الحروب وإدارة الاقتصاد

66

مصطفى الهاشمي /

تغيرت أساليب وفنون الحروب في السنوات الأخيرة، وامتازت بتنوعها، حتى تخصصت بعضها بضرب الشؤون الاقتصادية. ومع اختلاف التمييز بين الحروب التقليدية والحروب الحديثة، فإن اقتصاد الدول إبان الحروب يتمثل بمجموعة من إجراءات الطوارئ التي يجري اتخاذها من قِبل الدول المتحاربة لتعبئة اقتصادها للإنتاج خلال فترة الحرب.
ويصف (فيليب لو بيلون) اقتصاد الحرب بأنه نظام إنتاج الموارد وتعبئتها وتخصيصها لدعم المجهود الحربي.
وللحرب أضرارها وفوائدها أحياناً، ولاسيما على الصعيد الداخلي للدول المتحاربة، فهي تضع الحكومات وإداراتها أمام تحديات تحقيق الاستقرار وتوفير الغذاء وإدامة الحياة لشعوبها رغم بشاعة مناظر الدم على جبهات القتال.
اقتصاد الحروب العراقية
في ثمانينيات القرن الماضي اندلعت حرب استنزافية بين العراق وإيران خسر فيها العراق الكثير من مؤشراته الاقتصادية المرتفعة، الى جانب تراجع معدلات رفاهية المواطن بسبب توجيه الواردات المالية والاحتياطي النقدي لإدامة زخم الحرب في تلك الفترة.
يقول الأكاديمي الاقتصادي الدكتور ماجد البيضاني، في تصريح خص به “مجلة الشبكة”: إن “العراق لم يجنِ من هذه الحرب شيئاً لأنها كانت عبثية، تسببت لاحقاً بأزمات اقتصادية كارثية ولدت ديوناً ثقيلة. وتعرضت صادرات العراق النفطية الى التراجع بسبب تضرر الملاحة في الخليج الذي طال الناقلات النفطية العراقية والأجنبية على حد سواء، فاضطرت شركات التأمين العالمية من جراء ذلك الى إلغاء أهم وثيقة تأمين تجارية في العالم، الا وهي وثيقة التأمين البحري، ما ألحق خسائر أكبر في اقتصاد العراق بصفته معيدَ تأمين عالمي وشريكاً يصعب الاستغناء عنه.”
وتابع البيضاني أن “ظروف الحرب في تلك الفترة جعلت الحكومة تطلب من المواطنين التبرع بالأموال والمصوغات والحلي الذهبية والسيارات، في بعض الأحيان، لغرض دعم المجهود الحربي، مع منح المتبرع امتيازات عينية وترقيات في الوظيفة لمن كان من الموظفين، مع هدايا شخصية رمزية من (السيد الرئيس)!”
سوء الإدارة
عانى العراق كثيراً من جراء هذه الحرب وما تلاها، واستهلك ما حققه من أرقام اقتصادية بسبب سوء التقدير وعدم احتساب كلفة الحرب الحقيقية، فبعد أن كان يعد من الدول المانحة، صار من الدول التي تطالب بإسقاط ديونها المترتبة عليها من دول العالم التي فاقت الـ 100 مليار دولار في حينها، بعد أن كان قد حقق قبل الحرب فائضاً مالياً بلغ أكثر من 30 مليار دولار!
وأضاف البيضاني “بسبب هذه المديونية، وبعد انتهاء تلك الحرب، اندلعت مباشرة أزمة كارثية جديدة على اقتصاد العراق بسبب المديونية التي سببتها حرب الثماني سنوات، وكانت من 3 مصادر في وقتها: الأول الديون التي منحتها دول الخليج التي بلغت 40 مليار دولار، والقروض الممنوحة من حكومات ومصارف غربية تقدر بـ35 مليار دولار، والأخرى قروض (سوفييتية) وبلدان من أوروبا الشرقية بلغت 11 مليار دولار.”
وتابع الأكاديمي الاقتصادي أن “الكويت طالبت العراق بتسديد ديونه، لكنه طالب بجدولة تلك الديون من جراء نقص السيولة وانهيار أسعار النفط في حينها، فتفاقمت الأزمة حتى انتهت باجتياح العراق للكويت في آب سنة 1990.”
وبين انه “بعد 8 أشهر تدخلت الولايات المتحدة لحل الأزمة عسكرياً وقادت تحالفاً من 30 دولة ضد العراق لإخراجه من الكويت، ودمرت البنية التحتية العراقية، وتراجعت الموارد الاقتصادية أكثر وارتفع التضخم بسبب الحصار الدولي وتبعات الفصل السابع، ما انهك اقتصاد البلد، فانهارت العملة الى مستوى القاع بعد أن كان الدينار يساوي أكثر من 3 دولارات و 40 سنتاً قبل الحرب الأولى.”
الحرب الروسية الأوكرانية
تشغل الحرب الروسية – الأوكرانية وآثارها اقتصاد العالم ككل، باعتبار أن ثلث إنتاج الغذاء العالمي يصدر من مزارع القمح وحب دوار الشمس لإنتاج الزيوت النباتية، ما دفع بالبلدين، ولاسيما روسيا، الى اتخاذ إجراءات لدعم اقتصادهما على الصعيدين المحلي والدولي.
فعلى صعيدها المحلي، وفرت روسيا الغذاء لشعبها بأسعار مدعومة، فضلاً عن توفيرها المحروقات للطبخ والتدفئة، في وقت تشهد فيه عدد من دول أوروبا الآن، حالات من التضخم وارتفاع الأسعار ونقص المعروض من الغذاء، إذ ارتفعت أسعار القمح والرز والحبوب وزيت الطبخ الى معدلات غير مسبوقة، فضلاً عن ارتفاع أسعار المحروقات ووقود السيارات والغاز والفحم المستخدم للتدفئة.
والى جانب كون روسيا بلداً نفطياً من الدول خارج منظمة أوبك، فهي دولة تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز على صعيد العالم، الى جانب كونها ثاني أكبر منتج للذهب في العالم، إذ يبلغ معدل إنتاجها من المعدن النفيس 330.9 طن/سنوياً ، بعد الصين التي تنتج 332.0 طناً من الذهب سنوياً.
يقول الأكاديمي الاقتصادي الدكتور ماجد البيضاني إن “اقتصاد روسيا، رغم العقوبات التي طالته، فإنه جرى رسم خط واضح لإنعاش اقتصاد البلاد على الصعيد المحلي، وتراجع معدلات التضخم مع وفرة واضحة للغذاء والوقود مقابل ما تعانية كثير دول من أوروبا.”
ويرى البيضاني أن “ما أعلنه رئيس الوزراء الروسي ميخائيل ميشوستين بأن حكومة بلاده اتخذت قرارات لدعم الشركات ومواطنيها لمواجهة القيود الخارجية جاءت بهدف زيادة استقرار الاقتصاد عبر تخصيص 100 مليار روبل لهذه الأغراض.”
وكان البنك المركزي الروسي قد قدم توقعات لتطور الاقتصاد الروسي للسنوات الثلاث المقبلة، ويتوقع أن يعود إلى مستويات إيجابية بحلول العام 2024. وذكر المركزي الروسي إنه بحسب التوقعات سيكون الناتج المحلي الإجمالي لروسيا سلبياً في العام المقبل، على أن يسجل مستويات إيجابية تتراوح بين 1.5% و2.5% بحلول العام 2024. كما أن من المتوقع أن يبلغ مؤشر التضخم هذا العام مستوى 12% – 15%، على أن ينخفض 5% – 7% في العام 2023، وإلى 4% بحلول العام 2024.