هكذا لا نجد زاوية من معمار الشام وحكاياتها وطعامها وحياتها الشعبية وقصورها ومتنزهاتها وأماكن السهر وأماكن العبادة فيها إلا ووثّقها منير كيال الذي بدأ حياته الثقافية لا كمدرس جغرافية في مدارس دمشق بل كشاب يحمل كاميرته ويصور الحواري والأماكن والصور والصناعات الشعبية، ومن الكاميرا انتقل إلى القلم فكان مبدعاً في العالمين.