الخبازة أم نجم : المرأة التي تعيل زوجها.. وتحب الغناء.. وتعيش في الماضي

546

ارشيف واعداد عامر بدر حسون/

هي قصة كل امرأة تناضل وتكافح في شبيل العيش والبقاء.. هذه المرأة ذات الأعصاب الفولاذية..لم تقعدها عن العمل السنوات العجاف التي أثقلت كاهلها بظروفها الخانقة..

ولم يثبط عزيمتها زوجها الذي انزوى في ركن الدار عاطلا كالأثاث المهجور.. ولم يوقف عجلة كفاحها السائرة باستمرار ابنها العاق الضال.. بل مضت تعمل وتكد في صبر واعداد.. وبروح قوية مليئة بالايمان العميق بنفسها..

قصة أم الخبازة أم نجم

دفعني حب الاستطلاع، حب التعرف الى شد الرحال لزيارة هذه العجوز (الشابة) ذات الأعصاب الحديدية لكي انقل لقرائي الأعزاء صورة ناطقة حية عن حياة امرأة تعمل باعصابها.. وبصرها.. ودمها.. في سبيل نفسها وزوجها وابنها.. وستبقى تعمل وتعمل حتى تنهار قوتها وتتلاشي منها الحياة.. وقرب محطة القطار في جانب الكرخ وجدتها واقفة.. وكانت بوجهها المتغضن المملوء بالأخاديد التي تكمن فيها قصة حياة هذه المرأة.. وبوقفتها الشامخة اشبه بتمثال عريق في قدمه يتحدى الزمن بقوته ولم تتحرك من جنب (تنورها) الصغير الذي نهض عن الأرض كفسيل نخلة.. ووضعت قربه أدوات العجن.. (الطبك).. والالجانة.. وطاسة كبيرة مملؤة بالماء.. وكمية من الطحين ورأيتها تتناول بين لحظة وأخرى كرة من العجين ثم تطرقها بين كفيها طرقات تخف معها تدريجيا حتى تنداح وتصبح دائرية رقيقة.. ثم تلطش هذه الرقاقة في جوانب (التنور) من الداخل حيث النار اللاهبة المحرقة.. وتعاد العملية مرات من دون كلل أو تذمر.. ترتدي عباءة صوفية سوداء تمزقت أطرافها وقد اخرجت يديها المعروقتين من كميها فسهل عليها (الشغل) وفي فترة الاستراحة الواقعة بين تجديد (الشجار) والشجار في لغة الخبازين هو ايقاد التنور سألتها:
*ما اسمك وكم عمرك؟

-اكو حاجة تسالني عن عمري واسمي..؟

*نعم ولازم نعرف اسمج وعمرج؟

-زين يسموني ام نجم وعمري.. وعمري..

وهنا استغرقت في تفكير عميق وسرحت بنظرها الى بعيد وبعد لحظات عادت الى واقعها وقالت..

-اني بزمان الحرب الجبيرة تزوجت وجان عمري يابه لويش اكول..

*خالة لازم تكولين.. اشكد عمرج..

-عمري (85) سنة.

-كم من السنين مضت عليك وانت (تخبزين)

-صارلي ويا هاي السنة واحد واربعين سنة.

-اليس لك زوج أو ابن يعينك على الاشتغال؟

-بابه ليش ما عندي رجال؟..؟. شوفه هذا
وأومات بأصبعها الى رجل يكبرها بعامين كان جالسا على حصيرة بالية يدخن (النركيلة) وكان ينظر الي ببلاهة.. وجمود..

ورأيته يضحك حينما اشارت اليه زوجته..

وعادت أم نجم تقول..

-شفته زين.؟ هذا صار له عشر سنين بطال وآني اخبز واعيشه هو وابنه (المضروب) اللي ما يطلع براسه خير..
والتفت ابحث عن ابنها نجم فلم أجده وسألتها

-واين ولدك نجم؟

-يمكن راح للطولة حتى ينيشن له فد حصان يربح بالريسز

-وهل هو من هواة سباق الخيل؟

-اي يابه ثابرنه.. يومية ياخذ مني ربع دينار يصرفه على القمار. اشوكت الله ايخلصنه منه ومن الريسز اللي راح يهجم بيتنه..

-خاله أم نجم لقد لاحظت في دارك (راديو) جديد فهل تستمعين اليه؟

-لعد لويش اشتريته؟.

-ترى آني اشتريته من ذراعي هاي..

وهزت يدها بقوة أمام ناظري..

-هل تفهمين ما يقوله (راديوك) العزيز؟

-نص ونص..

-هل تحبين الغناء واي المغنين والمغنيات أحب اليك؟

-احب اكثرهم (صديقه الملايه).. ويجي وراها (حضيري).. واموت عالنايل ماله..

-رأيك بفريد الاطرش؟

-والله ما اعرفه..

-زين ورضا علي..؟

-هذا ابو حس البنات..؟

فضحكت..

-كم رغيف خبز تنتجين يوميا؟

بين الاربعين والخمسين.. ودورات اوصل للثمانين..

-هل تحبين ان تأكلي من نتاجك؟

-لا..

-ولماذا؟

-اشو نفسي متقبله… وآني احب الصمون الأسمر اكثر من الخبز..

-هل تحبين زوجك العاطل؟

ووجدتها تبتسم وتهمس

-لعد شلون؟.. هذا رجلي وابو ابني..

-ما امنيتك في الحياة وانت في هذه السن؟

-اطلب من الله ان يمد بعمري ويساعدني حتى احج مكة المكرمة وازور قبر النبي صلوات الله عليه.

-هل جمعت ثروة من عملك هذا؟

-هذا سر يا ابني ما يمكن افضحه..

-خاله ما رأيك في السفور؟

-والله ابني آني من اشوف ابنية مطلعه زنودها يوكف شعر جلدي.. لانه حرام.. لازم على كل رجال ميطلع بنته أو مرته بدون عباية..

-مثلك امرأة تعمل وتكافح يجب ان تكون متحررة من (سوالف) الماضي فلم تكونين رجعية بافكارك؟

-هذا يسمونه رجعية.. آني اعتقد بالسفور شيء حرام.. وشتكول علي كول… و..

ورأيتها تقفز وتذهب الى (تنورها) الحبيب.. وهي تقول..

-ترى حمه التنور هوايه.. وتركتها (لتنورها) تشوي في اعماقه الخبز.. الذي هو مصدر رزقها..

تركت أم نجم..

المراة التي تعيل زوجها وتحب الغناء وتعيش في ماضيها السحيق..

الاسبوع 1/3/1958